رأي عُمان

الذاكرة شرط المستقبل

 

في خطاب واحد أمام اليونسكو جمع حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- بين أمرين يفصل بينهما خطاب التحديث السائد غالبا بمسافة واسعة، فقد أعلن جلالته إطلاق جائزة لصون التراث الثقافي غير المادي، ودعا في الوقت نفسه إلى أطر أخلاقية تحكم الذكاء الاصطناعي وتصون كرامة الإنسان في العصر الرقمي.

دأب خطاب التحديث على وضع التراث والتقنية على طرفي نقيض، فيحفظ التراث في المتاحف ويندفع نحو التقنية بخطى حثيثة. والصورة الأكثر شيوعا لخطاب التحديث في الكثير من دول العالم تقوم على فكرة القطيعة مع الذاكرة وأن من يريد أن يدخل الغد عليه أن يتخفف من أثقال الأمس، وبنيت على هذه المعادلة الكثير من المشروعات، وبها خسرت شعوب كثيرة ما لا يُعوَّض من غير أن تربح المستقبل الذي وُعدت به.

ما تفضل حضرة صاحب الجلالة السلطان المعظم بطرحه في كلمته أمام اليونسكو ينقض معادلة القطيعة بين التراث والمستقبل من جذورها. فالجائزة التي أعلنها جلالة السلطان والدعوة إلى أخلاقيات الذكاء الاصطناعي وجهان لأطروحة واحدة عن الإنسان تقول إن صون الماضي وحفظ الذاكرة شرط العبور الآمن إلى المستقبل، والمجتمع الذي يفقد ذاكرته وعاداته وفنونه ولغته وطريقته في فهم نفسه يفقد المعيار الذي يميّز به بين ما يخدمه من أدوات العصر وما يبتلعه. والقوانين لا تستطيع وحدها أن تحمي الإنسان من التقنية الجارفة، ويبقى الإنسان في حاجة ماسة لمعرفة من أين جاء، وكيف تشكلت ثقافته وقيمه وتاريخه.

وسلطنة عُمان التي تطالب بأطر أخلاقية للذكاء الاصطناعي تصون كرامة الإنسان تطرح السؤال نفسه الذي تطرحه حين تدافع عن التراث غير المادي: ما الذي يبقى من الإنسان حين تتغير كل أدواته؟ والحقيقة أن الجواب واحد في الحالتين، فلا يبقى ما يحفظ إنسانيته سوى ذاكرته ووعيه بذاته، ولذلك بدا حديث جلالة السلطان عن «الدراية الإعلامية والمعلوماتية» امتدادا طبيعيا لحديثه عن صون التراث وليس انتقالا لموضوع آخر فكلاهما دفاع عن وعي يرفض التسطيح.

وهذه الرؤية العميقة التي تقدمها عُمان للعالم هي امتداد حقيقي لتجربتها التاريخية عبر القرون. ومنذ انضمام عُمان لليونسكو كانت حريصة على مشاركة تلك الرؤية مع العالم عبر مختلف المسارات بما في ذلك مسار اليونسكو نفسه الذي تنظر إليه عُمان باعتباره فضاء للقيم التي قامت عليها الدولة الحديثة. وعُمان التي راكمت على مدى قرون تجربة بحرية جعلتها تتعامل مع العالم بانفتاح دون ذوبان وباحتكاك دون قطيعة مع الذات والذاكرة، هي نفسها التي تقول للعالم اليوم إن الانفتاح على المستقبل لا يشترط محو الماضي. والتوازن الذي عُرفت به عُمان في السياسة له نظير في الثقافة أيضا فلا قطيعة مع الذاكرة باسم التحديث ولا انغلاق على الماضي باسم الأصالة لكنه قدرة على الجمع بين الجذور والأفق وبين ما يحفظ هوية الإنسان وما يفتح له أبواب الغد.

لذلك يمكن أن نقرأ كلمة جلالة السلطان المعظم- حفظه الله- أمام اليونسكو وبشكل خاص ما جاء فيها من إعلان الجائزة باعتباره موقفا فكريا من سؤال يشغل البشرية كلها في لحظتها الراهنة وهو: كيف ندخل عصر الذكاء الاصطناعي دون أن نخسر فيه أنفسنا؟ وعُمان، إذ تربط الإجابة بصون الذاكرة الإنسانية الحية، تضيف إلى النقاش العالمي زاوية تحتاجها البشرية في لحظة تكثر فيها الدعوات إلى المستقبل وتقل فيها الأسئلة عن ثمنه.

إن أبلغ ما في زيارة جلالة السلطان لليونسكو أنها ذهبت بالثقافة إلى ما هو أبعد من الاحتفاء، وطرحت من خلالها فكرة يحتاجها عالم يتحدث عن مستقبل بلا ذاكرة وبلا هويات وطنية وبلا قيم مستمدة من تاريخ الشعوب ومن مرجعياتها الحضارية. والأمم التي تصون ماضيها بوعي هي وحدها القادرة على دخول المستقبل دون أن تذوب فيه، ومن يعرف من أين أتى يملك البوصلة التي تدلّه إلى أين يذهب.