ما الذي ينقص القوة الناعمة العمانية؟
الاثنين / 13 / محرم / 1448 هـ - 23:01 - الاثنين 29 يونيو 2026 23:01
وأنا أحاول أن أعد هذا المقال، أمضيت بعض الوقت في الاطلاع على مجموعة من المصادر التي تسرد مبادرات ومشاريع سلطنة عمان الدولية في كافة المناشط والفعاليات السياسية منها والثقافية والعلمية وغيرها، والتي يمكننا اعتبارها من أدوات القوة الناعمة العمانية، ووجدت ـ ولله الحمد ـ أن عمان تمتلك رصيدا ثريا من المساهمات النوعية التي أسهمت في حضورها الدولي وبَنت رصيدا جيدا من القوة الناعمة، لكن هذه القوة تحتاج إلى منظومة قادرة على إبرازها والتعريف بها وتحويلها إلى سردية تصل إلى العالم.
وفي الوقت الذي تتنافس فيه الدول على الانتشار أفقيا وفي كل المحاور، نجد أن عمان تتميز بحضور نوعي، وتركيز على الجهود ذات الأثر المستدام والتي تفوق الحضور الجغرافي أو الزماني؛ فلعقود استطاعت إنشاء مجموعة من المبادرات والمشاريع التي ما زالت حتى الآن حاضرة وفاعلة وتسجل اسم عمان في منابرها مثل جائزة السلطان قابوس لحفظ البيئة منذ 1989، التي فاز بها علماء ومؤسسات من مختلف قارات العالم، وكراسي السلطان قابوس في أعرق الجامعات العالمية مثل هارفرد وكامبريدج وجورجتاون وغيرها، مما رسخ حضور اسم عمان في الوسط البحثي والأكاديمي على مدار عقود.
ولا يمكن الحديث عن القوة الناعمة العمانية دون الحديث عن الدبلوماسية العمانية، ودور عمان المهم في تهيئة المفاوضات بين الأطراف المتنازعة مثل أمريكا وإيران والملف اليمني واستضافة وفود التفاوض ودعم جهود الأمم المتحدة لإحلال السلام والتفاهم، ودورها في الوساطة والإفراج عن المحتجزين والرهائن من جنسيات مختلفة على مدار عقود، وغيرها من جهود خفض التصعيد بين الأطراف المتنازعة في العديد من القضايا الإقليمية.
كما استحضر التجربة العمانية في نشر مفاهيم التسامح والتعايش ومواجهة خطاب الكراهية، حيث سعت عمان منذ سنوات طويلة لبناء فكر إنساني جامع يقدم مصلحة البشرية على أي مصالح أو أجندات أخرى؛ فواحدة من أقوى المبادرات الجامعة والإنسانية هي «خطة مسقط» التي تم إطلاقها رسميا في 12 يونيو الجاري من مقر الأمم المتحدة في نيويورك، وتهدف إلى وضع إطار عمل دولي لمواجهة خطاب الكراهية والإبادة الجماعية، وتعزيز التعايش والتماسك المجتمعي.
وواقع الأمر فإن فكرة هذه المبادرة ليست وليدة اليوم بل هي مشاريع تراكمية على مدار سنوات طويلة عملت عليها عمان، وبدأت بمشروع رسالة السلام ثم المؤتلف الإنساني لتصل إلى ما أعلن عنه مؤخرا في خطة مسقط، وهي مبادئ تؤمن بها عمان وتسعى إلى نشرها حول العالم وبطريقة تضمن معه الأثر المستدام والفاعل.
ولأعود إلى المغزى الأساسي من طرحي هذا، وسؤالي الذي عنونت به المقال «ما الذي ينقص القوة الناعمة العمانية؟»، فرغم كل الجهود والمبادرات والمشاريع النوعية والتي سردت بعضا منها، إلا أننا ما زلنا غير قادرين على إيصال السردية العمانية إلى العالم بالشكل المطلوب، وإن كانت هناك بعض الحلول والمحاولات فهي محاولات بسيطة ومبعثرة ولا تتوافق مع السيل الجارف من الأخبار المضللة والتجاذبات الحاصلة في العالم.
فنحن في حاجة إلى منظومة إعلامية وسردية متكاملة قادرة على تحويل هذه المشاريع إلى حضور عالمي مؤثر، والعمل على توظيفها في إنتاج محتوى إعلامي متعدد اللغات قادر على الوصول إلى المنصات العالمية، وعدم الاكتفاء بالتغطيات الإخبارية لهذه الجهود، بل تحويلها إلى سردية تروى عبر الأفلام والمسلسلات والقصص وعبر تقديم التجربة العمانية كدراسة حالة توثق في الكتب والمؤتمرات وتناقش وتدرّس وتكون مرجعا للعالم ومثالا يحتذى به.
فهل ما نقوم به كافٍ؟ وما الذي نحتاج أن نفعله لتصل رسالتنا للعالم؟ وكيف يمكننا تركيزها وتنظيمها وحوكمتها لتحقق الأثر الأكبر.
د. سعاد الإسحاقي كاتبة عمانية