ثقافة

المخطوطات العمانية المهاجرة.. شواهد حضارية توثق الامتداد العلمي، وجهود متواصلة لصونها

 

مسقط 'العُمانية': في رفوف مكتبات العالم تستقر مئات المخطوطات العُمانية، شاهدة على رحلة علمية وحضارية امتدت عبر قرون، وحاملة بين صفحاتها إرثًا فكريًّا يعكس إسهامات العلماء العُمانيين في ميادين الفقه واللغة والطبّ والبحار والتّاريخ وغيرها.
وفي الوقت الذي تكشف فيه هذه المخطوطات عن عمق التّواصل الثّقافي والفكري بين سلطنة عُمان ومختلف الحضارات، تتواصل الجهود الوطنية لحصرها ورقمنتها وصونها، بما يسهم في حفظ الذّاكرة العلميّة العُمانيّة وتعزيز حضورها في البحث الأكاديمي، ونقل هذا الإرث إلى الأجيال القادمة بوصفه أحد مرتكزات الهُويّة الثقافيّة الوطنيّة.
وقال سيف بن مسلّم المحروقي أخصائي أول فهرسة وتوصيف المخطوطات بهيئة الوثائق والمحفوظات الوطنيّة في تصريح لوكالة الأنباء العُمانية إن المخطوطات العُمانية الموجودة خارج البلاد تمثل شاهدًا مهمًّا على الامتداد الحضاري والعلمي لعُمان عبر العصور، وتعكس ارتباط الحضارة العُمانية بالعالم كونها من أقدم الحضارات العريقة، إلى جانب موقعها المتميز في الجنوب الشرقي من الجزيرة العربية، وما كان لهذا من أثر في تبادل التأثير والتفاعل مع الحضارات الأخرى التي شهدها العالم في مراحله التاريخيّة المتعاقبة.
ولفت إلى أن حضور العلماء العُمانيين وإسهاماتهم في الحضارة البشرية كان له أثر علمي وفكري، حيث استفادوا من إنتاج الآخرين وأعادوا إنتاجه بما يتوافق مع فكرهم وفي المقابل أسهموا في إثراء علوم اللغة والشريعة والبحار والطب وعلم النبات وغيرها من المجالات الحيوية.
وذكر أنه من ناحية أخرى ننظر إلى أماكن حفظ نسخٍ من المخطوطات العُمانية في عدد من الدول كدليل على اهتمام المستشرقين والقناصل بهذا الإنتاج الفكري، ومن أمثلة ذلك مخطوطة 'الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين' من تأليف المؤرخ حميد بن محمد بن رزيق، نسخها سليمان بن سعيد بن مبارك النزوي، المحفوظة في مكتبة جامعة كمبردج بإنجلترا، وقد انتقل هذا الكتاب إلى هذه المكتبة ضمن مجموعة كتب القس جورج برسىبادجر حيث قدمه السُّلطان ثويني بن سعيد بن سلطان للقسّ أثناء زيارته لمسقط، وأيضا مخطوطة 'الدلائل على اللوازم والوسائل' لتأليف الشيخ درويش بن جمعة المحروقي المحفوظة في المكتبة الوطنيّة الفرنسيّة بباريس، نسخها عبد الله بن محمد بن سالم الخروصي، للخواجة الدختر/دكتور/ كاغل زين هروت الجرمن في بندر زنجبار.
وتابع أن اهتمام النّسّاخ العُمانيين بالإنتاج الفكري والمعرفي في الدول الإسلامية كان بارزًا، ومن بينها نسخ مخطوطة 'إحياء علوم الدين' للإمام الشيخ محمد بن محمد الغزالي نسخها الناسخ مداد بن محمد الغافري للإمام سيف بن سلطان اليعربي، والمحفوظة في مكتبة السيد محمد بن أحمد البوسعيدي؛ وعليه فإن هذه النماذج شواهد واضحة على عمق التواصل الثقافي والعلمي بين العُمانيين وغيرهم من علماء العالمين العربي والإسلامي.
وعن الأسباب التاريخية والثقافية التي أسهمت في انتقال المخطوطات العُمانية إلى خارج البلاد، وضح أن ظاهرة انتقال المخطوطات العُمانية إلى دول العالم مؤشر واضحٌ على مدى إسهام العلماء العُمانيين وسبقهم في مجال التأليف ونوعيته، فضلًا عن حرص الجامعات والمكتبات في الدول العربية والغربية في اقتناء الإنتاج الفكري العُماني المتميز، فما يُحسب للتراث الفكري العُماني تنوّعه في الرأي وتعدد انتماءاته وتوجهاته الفكرية وهذا راجع في المقام الأول إلى التنوع المذهبي في عُمان وتعايش أبنائها تحت مظلة الدّين الإسلامي عبر القرون.
وأضاف أن العلماء العُمانيين تميزوا بتأليف المصنّفات الموسوعية التي تضم مادة علمية غزيرة في عدة مجالات من الفقه واللغة والأدب والشعر والمعاملات التجارية والتاريخ ضمن الموسوعة الواحدة، ووجود صلات تاريخيّة بين عُمان ودول العالم اتسمت عبر العصور بالصداقة والاحترام المتبادل مما أسهم في انتقال المخطوطات من وإلى عُمان فكان لها الأثر العلمي في تبادل الآراء والأفكار بين المدارس الفكرية المتمثلة في المذاهب الإسلامية، ومن جهة أخرى اطلع العُمانيون على إنتاج الآخرين وأخذوا به قبولًا أحيانًا ونقدًا أحيانًا أخرى.
وذكر أنه ضمن الجهود التي تنفذها الهيئة لصون المخطوطات، والتي أولتها عناية خاصة خلال السنوات الماضية، العملُ على تصوير مخطوطات مكتبة السيد محمد بن أحمد البوسعيدي باستخدام أجهزة تصوير عالية الجودة في مقر المكتبة بولاية السيب، وشمل المشروع أكثر من ثلاثة آلاف ومئتي مخطوطة. كما عملت الهيئة على إرسال فرق من الموظفين المختصين والاستفادة من المتعاونين معها لجمع المخطوطات الرقمية من خارج سلطنة عُمان، إذ حصلت الهيئة على أكثر من مائة ألف مخطوطة من عدد من الدول العربية والأوروبية.
وأشار إلى أن الهيئة قامت كذلك بتحويل مخطوطات دار المخطوطات التابعة سابقًا لوزارة الثقافة والرياضة والشباب (مكتبة عُمان الوطنية) إلى أفلام ميكروفيلمية، والبالغ عددها خمسة آلاف مخطوطة، إلى جانب تصوير أكثر من أربعة آلاف مخطوطة يمتلكها مواطنون في مختلف محافظات سلطنة عُمان، من خلال وصول موظفي دائرة الوثائق الخاصة إلى أصحابها في محافظاتهم أو عبر زيارة المواطنين إلى ديوان عام الهيئة.
وأضاف أن الهيئة تولي اهتمامًا باقتناء المخطوطات والكتب الحجرية الأصلية لما تمثله من قيمة تاريخيّة وعلميّة، إذ تتولى لجنة مختصّة تقييم الوثائق الخاصة وتحديد قيمتها. كما تعمل على فهرسة المخطوطات وتوصيفها وفق معيار /مارك 21/، مع العناية بالجوانب الماديّة للمخطوطات من التجليد إلى العلامات المائيّة، وهي فهرسة متقدّمة في مجال علم المخطوطات (الكوديكولوجيا).
ووضّح أن الهيئة تحرص على تبني مجموعة من البرامج والمبادرات التي تستهدف الشباب والباحثين في المؤسسات التعليمية، انطلاقًا من الإيمان بأن المخطوطات العُمانية ليست مجرد مصادر تاريخيّة محفوظة، بل تمثل رصيدًا معرفيًّا وحضاريًّا يمكن أن يسهم في بناء الوعي الثقافي وتعزيز الهُوية الوطنية.
وتعمل الهيئة على تنظيم الندوات العلميّة والمحاضرات التوعويّة والمعارض الوثائقيّة وإقامة الحلقات التدريبية المتخصصة في مجالات قراءة المخطوطات وتحقيق النصوص وصيانتها وفهرستها، وتعزيز التعاون مع الجامعات والكليات والمدارس من خلال البرامج التعليمية والزيارات الميدانية والمشروعات البحثية التي تتيح للطلبة التعرف المباشر على كنوز التراث الوثائقي العُماني. وتهتم بتشجيع الدراسات الأكاديمية والبحوث العلمية المُرتبطة بالمخطوطات والوثائق التاريخية، وتوفير المصادر الرقمية التي تسهل وصول الباحثين إليها، فضلًا عن توظيف المنصّات الرقميّة ووسائل التواصل الحديثة لإبراز القيمة العلميّة والثقافيّة للمخطوطات بلغة تناسب الأجيال الجديدة.
وبيّن المحروقي أن هذه الجهود تهدف إلى تحويل المخطوطات العُمانية من مادة تراثية متخصّصة إلى عنصر فاعل في المشهد الثقافي المعاصر، وإلى بناء جيل واعٍ بقيمة تراثه العلمي وقادر على توظيفه في البحث والإبداع وإنتاج المعرفة، بما يضمن استمرار حضور هذا الإرث الحضاري في الحاضر والمستقبل.