المحافظات

حرق المخلفات الزراعية في الأرياف.. مشكلة مستمرة وحلول ممكنة

 

استطلاع - عزماء بنت محمد الحضرمي 

تثير ظاهرة حرق المخلفات الزراعية تساؤلات مباشرة حول كلفة هذا السلوك على سكان القرى المجاورة للمزارع، خاصةً مع تكرار تصاعد الأدخنة ووصولها إلى المناطق السكنية، كما تطرح الظاهرة أسئلةً مرتبطةً بدور الجهات المعنية، ومستوى التزام بعض المزارعين، وحجم الوعي بالأضرار الصحية والبيئية الناتجة عن الحرق، إلى جانب الحاجة إلى بدائل عملية أكثر جدوى، مثل جمع هذه المخلفات وتحويلها إلى سماد عضوي أو توظيفها في استخدامات إنتاجية أخرى.

 

ممارسات فردية متكررة 

ترى ابتهال بنت سعيد بن علي الغافري، ناشطة في المجال البيئي، أن ظاهرة حرق المخلفات الزراعية في مزارع قرى ولايات محافظة الظاهرة القريبة من الأحياء السكنية تمثل سلبية كبيرة على البيئة والصحة العامة للقاطنين في تلك المناطق؛ بسبب انبعاث الأدخنة الكثيفة التي تؤثر على المدى الطويل. وتشير إلى أن هذه الظاهرة باتت نمطًا عامًّا يعمد إليه بعض المزارعين والعاملين الوافدين، مع عدم وجود إحصاءات دقيقة لمدى انتشارها، وإن كان انتشارها يُصنَّف غالبًا بين المتوسط والمرتفع باعتبارها ممارسات فردية متكررة. 

وتُرجع ابتهال الغافري استمرار هذه الظاهرة إلى قلة الوعي بخطورة الأدخنة المنبعثة من هذه المحروقات على انتشار الأمراض الصدرية والتنفسية، فضلًا عن عدم وجود مواقع مخصصة لردم مخلفات المزارع، وعدم معرفة كثير من المزارعين بأهمية مخلفات النخيل من السعف والكرب والعسق، وإمكانية ردمها في موقع مخصص داخل المزرعة للاستفادة منها لاحقًا كأسمدة، كما أن بعض المزارعين والعاملين فيها يعدّون الحرق أسرع طريقة للتخلص من النفايات. 

حملات توعوية 

وفي حديثها عن الحلول المقترحة، تؤكد ابتهال الغافري أن من أهم الحلول للحد من هذه الظاهرة إطلاق حملات توعوية للمزارعين والعاملين في المزارع حول أضرار حرق هذه المخلفات صحيًّا على السكان المحيطين بالمزارع، لا سيما كبار السن ومرضى الجهاز التنفسي كالربو، إلى جانب توعيتهم بمضار الحرق على التربة الزراعية، وتنظيم حملات تدريبية تشرح كيفية استغلال المخلفات الزراعية كسماد طبيعي للمحاصيل بدلًا من حرقها وإتلافها، وبيان الطرق الآمنة للتخلص منها. وترى ابتهال الغافري أن هذه الجهود يمكن أن تتم من خلال برامج التواصل الاجتماعي وخطب الجمعة والتجمعات في «السبلات» والمجالس، بما يسهم في التقليل من هذا السلوك غير الصحي، كما تشير إلى أهمية الرقابة وحملات التفتيش المكثفة، لا سيما في الفترات التي تنتشر فيها الحرائق، مثل بداية الصباح أو قبيل غروب الشمس، ويعدّ هذا الحل من أكثر الحلول تأثيرًا في الحد من هذا السلوك. وتضيف أن للشركات دورًا كبيرًا في الحد من هذه الظاهرة من خلال إعطاء عقود للمزارعين لاستغلال هذه المخلفات في مشاريعهم، أو استثمارها عبر إعادة تدويرها لإنتاج طاقة حيوية، وتوفير معدات تسهّل التخلص منها بطرق آمنة. 

الملوثات الناتجة

وفي الجانب الصحي، توضح أسمهان بنت راشد اليعقوبي، استشارية أمراض الجهاز التنفسي، أن أبرز الملوثات الناتجة عن حرق المخلفات الزراعية والدخان، التي تؤثر مباشرة على الجهاز التنفسي، تتمثل في الجسيمات الدقيقة جدًّا، مثل الجسيمات العالقة في الهواء، وهي مزيج من جزيئات صلبة وقطرات سائلة ناتجة عن الاحتراق، مثل حرق المخلفات الزراعية. أما النوع الآخر من الجسيمات فهو جسيمات أقل من 10 ميكرونات، التي تصل إلى الأنف والحلق والشعب الهوائية الكبيرة، وتسبب التهيج والسعال والتهاب الشعب الهوائية. في حين أن النوع الثالث منها أقل من 2.5 ميكرون، وهي أدق بكثير وأخطر؛ لأنها تصل إلى أعمق جزء في الرئة، أي الحويصلات الهوائية، ويمكن أن تدخل إلى مجرى الدم وتؤثر على القلب وبقية الجسم. 

وتشير أسمهان اليعقوبي إلى أن هذه الجسيمات تتجاوز دفاعات الجهاز التنفسي الطبيعية، وتسبب التهابًا عميقًا ومزمنًا في الرئة، وترتبط بزيادة نوبات الربو والتهابات الرئة وأمراض القلب وتدهور وظائف الرئة مع الوقت. كما يحتوي الدخان على أول أكسيد الكربون، وأكاسيد النيتروجين، وثاني أكسيد الكبريت، والمركبات العضوية المتطايرة، وقد تتكون أيضًا ملوثات ثانوية مثل الأوزون الأرضي، وهي مواد تسبب تهيجًا والتهابًا في الجهاز التنفسي، وتؤثر بصورة مباشرة في كفاءة التنفس، خاصة لدى الفئات الحساسة. 

الآثار السريرية

وفي وصفها للآثار السريرية المباشرة لهذا التعرض، توضح أسمهان اليعقوبي أن التعرض للدخان والهواء الملوث يؤدي عادة إلى زيادة نوبات الربو وتهيج الشعب الهوائية وأعراض الحساسية الصدرية والسعال وضيق التنفس، كما قد تزداد مراجعات الطوارئ لدى المرضى الذين لديهم أمراض تنفسية مزمنة، وتؤكد أن التعرض للدخان والجسيمات الدقيقة يرتبط بتفاقم الربو وزيادة الأعراض التنفسية والحاجة إلى الرعاية الطبية. 

الفئات المتضررة

وعند الحديث عن الفئات الأكثر هشاشة أمام هذا النوع من التلوث، تؤكد أسمهان اليعقوبي أن الأطفال وكبار السن ومرضى الربو هم الأكثر عرضة للخطر؛ فالأطفال يتأثرون لأن رئاتهم ما زالت في طور النمو، ولأنهم يتنفسون كمية أكبر من الهواء مقارنة بوزن الجسم، بينما تكون لدى كبار السن احتياطات تنفسية أقل، وغالبًا ما توجد أمراض مزمنة مصاحبة تجعل تأثير الدخان أشد، أما مرضى الربو فهم الأكثر عرضة لحدوث تهيج شديد في الشعب الهوائية وصفير بالصدر وضيق نفس وتفاقم النوبات بشكل متكرر. 

الأعراض

وفيما يتعلق بالأعراض التي قد تظهر على السكان ومتى تتحول إلى حالات تستدعي التدخل الطبي، فتوضح أسمهان اليعقوبي أن الأعراض الشائعة تشمل حرقة أو تهيج العينين والأنف والحلق والسعال والبلغم والصفير وضيق التنفس والإحساس بثقل في الصدر والصداع، وفي بعض الحالات قد يشعر المريض بإجهاد سريع أو خفقان، خاصة إذا كان لديه مرض قلبي أو رئوي سابق. وتضيف: أيضًا تتحول هذه الأعراض إلى حالة تستدعي التدخل الطبي عندما يظهر ضيق نفس واضح أو صفير شديد أو ألم في الصدر أو ازرقاق الشفاه أو انخفاض في مستوى النشاط والوعي، أو عدم الاستجابة للعلاج المعتاد مثل بخاخات الربو، كما أن استمرار الأعراض أو ازديادها لدى الأطفال وكبار السن يستوجب التقييم الطبي المبكر. 

المخاطر على المدى البعيد

وفي تقديرها للمخاطر بعيدة المدى، تبيّن أسمهان اليعقوبي أن التعرض المتكرر والمستمر لهذا النوع من الدخان قد يؤدي إلى التهاب مزمن في الشعب الهوائية وتراجع في وظائف الرئة وزيادة شدة الربو وصعوبة السيطرة عليه، وقد يرفع أيضًا خطر الإصابة أو التفاقم في بعض الأمراض التنفسية والقلبية الوعائية، كما أن بعض مكونات الدخان والملوثات الهوائية ترتبط بأضرار طويلة الأمد على الجهازين التنفسي والمناعي، وبعض الملوثات السامة قد ترتبط حتى بمخاطر سرطانية عند التعرض المزمن بحسب نوع المادة وكثافة ومدة التعرض. 

تراجع ملحوظ

وفي المقابل، يضع حمد بن مرهون السيابي، عضو المجلس البلدي لمحافظة مسقط، رئيس اللجنة الصحية والبيئية بالمجلس، ممثل ولاية بوشر، الظاهرة في سياقها البلدي والتنظيمي، إذ يشير إلى أن ظاهرة حرق المخلفات الزراعية في ولايات محافظة مسقط شهدت تراجعًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة نتيجة تكثيف الجهود الرقابية والتوعوية التي تنفذها بلدية مسقط، إلا أنها لا تزال تظهر كممارسات فردية في بعض المواقع الزراعية، وهو ما يتطلب استمرار العمل للحد منها بشكل كامل. 

ضعف الوعي البيئي

وعن أبرز التحديات التي تعترض الحد من هذه الممارسات، يوضح السيابي أن الجهات المختصة تواجه صعوبات تتمثل في سهولة اللجوء إلى الحرق كخيار سريع وقليل التكلفة، إلى جانب ضعف الوعي البيئي لدى بعض العاملين في المزارع، وصعوبة تغطية جميع المواقع بالرقابة المستمرة. 

تحسن مستمر في الالتزام

وفيما يتعلق بالإطار النظامي وآليات تطبيقه ميدانيًّا، يبيّن أن هناك لوائح وأنظمة واضحة تحظر حرق المخلفات الزراعية، وتقوم البلدية بتطبيقها من خلال حملات تفتيش ميدانية ورصد المخالفات واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين، مشيرًا إلى أن مستوى الالتزام في تحسن مستمر بفضل هذه الجهود، رغم وجود بعض التجاوزات. 

البدائل العملية

وعند الانتقال إلى البدائل العملية المتاحة، يشير السيابي إلى أن بلدية مسقط وفرت بدائل عملية للتخلص من المخلفات الزراعية، من خلال تخصيص مرادم، بالإضافة إلى خدمات النقل التي تقدمها الشركات المختصة، معربًا عن أمله في أن يستفيد المزارعون من هذه الخدمات ويلتزموا بالإرشادات المعتمدة. 

وفي شرحه لطبيعة التنسيق بين المجلس البلدي والجهات الأخرى، يلفت السيابي إلى أن المجلس يعمل بشكل متكامل مع الجهات الحكومية ذات العلاقة، بما في ذلك الجهات البيئية والصحية، لمتابعة هذه الظاهرة ووضع الحلول المناسبة لها، مؤكدًا أن التعامل معها يتطلب تكاتفًا بين جميع الأطراف. وفيما يخص تحويل المخلفات الزراعية إلى مورد اقتصادي، يرى السيابي ضرورة الاستفادة من هذه المخلفات وتحويلها إلى مورد اقتصادي من خلال مشاريع إنتاج السماد العضوي. 

ويختتم السيابي بالتأكيد على أن تعزيز الوعي المجتمعي يمثل ركيزة أساسية في الحد من هذه الظاهرة، من خلال تكثيف الحملات التوعوية وإشراك مختلف فئات المجتمع في تبني سلوكيات بيئية مسؤولة، بما يحافظ على صحة الإنسان وسلامة البيئة.