أعمدة

تقاطعات الحزن في ديوان «أرق» لفيصل العلوي

ماذا يعني أنْ يكبر الجرح فيتمدّد حتى يصيب القصيدة؟

قال مارسيل بروست مرة: «الحزن يطوّر العقل»، وأنا كثيرًا ما أستشهد بهذه العبارة لا سيما إذا قرأتُ نصًا أدبيًا تظهر فيه مفردات الحزن ودلالاته، وكأنّي ببروست يمجّد الحزن، ويجعل منه قيمة كبرى مقابل الفرح والسرور.

على الجانب الأدبي هل يعمل الحزن فعلًا على تطوير عقل الكاتب ويجعله قادرًا على توظيف العبارات توظيفًا أمثل؟ هذا موضوع آخر يحتاج لوقفة تأمل وتحليل.

أقول ذلك وأنا أتصفح ديوان الشاعر فيصل العلوي (أرق) الصادر عام 2008م عن وزارة التراث والثقافة، وهو ديوان ضمّ قصائد شعرية قصيرة كُتبت بلغةٍ سلسة وعذبة في التشكّل. ضمّ الديوان ثلاثا وثلاثين قصيدة شعرية قدّمها الشاعر في موضوعات تدور بين العاطفة، والفراق، والألم، والرؤية الإنسانية العميقة. وتشكّلت هذه القصائد من دفقات شعرية متداخلة بين الحزن والألم والفرح والحب والرحيل والانكسار وهي واضحة في صورتها التي بُنيت عليها، ومعها نقف على النصوص ناظرين في توارد الموضوعات وصراعها لحظة انجذابها للموضوع التي تتناوله.

يكرّر فيصل فعل الحزن في ديوانه، فتصبغ النصوص بمفردات الرحيل والفقد والفراق واللوعة والوداع، جاعلًا من خطابه إلى الأنثى مدونة شعرية يستفيض من خلالها في عمليتي الوصف والتعبير عن العلاقة مع الآخر. تأتي عتبات قصائده مثل: (الفقد والشح، ورحيل وهالجسد أرضي، وزرب/ منفى، ومسا الدخان، ووطن وغياب، ومرثية الشمس، وكان مثل الطير حزني، وجرح، ووداع الشمس، ورحيل) طافحة بلوعة الحزن، دالّة على الوجع؛ إذ يربط الشاعر في بناء قصائده بين الحزن كونه قيمة مهمة في التصوير، وبين الخطاب الموجّه إلى الآخر كونه علاقة تجمع بين طرفين، وتفضي إلى نتيجة حتمية وهي الفراق والوداع والرثاء.

نقرأ ذلك في غير نص من نصوص المجموعة التي أراد الشاعر لثيمة الحزن أن تتسع وتقترن بالوطن والحبيبة والغائبة والخائنة. وهنا يثبّت الشاعر ثيمته في مواجهة اللغة التي حاولت اجتراره نحو أودية الجماليات والصياغة الفنية البديعة. في قصيدة (أرق) مثلًا، يتشكّل الأرق كونه صورةً تمثّل ذاكرة الحزن والألم والوجع؛ فهو تمثيل لذاكرة مكسورة تتساقط منها صُوَرٌ عدّة. هذه الصور تتشكّل من علاقة متكرّرة كل ليلة، الوجع يتكرّر، و«الظما والشقا والتعب»، مُشكّلا حدثًا أكبر هو الأرق. هنا يبرز الخطاب الأنثوي في عملية استعادة واستحضار للذاكرة، وصولًا إلى دلالات الفراق التي تنتهي عليها صورة المشهد الحزين، فكأنّ عملية الاستعادة في ذاتها عملية لتبرير الفعل النهائي/ الفراق، أو هي تبرير لفعل الحزن نفسه.

يُدخلنا الشاعر في أجواء نصه الحزين لحظة الأرق قائلًا:

لمن تمرّيني كذا.. والوقت يجرفني غرق

لمن اطيح.. اطيح.. اطيح البارحه ولا تسألي

نفس التعب.. نفس الظما.. نفس الشقا.. نفس الأرق

نفس المسافه والشعور اللي يجيني.. ينجلي

نفس الوجوه الشاحبه.. والمترفه.. بس الفرق

اني كذا وانتي كذا والمشكله ما تزعلي

لمن تمريني انا.. نفس التفافات.. الورق

لمن تطيحي لفة الاحساس في القلب الخلي

يا سيده قولي كذا والا كذا.. او نفترق

بس المهم لما تقولي اي شي افـعـلـي

وانا بقول ان الضمير اللي معي.. ضاع.. انسرق

ولمن تمريني وهم.. ارجوك لا.. لا تسألي

وإذا كان الأرق في القصيدة السابقة صورة أخرى للحزن، فإنّ المرايا هي الأخرى صورة للحزن، إذ تُحرك المشاعر بنقلها صورَ الألم المختزن في الذاكرة. تتعدّد المرايا فتتعدّد الصور، فيعبّر عنها بـ(حكايا العنب والتوت، مرايا تعكس العالم، قلب الحبيب، الحياة ناس وقلوب خاوية وبيوت):

هنا الجلاد والموعد.. حكايات العنب والتوت

هنا كان الزمن يعبر حياتي ضفةٍ.. ضفه

مرايا تعكس العالم: صراع ودمعتين وموت

ثيابٍ تفضح أجساد الحقائق خشنةٍ.. ترفه

حبيبي وان وقف عتم الظلام بناظرك مبهوت

تعزز وان ضوى شمع النهار بجانبك.. طفه

أشوف ان الحياه.. ناس وقلوب خاويه وبيوت

وقلب واحد بس الذي تنحاز في صفه

لكنّ هذه المرايا ما هي سوى صورة متكررة لحزن الشاعر في علاقته بالحياة والكون، فلم تكن مرايا الشاعر سوى أحزان تمرّ وتتكرّر بتكرّر عملية الاستعادة التي ذكرنها في القصيدة السابقة؛ إذ إنّ نصوص الديوان تقوم في مجملها على الاستعادة وإيقاظ الذاكرة وإيقاد لوعة الحزن؛ لذا نجده ينتقل من مرايا الحياة الواسعة إلى وصف الحزن الذي هو عليه:

وانا بي حرقة حروف وحزن في داخلي مكبوت

أبحكي لين ما يفضح لساني كذبته صدفه

حكي لا جيت اتذوق حروفه يعتريني سكوت

وإذا جيت اذكره أموت قبل اني اقل نصفه

اهو هذا الزمن: حزنٍ.. طويلٍ داخلي منحوت

إذا ذاب وتناثر ما تغير ثقله وخفه

شبيه القاع والغيمه.. سمات الصلب والمفتوت

مثل نسج العناكب لي صنع من قوته ضعفه

اصور رغبتي بطن الظما الجائعه للقوت

مرايا وجهها ارضٍ.. كبيره وما بها غرفه

يتمثّل الحزن عند فيصل العلوي في قصائده الشعرية في الموضوعات التي يشتغل عليها، وفي اللغة التي يكتب بها، ويتداخل مع الصور وكأن الشاعر يرى في الحزن طريقًا أقصر للجمال الشعري، وأقصر في التعبير عن العلاقة مع الأنثى؛ لذا فإن الخطاب الأنثوي لا يتشكل -عند الشاعر- إلا عبر الحزن، والفراق لا يحصل كنتيجة إلا عبر الحزن، وهنا نجد أن الديوان يتشكّل من منظومة تعتبر الحزن ثيمة محورية، فتعمد إلى توظيف الحزن مع الأنثى ومع علاقات الكون والحياة.

في قصيدة (قطاف الليّ) تمتزج دلالات الحزن بعذوبة اللغة الشعرية، والصورة المتشكّلة من العلاقة، وهذه واحدة من القصائد التي أبدع فيها الشاعر بإحكام العلاقة بين الثيمة واللغة والصورة وصولًا إلى نص فنّي إبداعي يسير وفق نسق شعري حزين:

أنا ذاك البياض اللي كنف وجهي جفاف الوحل

يلعثمني السكوت بأعوجاج (الليّ) في طرفي

اشوفك ليلةٍ تبكي سواد الانطفاء والظل

ورى؟! ذيك الشموع إن ما بهت تستكثر وتطفي

تستفتح القصيدة العلاقة الضدية للألفاظ: (البياض والسواد، الانطفاء والشموع، السكوت والبكاء)، وتنفتح على قراءة الجرح القابع في الذات، ونرى في عملية الانتقال من صورة إلى أخرى عملية مهمة في تقديم الحزن والوجع:

توارين الجروح بليها وسط انشطار الحبل

على ذاك الهواد اللي يشوف الصمت في حرفي

وانا كلي كلامٍ في كلامٍ من سؤالٍ سهل

متى حين القطاف إن ما تناصف ظهري وكتفي

تتكرّر عملية الانتقال التي ترتبط بوصف الذات في إبراز صورة الحزن والوجع المتشكل من العلاقة مع الآخر/ الأنثى التي تنتهي بالوداع/ فمان الله المُفضي إلى الحزن:

تعالي ما بقى كثر الحديث استعطفك وانذل

وانا كل الطريق اللي قطعته ما يجي نصفي

كثر ذيك المسافات اللي بينك تحسبيني كهل

وانا المشدود في (كُم الضلوع) بمنتهى عطفي

هناك.. هناك ما كن السحاب من المطر يبتل

ولا كن الجروح -إن ما- نثرها الدمع تستكفي

تعالي ما بقى حرف نسيته من صفات الحل

ولا وصلت في لحظ الجواب المتهم المخفي

حرام اللي تسويه ابتساماتك بوجه ضحل

كثر حُرم «الفجور» بلحظة الاسفاف في ضعفي

فمان الله يا شق الدمار بغرفتين الجهل

يموت الصمت من كثر الحديث وينشطر طرفي

إنّ الحزن عند الشاعر تعبير داخلي عن حالة نفسية يعيشها، تأتي مقترنة بالذات وتتكرّر في التعبير الشعري مبينة الصورة التي عليها هذا الألم، لذا لم يجد الشاعر بُدًا من أن يلوّن قصائده بالحزن، ما دام أنه قادر عن طرقه إلى التعبير السليم والواضح، وهو الذي يقول في الموضوع ذاته:

كثير.. كثير مرّيت المواجع، أنشد الأحزان

واثاريني أنا كل المواجع/ قلب أحزانك

خالد المعمري كاتب عُماني