أفكار وآراء

هذه الموجة الحارة تسخر من المشككين في التغير المناخي

ترجمة: أحمد شافعي

لم يكن فيلم (لا تنظروا إلى أعلى)، وهو من إخراج ديفيد مكاي وبطولة ليوناردو دي كابريو، بالفيلم المثالي، لكنني لا أكف عن التفكير فيه؛ فلعله بتصويره نهاية عالم يأبى بعناد الإنصات إلى التحذيرات من كارثة كوكبية وشيكة كان صادقا أكثر مما ينبغي، لكن الواقع في أيامنا هذه بات صادقا أكثر مما ينبغي.

ولقد قدم لنا الأسبوع الأخير أدلة وفيرة في كلا جانبي الأطلنطي. ففي بريطانيا، شأن أغلب أوروبا، كان الهم المسيطر هو الحرارة الشديدة غير المحتملة؛ إذ تحطمت الأرقام القياسية لدرجات الحرارة ودقت في مناطق واسعة من البلد أجراس الإنذار.

وللمرة الأولى، صدرت الإنذارات الحمراء في المملكة المتحدة في ثلاثة أيام متتالية، وأغلقت المدارس، ومرت الليالي بلا نوم، مع ارتفاع الزئبق في أجهزة قياس الحرارة ليبلغ التعريف التقني للمناخ «الاستوائي». وثمة حرائق غابات في ديربيشاير. وهذا كله في بلد مناخه معتدل في يونيو.

وماذا عن السياسة عندنا؟ تجاوزت السياسة بسرعة ما كان يعدُّ في يوم من الأيام حدثا نادرا، بل تاريخيا، وهو استقالة رئيس الوزراء، وانصب التركيز على الرجل القادم آندي برنهام، بل انصب تحديدا على من سيعينه وزيرا للخزانة. يقال إن عالم برنهام منقسم حول ما إذا كان ينبغي أن يكون وزير الخزانة هو إد ميليباند الذي يتحمس له البعض باعتباره بيروقراطيا مضمونا وحليفا أيديولوجيا لرئيس الوزراء القادم، بينما يخشى البعض من أنه سوف يثير ذعر أسواق الأوراق المالية.

أما أصخب الحجج على وزير الطاقة الحالي إد ميليباند التي راجت بشدة هذا الأسبوع فهي دعمه لسياسة الانبعاثات الصفرية: أي الوصول إلى منع انبعاثات الكربون تماما بحلول عام 2050.

ففي مؤتمر يميني في لندن أطلق عليه «مؤتمر دافوس المناهض للصحوة» قالت كيمي بادينوك لوفود المشاركين: إن «شيطانا» معينا هو الذي يجب أن يلام على أوجاع بريطانيا الاقتصادية.

وقالت وسط تصفيق الحاضرين «هذا الشيطان اسمه إد ميليباند وهو الذي جعل بلدنا أكثر فقرا».

أقيم هذا المؤتمر بتنظيم «تحالف المواطنة المسؤولة» الذي يضم داعميه مالك قناة (جي بي نيوز) وعددا من شركات الوقود الأحفوري. ومن المسؤولين الذين حضروا من الإدارة الأمريكية الحالية كريس رايت وزير الطاقة لدى دونالد ترامب وكان هو نفسه مديرا تنفيذيا سابقا في مجال الوقود الأحفوري ووصف سياسات بريطانيا الخضراء «بالخطأ التراجيدي».

وقد أعرب رايت عن أمله في أن يؤدي تغيير قيادة المملكة المتحدة إلى تغير في مسار البلد ليصطف مع الولايات المتحدة.

وهنا يقترب الأمر اقترابا شديدا من فيلم «لا تنظروا إلى أعلى»؛ فالآلاف من النشطاء المناهضين للإجهاض وخصوم التعددية الثقافية والمشككين في التغير المناخي الذين تجمعوا في قاعة مؤتمرات أولمبيا بغرب لندن كانوا يتصببون عرقا بالداخل، بحسب ما أفاد به من كانوا هناك. وفيما كانوا يصفقون لأمثال رايت الذي يعتقد أن أخطار الأزمة المناخية فيها مغالاة كثيرة، كانوا يستعملون مراوح الأيدي لمواجهة حرارة لندن التي أبت بعناد أن تقل عن 35 درجة مئوية، مستعملين المراوح التي تم توزيعها عليهم في حقيبة المؤتمر وحملت شعار «لم تكن أجواء حرية التعبير قط بهذا اللطف».

والآن قد تكون هناك أسباب وجيهة لعدم تعيين ميليباند في منصب وزير الخزانة (رغم أن هذه الأسباب يجب أن تعرض في مقابل درايته بالخزانة وتوافقه مع رئيس الوزراء وسجله الفعال في منصبه الوزاري). لكن لا يمكن أن يكون بين هذه الأسباب ـ في هذا الأسبوع بالذات ـ أنه شديد الالتزام بمواجهة الطوارئ المناخية.

قد يمكنكم القول بأن بعض الرسوم الخضراء غير تقدمية بالقدر الكافي، فهي تقع على كاهل الفقراء مثلما على كاهل الأثرياء، لكن أن نرى أوروبا وهي تذوب من فرط الحرارة، إذ تقترب ألمانيا وبولندا من 40 درجة مئوية، ثم نأخذ على ميليباند أنه اشتط وغالى في السرعة، إذن باتت الحياة تحاكي الفن الساخر، وبات من يتخذون هذا الموقف يضعون أنفسهم مع شخصيات فيلم «لا تنظروا إلى أعلى» حينما علموا أن مذنبا يتجه بسرعة صوب الأرض فقرروا أن الحل هو ألا يرفعوا عيونهم إلى السماء.

غير أنه من المؤسف أن الوقوع في هذا الخطأ لا يقتصر على جمع المناهضين للصحوة؛ فمن منتقدي ميليباند العديد من النقابات المهنية الغاضبة من معارضته لتنقيب جديد عن النفط والغاز في بحر الشمال وما يمكن أن يثمره من وظائف. وقد نشر توني بلير مقالة الشهر الماضي دافع فيها عن تخفيف الاندفاع في سياسات الانبعاثات الصفرية.

وفي كندا، فكّك مارك كراني العديد من الإجراءات الخضراء، بل إن المفوضية الأوروبية في بروكسل تخفف الضغط حاليا هي الأخرى.

وفي ضوء الحاجة الماسة إلى النمو الاقتصادي، أفهم لماذا يمكن أن تبدو الانبعاثات الصفرية رفاهية لا تحتمل. لكن ارفعوا أعينكم إلى أعلى لتروا أنها أمر لا غنى عنه لإنقاذ الحياة.

ما أصاب فيه الفيلم هو أن الكارثة الكوكبية الوشيكة يمكن أن تؤدي إلى استجابة أقل فجاجة لكنها ليست أقل خطورة من الإنكار الصريح، وهي التلهي والإرجاء. فحتى في مواجهة الأدلة الدامغة على الخطر الوشيك، سيجد الناس شيئا غيره ليخوضوا فيه.

كان ذلك هو ردا فعليا عند مشاهدة الوجوه المحمرة قليلا والسترات الكتانية للمتحدثين في برنامج نيوزنايت على «بي بي سي» يوم الخميس إذ يناقشون إعلانا بأن الملك تشارلز والملكة لن يعيشا في قصر باكنجهام.

ولقد كان الإعلان مثيرا فلا تسيئوا فهمي، لكن كان من الواضح أن الجو بالخارج كان حارا للغاية حتى مع اقتراب الساعة من منتصف الليل.

في الولايات المتحدة، كان حديث الساعة هو المهمة التي يبدو أن دونالد ترامب أخذها على عاتقه وهي «جعل الاستعارة حقيقة من جديد»، وأعني تحديدا ملحمة إصلاحاته الفاشلة للبحيرة الممتدة تحت قدمي نصب أبراهام لينكولن. فالرئيس الذي وعد بـ«تجفيف المستنقع» في العاصمة واشنطن أنشأ مستنقعا حقيقيا كريه الرائحة مخضرا بسبب الطحالب في وسط المدينة.

وأنا آخر من يمكن أن ينتقد شخصا لحديثه عن هذه الفضيحة فلقد غصت أنا وزميلتي أروى مهدي فيها كثيرا ـ أعني أننا غصنا في القضية لا في البحيرة ـ لإعداد الحلقة السابقة من بودكاست سياسات أمريكا في أسبوع.

وليس الأمر محض هوس إعلامي؛ فترامب نفسه لا يكف عن الحديث في الأمر.

والأمر جدير بالنقاش، لأنه يلخص تماما أسلوب ترامب في العمل: الإعلان عن هدف ما بناء على نزوة، عدم المبالاة بالمخاطر الواضحة، ثم ادعاء النجاح بينما الجميع شهود على الفشل؛ فسواء أتعلق الأمر بحرب على إيران أم بحرب على الطحالب، يبقى أسلوب العمل واحدا.

لكن رغم ما في السخرية من ترامب من تنفيس، فإنها هي الأخرى إلهاء وتشتيت. وليست إلهاء فقط عن الحديث المباشر عن الانهيار المناخي ـ فمن الواضح أن هذا لا يمكن أن يكون الموضوع الوحيد للنقاش الجمعي حتى لو بدا في بعض الأحيان أن هذا هو الواجب ـ ولكنه أيضا إلهاء عن الحديث في أي شيء آخر من قبيل الحرب مع إيران على سبيل المثال.

فما الذي دفع ترامب بالضبط إلى هذا الاستسلام المشهود لطهران؟ لقد قبل ترامب صفقة تترك إيران أقوى كثيرا مما كانت قبل بداية الحرب في الثامن والعشرين من فبراير، وتعدها بثلاثمائة مليار دولار من المساعدات، وبإنهاء العقوبات وباحتمال أن تفرض إيران رسوما مربحة على حركة المرور العالمية عبر مضيق هرمز.

وكل هذا دون أن يتخلى النظام عن اليورانيوم المخصب والصواريخ البالستية أو دعم وكلائه المسلحين: حزب الله وحماس والحوثيين.

لماذا يبرم ترامب هذه الصفقة؟ لسبب أوجزه في كلمتين: سعر الوقود.

لقد تسبب سعر الوقود في المضخات في تراجع شعبية ترامب، فجعله مستعدا للقيام بأي شيء لتخفيض هذا السعر. بعبارة أخرى، إدمان كوكبنا على الوقود الأحفوري لا يتسبب فقط في غليان كوكبنا، ولكنه يحطمه.

وبوسعنا أن نتكلم في أمور أخرى، فنصرف أنظارنا، ونأبى النظر إلى أعلى، لكن كما لا مهرب لنا من الحرارة التي تنصب على رؤوسنا، فلا مهرب لنا من هذا أيضا. 

جوناثان فريلاند من كتاب الرأي في صحيفة الجارديان