أعمدة

الكذّابون يُزهرون

هل تحتاج كتابة الرواية أو القصّة دروسًا وورشات وكتب تُعلِّم ذلك، وتعلِّب الكتابة؟ أتذكّر أنّي عاينت ورشات عديدة في كتابة الرواية والقصّة، ولم أكن منتصرًا إليها أبدًا، وجلب انتباهي مرّة كتابٌ في مكتبة في أوروبا، لُفَّ بشريط مكتوب عليه «احتفاءً بالطبعة العشرين»، وكان الكتاب في القسم النقديّ، فقلتُ أيّ كتاب نقديّ في الكون يُمكن أن يُطبَع عشرين مرّة؟ فإذا عنوانه، سبع طرق أساسية لبناء العقدة (the seven basic plots: why we tell stories) للكاتب كريستوفر بووكر ( Christopher Booker)، فخلتُ أنّه في تعليم الكتابة القصصيّة، وشدّتني الرغبة إلى الاطّلاع عليه والنظر فيه، فخاب ظنّي، إذ وجدته كتابا عميقًا، وليس دليلا لتعليم الكتابة القصصيّة، وإنّما هو أقرب إلى التشخيص والتجريد، إذ ينظر فيه بووكر في تكرار العقل البشري للبنيات الحكائيّة ذاتها، ولا ينحو إلى الإرشاد والتكوين والتعليم وإنّما إلى النظر والتعليل، دراسةً للعقل السردي نفسيّا وإناسيّا، غير أنّ قُرّاءه قد وقعوا في سوء ظنّي ذاته، وأقبلوا عليه لتعلّم كتابة الرواية.

ودعاني هذا الأمر إلى التفكير في الكتابة السرديّة، هل تُتَعلّم؟ مرجعيّات متعدّدة لكتب رائجة، منقسمة إلى نوعين، نوع أحبّذه، يسرد تجربة الكاتب مع الكتابة، ويعرض مختلف الهزّات والأزمات والانفراجات التي مرّ بها، ونوع في الإرشاد الإبداعي والتلقين وهو النمط الذي أرفضه، ولا أميل إليه.

فظنّي أنّ الكتابة القصصيّة لا تُتَعلَّم مبادِؤها، ولا أصولها، وإنّما هي دُربة ذاتية، لا علم فيها ولا نُصْح، ومن قبل ذلك، هي هبة تمنح الإنسان قدرة على الحكاية، ولا تتوزّع هذه الهبة على كلّ البشر. صحيح أنّ كُتّابًا عددًا دخلوا في هذا الموضوع ولكنّي أسير على رأي ستيفن كينغ في كتابه «مسيرتي في التأليف، مذكّرات هذه الصنعة»، أنّ أغلب «الكُتب التي تتكلّم عن التأليف مليئة بكلام فارغ.

فكُتّاب روايات الخيال، وحضرتي من بينهم، لا يفهمون كثيرا ما الذي يفعلونه، ليس لماذا ينجح عندما يكون جيدا، وليس لماذا لا ينجح عندما يكون سيّئا». فمن الصعب أن نعلِّم كاتبا الكتابة، وأن نسلِّمه مفاتيح السرد أو الشعر، ولكن يُمكن أن يُنمّي موهبته وقدرته على الحكاية بالقراءة وسعة الاطّلاع، يقرأ في كلّ شيء في تاريخ القطارات وفي الحيوان وفي تاريخ الإنسان وفي الأزياء والأطعمة وفي الروايات والشعر، يُكوِّن زادًا يُطلق فكره وموهبته وييسِّر عليه الدخول في عوالم الحكاية. كُنت أتهرّب دومًا من تدريس مقرر الكتابة الإبداعيّة، ماذا سأدرّسهم فيه؟ وماذا أعرف عن الكتابة الإبداعيّة؟ وهل لي الشرعيّة أن أفرض ذوقي ورؤيتي على تجارب جديدة، يمكن أن تفوق قدراتي وأن تتخطّى عصري؟ كتبت الروائية الأمريكية آن لاموت كتابًا جميلا يحمل عنوان «طائر إثر طائر، بعض التعاليم حول الكتابة والحياة»، ضمّنته مسيرتها في التعهّد بورشات التدريب على الكتابة في الجامعة، وهي قادرة على ذلك، قارئة متمرّسة، وكاتبة ضليعة، ولكن عبّرت في العديد من مراحل كتابها عن فشلها في بثّ الرغبة في الكتابة وتمكين الطلبة من آلة الكتابة، فهل يكفي أن تكون لدينا حياة قابلة للحكاية حتّى نكتب؟ وهل نسير مع فلانيري أوكونور في قولها: «إنّ أيّ شخص عاش طفولته لديه ما يكفي من الأفكار للكتابة لبقيّة حياته»؟ لا أعتقد ذلك، فهنالك فارق كبير بين الحياة التي تُعاشُ بملئها وبوجوه حوادثها، وبين الرغبة في الكتابة، الرغبة في الحكاية، الحكايةُ ليست السيرة، وإنّما هي القدرة على تحويل الحياة بواقعها ومتمثّلها ومتخيّلها إلى قصّة تقع في الذهن، القصص الممكن مختلف عن الحياة المُعيشة، ولذلك فإنّ عددا من أصحاب القدرة على الرواية يسطون على حيواتٍ أخرى، يسرقونها ويعيشون حوادثها في عوالمهم.

ولقد انتبهت الذائقة النقدية العربية القديمة إلى أنّ أعذب الشعر أكذبه، والشعر في تصوّرهم هو مركز الخلق والإبداع، الروائيّ -اليوم- كاذب بالمعنى الشعريّ العربيّ القديم للكذب، الكذب بالمعنى التخييلي وإنشاء عوالم لا تُطابق أو تسترجع الحقيقة في صورتها الراكدة، الكذب بعْثًا لعوالم ممكنة، تتولّد من ملكة الإبداع، ولذلك، فإنّ أوّل محاضرة قدّمتها آن لاموت إلى طلبتها مخالفة لأصول الحكاية ولجوهرها، إذ دعت الطلبة إلى الصدق، إلى تقصّي الحقيقة، تقول: «إنّ أوّل ما أحدّث طلاّبي الجدد عنه في اليوم الأوّل من ورشة الكتابة الجيّدة تتعلّق أساسًا بقول الحقيقة». وقس على ذلك التعاليم التي تُصَاغ طرقًا تُحدِّد ما لا يُحدَّد وتُنمِّط الأبيَّ عن التنميط. «كتابة الرواية من الحبكة إلى الطباعة» للورانس بلوك، «تقنيات كتابة الرواية، تقنيات وتمارين لابتكار شخصيّات دينامية ووجهات نظر ناجحة» لنانسي كريس، والقائمة تطول من كتب تُعتمَد لتدريس أو لتأثيث الورشات في الكتابة الإبداعية، منها ما يصلح ومنها ما هو فاسد أصلاً، غير أنّ المبدأ العامّ ألاّ علم ولا طريقة تؤخَذ في كتابة الإبداع. أمّا كتاب غابريال غارسيا ماركيز «كيف تكتب الرواية؟» فهو ليس كتابًا في تعليم الكتابة الروائيّة، وإنّما هي مقالات متنوّعة، من ضمنها الحديث عن تصوّره لكتابة الرواية، وهو يكتب بعيدا عن الرغبة في النجاح أو الخوف من الفشل، وإنّما هو يتبع إيقاع كتابته، وهو مُظهر جانب فيه حُرم منه كُتّاب اليوم، وهو التفاعل مع الورق، والتخلّص النهائي من القصص أو من الكتابة التي لا يجد نفسه فيها بالتمزيق والإفناء، والحرص على التخلّص النهائيّ من المكتوب.

التمزيق فعل جلل، ودربة مهمة حتّى يكون الكاتب هو القارئ الأوّل لأعماله، وهو أيضًا تصعيد وتنفيس عن غضب الوعي بسيّء المكتوب. لقد عبّر خورخي لويس بورخس عن خطيئة التفكير في النجاح والفشل أثناء الكتابة، والواجب التفكير في الكتابة الجيّدة فحسب، وهو الأمر المطلوب، وكلّ الذين تميّزوا وبرعوا في الحكاية، كانت أعمالهم في البداية تعتبر سيّئة، لأنّها لا تخضع لشروط المعهود ولا تتبع المألوف، وصدق ماركيز عندما قال: «لقد قلتُ منذ شهور عديدة إنّ الشيء الوحيد الذي يفوق الموسيقى هو الحديث عن الموسيقى، وفي الليلة الماضية، كنت على وشك أن أقول الكلام ذاته عن الأدب. لكنّي ترويّت قليلا، فالواقع أنّ الشيء الوحيد الذي يفوق الحديث في الأدب هو صناعة الأدب الجيّد».

محمد زرّوق ناقد وأكاديمي تونسي