العرب والعالم

لبنان.. ماذا بعد توقيع "إتفاق الإطار" مع إسرائيل؟

 

بيروت- وفاء عواد 

غداة توقيع 'إتفاق الإطار' بين لبنان وإسرائيل، برعاية أميركية، أشاد رئيسَي الجمهورية والحكومة جوزاف عون وتمّام سلام، باعتباره 'خطوة أولى على طريق استعادة لبنان سيادة دولته على أراضيه كاملة'، فيما تفاوتت المواقف الداخلية بين مرحّب ورافض، قرأ بين مضامين الإتفاق 'تشريعاً لاحتلال الجنوب'، حيث وصف الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم الإتفاق بأنه 'باطل'، و'ينبغي أن تحلّ محلّه مذكّرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة'.
أمّا على الوجه الآخر لهذه الصورة، معطوفاً على موقف واشنطن، التي اعتبرت أنها حقّقت 'إنجازاً تاريخياً'، وعلى ارتياح إسرائيل، إذْ وصف رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو الإتفاق بأنه 'إنجاز كبير لإسرائيل' و'ضربة كبيرة لإيران'، ليبقى السؤال: ماذا بعد التوقيع؟
وفي معرض الإجابة عن هذا السؤال، فإنّ ثمّة من يرى أنه قد يكون مفيداً التطلع إلى الأمام، في محاولة لتضييق الفجوة الكارثية المتمثلة بالدمار الهائل، لا سيّما في الجنوب، ووجوب البدء بالتفكير بإعادة إعمار ما هدّمته آلة الحرب الإسرائيلية، والإعمار، الذي إذا بدأ غداً فإنه يستلزم عشرات السنين، وربّما أكثر. وذلك، في مقابل بعض آخر، ذهب الى حدّ وصف ما جرى على طاولة واشنطن بـ'السقطة المريعة' و'الفتنة اللئيمة'، لافتاً الى أن أخطر ما في الاتفاق مع العدوّ الإسرائيلي هو ربط انسحابه بنزع سلاح 'حزب الله'، مع ما يعنيه الأمر، وفق هذا البعض، من 'تجاوز للخطوط الحمراء'.
ومن بوّابة 'الخطوط الحمراء'، برزت علامات استفهام حول القيمة القانونية والملزِمة لهذا المستند في غياب المسار الدستوري المعتاد، وذلك وسط جدل قانوني يتأرجح بين اعتباره مجرّد 'تفاهم إجرائي مؤقت' لا يتطلّب موافقة السلطتين التشريعية والتنفيذية، وبين كونه 'معاهدة دولية' تمسّ السيادة الوطنية، وتفرض التزامات جوهرية تستدعي حكماً عبور قنوات مجلسَي الوزراء والنواب. وعليه، يحسم المحامي والناشط السياسي واصف الحركة هذا الجدل، بقوله إنّ هذا الإتفاق هو 'اتفاق دولي إطاري ذو طبيعة ملزِمة، يؤسّس لمعاهدة سلام وتسوية شاملة'، وبالتالي، فإنه 'يستوجب، وفق الدستور اللبناني، موافقة مجلس الوزراء، ثم موافقة مجلس النواب، قبل أن يصبح نافذاً وملزِماً للجمهورية اللبنانية'.
'قطب مخفيّة'
الى ذلك، ضجّت بعض القراءات بالإشارة الى 'قطب مخفيّة' بين طيّات إتفاق إطار العمل المشترك، والى أن التوقيع عليه، ببنوده الـ14 الفضفاضة، هي خطوة محفوفة بالمخاطر، ومحاطة بعلامات استفهام كبرى لأسئلة من دون أجوبة حتى اللحظة. ذلك أن الإتفاق ينصّ على الإعتراف الرسمي بين الدولتين بعضهما ببعض، وبسيادتهما على أراضيهما. وهي المرّة الأولى التي يتمّ فيها التوقيع على ورقة مشتركة بين مسؤول لبناني ومسؤول إسرائيلي، منذ 17 مايو 1983، والذي لم يُكتب له أن يبصر النور حينها.
وفيما الأولويّة في بنود الإتفاق هي لنزع سلاح الجماعات المسلّحة وتفكيك بنيتها التحتيّة، فإن الإعتراف بالسيادة يعني، ضمناً، اعتراف إسرائيل بحدود لبنان الدولية. لكنّ العبرة، ووفق تأكيد مصادر عسكرية، تبقى في الإنسحاب وموعده وآلياته. وهذه لا يلحظها الإتفاق بل يرهنها بالتطوّرات الأمنية، وإنهاء أيّ تهديد أمني يطال إسرائيل، وهو ما سيكون مرتبطاً بموضوع سحب سلاح 'حزب الله'. وبذلك، ووفق المصادر نفسها، فإن الإتفاق يرمي بـ'كرة النار' في ملعب الجيش اللبناني، الذي عليه أن يتولّى المسؤولية الأمنية في 'مناطق تجريبية' بدءاً باثنتيْن تقعان داخل وخارج ما يُسمّى بمنطقة 'الخطّ الأصفر'. علماً أن لبنان كان يصرّ على بدء تطبيق 'المناطق التجريبية' داخل 'الخطّ الأصفر' وجنوب الليطاني. وذلك، خلافاً لما جرى التوصل إليه في الإتفاق، وهو بدء تحرّك الجيش داخل منطقة في شمال نهر الليطاني، مقابل منطقة أخرى في جنوبه.
14 بنداً، بدءاً من 'المسار المفتوح لتحقيق السلام بين البلدين'، مروراً بـ'العمل على توقيف أي شخص له صلة عسكرية أو أمنية بحزب الله'، ووصولاً الى 'العمل على تشكيل لجان لترسيم الحدود بين البلدين'، و'إلغاء القوانين التي تجرّم التواصل والتعامل بين لبنان وإسرائيل'. وحولها تمحورت التعليقات، بين من رأى فيها 'شرعنة للإحتلال'، لخلوّها من آلية واضحة تُلزم إسرائيل بالإنسحاب، وعدم تحديد مهلة زمنية لذلك، ولا حتى اتخاذ تدابير ضدّ إسرائيل في حال تمنّعت عن التنفيذ، مع ربط الإنسحاب الإسرائيلي بمعضلة نزع سلاح 'حزب الله'، مضافاً إليها مجاهرة بنيامين نتنياهو بالبقاء ضمن 'المنطقة الأمنية' حتى زوال ما أسماه 'عناصر التهديد'.
'المناطق التجريبيّة'
وإذْ نُشرت مضامين إطار العمل المشترك، فإنّ الإجراءات العملية لأولى الخطوات، والمتمثلة بـ'المناطق' التجريبية'، بقيت طيّ كتمان 'الملحق الأمني' المرفق. وربطاً، وبحسب ما يتردّد من معلومات، فإنّ الأسبوع الجاري سيشهد على تشكيل 'مجموعة التنسيق الثلاثية' المؤلفة من لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة، على أن تتولّى قيادة الجيش اللبناني رسم الخرائط، للبحث في النطاق الجغرافي والنقاط قيد التجريب في منطقة فاصلة بين داخل 'الخطّ الأصفر' وخارجِه. وبعد إنجاز هذه الخطوة، يتمّ تحديد جدول زمني لباقي المناطق. علماً أنّ الملحق الأمني، وبحسب ما يتردّد، أعاد إحياء اللجنة التقنيّة العسكرية المنبثقة عن لجنة 'الميكانيزم' (لجنة مراقبة وقف إطلاق النار)، وتتولّى الدعم اللوجستي لتمكين الجيش اللبناني من القيام بمهامه.
جردة أوليّة
وبجردة أوّليّة عن حصيلة ساعات ما بعد التوقيع، فـإن 'اتفاق الإطار' بين لبنان وإسرائيل هو، بحسب رئيس كتلة 'الوفاء للمقاومة' النائب محمد رعد، هو 'اتفاق مشؤوم، ومرفوض جملةً وتفصيلاً' وبحسبة الوزير والنائب السابق وليد جنبلاط، فإن الغريب في هذا الإتفاق الثلاثي شكلاً (اللبناني- الأميركي- الإسرائيلي)، والأحادي مضموناً، هو التغييب الكامل لاتفاقية الهدنة. أمّا على الضفّة الرئاسيّة، فكلمتان نطق بهما رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي: 'إنّها الفتنة!'
إتفاق هو، بحسب الدولة اللبنانية، إنتصار للسيادة. وإسرائيل تنظر إليه كـ'انتصار' لما أرادت تحقيقه، وهو بناء عناصر تنسيق وشراكة مع الدولة اللبنانية لتفكيك 'حزب الله'، أما الجيش اللبناني، فلا يزال عند نقطة السؤال حول آلية التنفيذ، في ظلّ رفض 'حزب الله' لتطبيق الإتفاق. وفي السياق، أفادت أوساط مقرّبة من ثنائي 'حركة أمل'- 'حزب الله' أن التعويل في ضبط إيقاع المرحلة لا يزال قائماً على مذكرة التفاهم الإيرانية- الأميركية، مؤكدةً أن 'حزب الله لم يترك الميدان في أصعب الظروف، ولن يتركه'.
وأمام ما تقدَّم، فإنّ المكتوب لم يُقرأ من عنوان واحد، بل من عناوين عدّة. أمّا العبرة، فهي بتنفيذ إتفاق الإطار اللبناني- الإسرائيلي الذي جرى توقيعه برعاية أميركية، بحسب الكاتب والمحلّل السياسي سركيس أبو زيد، وخصوصاً أنه غير مفصول عن الإطار الدولي والإقليمي، فيما للنائب السابق نجاح واكيم، أحد من أسقطوا اتفاق 17 مايو 1983 تحت قبّة البرلمان، رأي حاسم في هذا الإتجاه، ومفاده: 'هذا الإتفاق لم يُبرم ليُنفّذ.. ونقطة على السطر'!.