يا ورد على فل وياسمين: حين تهزم رغبات المتفرج رؤية السيناريو
الثلاثاء / 14 / محرم / 1448 هـ - 19:43 - الثلاثاء 30 يونيو 2026 19:43
ليس السؤال الذي يشغلني لماذا انتهى المسلسل بهذه النهاية، بل لماذا رفضها هذا العدد الكبير من المتفرجين. هل لأن السيناريو أخطأ؟ أم لأن كل متفرج كان قد انتهى، في داخله، من كتابة نهاية أخرى قبل أن يصل العمل إلى حلقته الأخيرة؟
في غرفة المونتاج كان مخرج مسلسل (يا ورد على فل وياسمين) محمود عبدالتواب يستطيع أن يغيّر معنى مشهد النهايّة كله، ليس بإضافة لقطة جديدة، بل بجعل عاطفة المتفرجين مطمئنة وسعيدة؛ فتتزوج الكوافيرة إلهام (صبا مبارك) من الدكتور طارق (أحمد عبدالوهاب)، لكن المونتاج قام بحذف ثانية واحدة من عمر الزمن الواقعي؛ لتقديم لقطة لزمن آخر جاء بعد مرور أربع سنوات، لنشاهد طارق متزوجا من الطبيبة زميلته إيناس (إيمان الشريف) وأنجبَ منها ولدًا. إن المفارقة التي حصلت جسدتها ردود فعل المتفرجين للمسلسل الذين رفض جزء كبير منهم قبول التعاطف مع النهاية التراجيدية لعلاقة الحبيبين، كأنّ مؤلفي السيناريو (عمرو سمير عاطف، ووائل حمدي) وعلى رأسهم المخرج، كانوا يقصدون تحطيم إحدى قصص الحبّ وانتصار الموت والمرض، مهما اختلفت الخلفيات الاجتماعية للشخصيات. بينما ذهب رأي آخر إلى قبول النهاية، فالواقع فيه حالات تشبه إلهام يمكن أن تموت في النهاية من فرط الإهمال، بالرغم من مواقفها الإنسانية مع أمها وصديقتها وطليقها، عندئذ، يكافئها السيناريو بالحب، لكن الموت يظل أقوى وأكبر.
إن ردود فعل بعض المتفرجين أبطأت في تخطي النهاية، لكنها من جهة أخرى، أعادت إلى الواجهة أسئلة متداخلة: لماذا أحب الجمهور هذا المسلسل؟ لماذا كان يجب أن تموت إلهام ابنة الطبقة الوسطى التي تشبه حال كثير من الناس؟ لماذا في الوقت الذي ينجح فيه طارق تجاوز سلطة والده والمجتمع وينجح في اختبار اختياره الأول، يكافَأ بموت حبيبته؟ لماذا سارعت إلهام عندما التقت مع إيناس في المستشفى إلى ذكرها أمام طارق وهي معه في سيارته كامرأة تصلح كزوجة إذا هي ماتت!
إن اختلاف مشاعر تلقي المتفرجين لنهاية المسلسل، يكشف عن الكيفية الذهنية المعقدة التي تتفاعل بها أدمغتنا مع العواطف المتباينة، حينما تلجأ إلى ممارسة المونتاج مع الأحداث التي تمرّ في حياتنا، فنحن لا نسأل أنفسنا لماذا حدثت النهاية على ذلك النحو؟ لأن الإجابة الجاهزة تقول إن المخرج أراد ذلك. بل نطرح سؤالا آخر، كيف مررنا بما حدث؟ لماذا تأثرنا ولم نرض بالنهاية؟ والجواب هو: إن شعورنا رتب ذلك.
يرى كارل بلاتينيا في مقالته (العاطفة وإحداث التأثير) المنشورة ضمن كتاب (دليل روتليدج للسينما والفلسفة، تحرير بيزلي ليفينجستون وكارل بلاتينيا، ترجمة وتقديم أحمد يوسف- 2013) أن أسباب اهتمام (المتفرج في السينما) بتجربة التأثير العاطفي يعود على الأقل إلى خمسة أسباب من بينها: تجربة التأثير العاطفي الممتع. إن ارتباط عواطفنا بالإدراك هو ما يجعل تجربة التأثير العاطفي والمعنى والتفسير متداخلة معا بشكل قوي.
عند تلقي العمل الدرامي فإن عواطفنا (الحب، الكره، الشفقة، البغض، الشره، الغيرة، الحسد، الإعجاب) تختلف عن رغباتنا. أحب الجمهور إلهام، لكن حبه لها لم يكن هو الذي قاده إلى رفض النهاية، بل رغبته في أن تكافأ هذه الشخصية بما تستحقه. فالعاطفة شعور، أما الرغبة فهي تصور لما ينبغي أن يحدث.
يسأل كارل عن أنواع العواطف التي تكون لدى المتفرجين على الأفلام، هل تختلف في نوعها عن العواطف خارج قاعة العرض السينمائي؟ ويقول إن بعض الدعاوى تتجاهل الفوارق المهمة بين عواطف المتفرج وعواطف المُشاهد خارج العالم الفيلمي.
يحلل كارل الكيفية التي يعمل بها الجهاز الذهني للمتفرج في عنصرين الأول: إدراك أن المتفرج لا يستطيع أن يؤثر عاطفيا في الأحداث بأية طريقة. والثاني أن المتفرج يفهم أن ما يراه هو في الحقيقة متخيّل وليس حقيقيا.
إن متفرج المسلسل تعاطف مع مواقف إلهام كل التعاطف، ونظر إلى سلوكها لنصرة صديقتيها بإنقاذ الأولى وتكسير الصالون للتضامن مع الثانية قضية غاية في الشجاعة، فإن أي تهديد قادم (في الواقع) لا يجب التهاون معه، وهنا سيخرج المتفرج بضرورة القيام بفعل عملي تجاه كل متحرش لا الوقوف بصمت والابتعاد. إلهام فتاة فقيرة لكنها تتمتع بغنى في النفس، وعلى الرغم من مرضها وسوء وضعها الاجتماعي، لم تستطع أن تقف مكتوفة اليدين تجاه شعورها بالظلم الذي تعرضت له صديقتيها. وهي رسالة مررها المسلسل دون افتعال، فإلهام في غضبها وعلو صوتها، لم تكن تصرخ أو تتلفظ بألفاظ خادشة، رغم أن الموقف يحتمل ذلك، بل حافظت على ما سيلتقطه المتفرج من أحاسيس مختلفة، دون أن تهدم الصورة التي رسمها لها السيناريو.
من ناحية أخرى، فعلاقة إلهام وطارق الرومانسية تبدو للعيان أنها موجودة في الواقع المحيط، بظروفها الاجتماعية والطبقية القاسية، فكم علاقة نجحت وأخرى فشلت بسبب الطبقية والعنصرية؟ بل ما تزال إلى يومنا هذا العوائق المجتمعية التي تقف حائلا أمام زواج المحبين تضج بها المحاكم. فعلى الرغم من المدنية والانفتاح وأيضا التعليم، فإن فرصة زواج طارق من إلهام غير متكافئة، وعلى الرغم من مرضها وقسوة ظروفها، لم يلجأ المونتاج إلى التعاطف معها، كأن الفن ليس هو الواقع المجتمعي، ولا يجب أن يغيّره ولا أن يُحبب المتفرجين في تجاوزه، ويمكن اختبار هذه الفكرة إذا قورنت الظروف التي مرّت بها كل من شخصيتي سامح (ممدوح عبدالعليم)، وهند (آثار الحكيم) في مسلسل (الحب وأشياء أخرى- 1986م)، حيث يبدو الفرق أكثر وضوحًا إذا قورنت نهاية (يا ورد على فل وياسمين)، بمسلسل (الحب وأشياء أخرى)، الذي أغلق احتمالاته الدراميّة على نحو جعل المتفرج يتقبل مصائر الشخصيات، حتى إن كانت مؤلمة، بينما ترك يا ورد على فل وياسمين مساحات واسعة دفعت المتلقي إلى استكمال ما غاب عن الشاشة.
هنا يظهر الفرق بين العاطفة والرغبة. إذا أردنا التفكير مليًا في هذا الموضوع فسنجد أن رغبات المتفرجين لم تكن في منظور السيناريو وتوجهه الفكري، فما تمناه المتفرجون أو انتظروه طوال خمس عشرة حلقة، لم يتحقق منه شيء، فطارق وإلهام عاشا قصة حب جميلة مفعمة بالعطاء ونكران الذات والتضحية والاهتمام، وفضّل الجمهور أن تنتهي قصتهما إلى الارتباط (فالواقع به نماذج ناجحة).
وحين نقول إن للمونتاج والمخرج والسيناريو رؤيتهم في اختيار تلك النهاية، فنحن ننقل النقاش إلى زاوية البُعد الفكري أو الرسالة الضمنيّة للمسلسل.
إن قدرة المسلسل في جرّ المتفرجين إلى التعاطف، ورفضهم للنهاية يستند إلى فرضية أن الحب لا يُغير الواقع، كالمال الذي لا يُسعد الأغنياء! ستقولون إن الفرضية خاطئة، وهي كذلك بالفعل، خاطئة وصعبة التصديق؛ لانطلاقها من منظور ضيق.
منح المسلسل قصة الحب بين طارق وإلهام مساحة كبيرة، كان الهدف أن يختبر طارق قدرته على الاختيار والاكتشاف، وفعليًا حقق ذلك على الأقل في الحلقات الأربع عشرة ضمن مواقف اتسمت بالمفارقات المدهشة والكوميديا الرائقة، والمناظر النظيفة لأوضاع البيئة الاجتماعيّة كلها، الشعبية والأرستقراطية. أما في الحلقة الأخيرة فإن طارق يتزوج، من زميلة له تقليدية تماما، لا نكاد نعرف أبعادها ولا نراها إلا منهزمة إن لم تكن مهزوزة في مشاعرها المكبوتة تجاه طارق. هل نجح طارق في تخطي إلهام؟ هل كان يتعامل معها منطلقا من شفقة كاملة أدت إلى حب فخطوبة؟
نعود إلى إجابة سؤالنا عن نسبة نجاح شخصية طارق التي أجدها في الحلقة الأخيرة بعد أربع سنوات، نمطية وتقليدية، بل مثيرة للشفقة. ترك السيناريو الباب مفتوحًا للتخمينات المفرطة، فإلهام أوصت الجميع على بعضهم بعضًا، ولم تنسَ كما سبق أن أشرنا إلى ترشيحها إيناس زوجة لحبيبها في حال ماتت، وهو كرم كبير جدًا، في بناء شخصيّة نبيلة للغاية! لا يمكن للمتفرج أن يلوم إلهام على ذلك، ليس لأنها قد ماتت، بل لأن الشخصية أراد لها السيناريو أن تكون أخلاقية.
لعل غرفة المونتاج ليست في الاستوديو وحده. كل واحد منا يحمل غرفة مونتاج صغيرة في رأسه. نحذف منها كلمات، ونبطئ لحظات، ونقدم لقطة على أخرى، حتى نصنع القصة التي نستطيع احتمالها. ولهذا لا ينتصر السيناريو دائمًا على المتفرج، فلكل متفرج غرفة مونتاجه الخاصة، التي تعيد ترتيب الأحداث وفق ذاكرته ورغباته وخيباته، حتى تصبح للنهاية الواحدة نهاياتٌ متعددة.
آمنة الربيع باحثة أكاديمية متخصصة فـي شؤون المسرح