أعمدة

مسقط وباريس.. وتحديات المستقبل

تواجه مسقط وباريس تحديات مشتركة بينهما منذ ثلاثة قرون، عندما بدأت العلاقات بين العاصمتين في عام 1844، وتجددت في العهد الحديث في عام 1972، واليوم تتطلعان إلى استمرار هذه العلاقات من خلال ترجمة صادقة بين سلطنة عُمان وجمهورية فرنسا بالزيارة التاريخية التي يصفها الفرنسيون بالمهمة لجلالة السلطان هيثم بن طارق - حفظه الله - إلى العاصمة الفرنسية.

وينظر البلدان إلى المستقبل من خلال ثلاثة مسارات مهمة، هي السياسية والاقتصادية والاستثمارية، وكذا التعاون العلمي.

وخلال هذه الزيارة وبتوقيع عدد من الاتفاقيات الاقتصادية المهمة، وكذا التعاون في المجالات العلمية، تنتقل العلاقة إلى مستويات استراتيجية أرحب بين الجانبين، لتعد الأهم في خطوات التقارب بين مسقط وباريس.

فعلى المسار السياسي، تتفق الدولتان على أمرين مهمين، وهما امتداد وترجمة للعلاقات التاريخية التي شهدت مراحل مهمة جدًا منذ تعيين فرنسا أول قنصل لها في زنجبار عام 1840م، وهو سعيد بن خلفان، وبدء العلاقة مع الإمام أحمد بن سعيد عام 1856م، وتعيين فرنسا أول قنصل فرنسي لها في مسقط عام 1920م.

وتتطابق وجهات النظر بين الجانبين، بالذات في نقطتين مهمتين، هما الدعوة إلى ترسيخ الأمن والاستقرار في منطقة الخليج والشرق الأوسط، وفي القضية الفلسطينية والاعتراف بقيام الدولة الفلسطينية حسب المرجعيات الأممية وقراراتها، وأيضًا الدعوة للحوار في قضايا وملفات أخرى من العالم، الذي يمكن أن يعزز السلم الدولي.

وتؤكد فرنسا مرارًا في خطاباتها على أهمية الدور العُماني في صناعة السلام، وثقة المجتمع الدولي في ذلك، إيمانًا راسخًا منها بأن حل القضايا والخلافات بين الدول يمر عبر بوابة السلام، وليس بلغة الحروب والتهديد، وأن الحلول السياسية وتطبيق القانون الدولي يقللان على دول العالم كلفة خلافاتها.

الزيارة شهدت توقيع اتفاقيات مهمة تمثل تطورًا في المسار الاقتصادي، حيث إقامة المشاريع المشتركة بين القطاعين الخاص والعام، كالطاقة المتجددة والنظيفة، والفضاء، والاستكشاف، والطيران المدني، والتدريب، والصحي، والشركات الصاعدة، وإقامة المشاريع المشتركة كالنقل البحري، والذكاء الاصطناعي، والطاقة النظيفة، والمياه، واستثمار الموانئ المهمة في سلطنة عُمان، وربط طرق التجارة وتعزيزها بين البلدين، وتطوير التبادل التجاري بينهما في غير النفط ومشتقاته.

إلى جانب تطوير التعاون العلمي من خلال مشاريع مشتركة كبرى بين البلدين مع ميناءي صحار والدقم، وإرساء قاعدة إطلاق الصواريخ والأقمار الصناعية بالدقم، واستكشاف الفضاء، وإطلاق الأقمار الصناعية الفرنسية، وإقامة محطات الطاقة النظيفة في محافظات جنوب الشرقية وظفار والداخلية، وتطوير مراحل الانتقال إلى الاقتصاد النظيف بحلول 2050-2060، من خلال استغلال الرياح والطاقة الشمسية.

وركزت الزيارة على إيجاد حلول للتحديات التي يمكن أن تواجهها الأجيال القادمة، خاصة في سلطنة عُمان، سواء أكانت سياسية أم اقتصادية، واستثمار الموارد المتاحة، وزيادة التبادل التجاري، والتعاون في مجالات حيوية مهمة ترفع من قيمة الاقتصاد العُماني في المرحلة المقبلة، وإيجاد العديد من الحلول الاستراتيجية التي تستوعب المستقبل، وتؤمن لأبنائنا المزيد من الفرص من خلال الانفتاح على العالم، وتطوير قدراته وإمكاناته ومستوياته العلمية.

وتعزيز أرقام التبادل التجاري لأكثر من 100 مليون ريال بين البلدين. الزيارة تأتي ضمن جهود جلالته مع دول العالم المتقدم اقتصاديًا وعلميًا بهدف رفع مكانة الاقتصاد العُماني وتعزيز ركائزه من خلال التسهيلات التي يُعاد مراجعتها باستمرار لمواكبة المرحلة واحتياج العالم لمناخ تجاري واستثماري آمن له في سلطنة عُمان.   

سالم الجهوري كاتب صحفي عُماني