أعمدة

المُحتال والضحية!

في كل صيف تتكرر الحكاية نفسها، لكن بضحايا جدد.. تصلنا قصص العديد من العائلات التي تخطط لقضاء صيفها اللاهب في المزارع والشاليهات، مسحورة بالصور الجذابة على وسائل التواصل الاجتماعي، ومفتونا خيالُها بصوت طرطشة الماء في الأحواض الباردة والألعاب الآسرة والحدائق المقلمة. يقطع بعضهم مئات الكيلومترات لبلوغها، ثم يتفاجؤون بأنها لا تعدو أن تكون وهما، وإن وجدوها حقيقة، محتفظة بحيوية الصور التي أبهرتهم، فسرعان ما يُغلق مَن خدعهم كل سبل التواصل معه، وكأنه انمحى من الوجود.

ثم كما ينزاح قناع، يظهر وجه مالك آخر، ليصدمهم بأن أحدا لم يتواصل معه أصلا، وأن المكان محجوز لعائلة أخرى. أعرف أن القصة مكررة، إلا أنها للأسف ما زالت تحدث!

أخبرتني صديقة، وهي مالكة لشقة للإيجار، بأن أحدهم طلب معاينة شقتها قبل دفع الإيجار.

فزار المكان وقام بتصويره تصويرا احترافيا، صورا وفيديوهات.

ثم قال ببساطة: «إنها لم تنل إعجابه»، وظنت أن الأمر انتهى عند هذا الحد. لكنه أنشأ حسابا في منصات موثوقة، ووضع الصور التي التقطها، ثم قام بتأجير الشقة لأكثر من شخص في الوقت نفسه!

في دراسة في علم النفس المعرفي بعنوان: «ثمة سبب يجعل حتى أذكى الناس يقعون ضحية للاحتيال»، للأخصائية الاجتماعية هانا أوينز، تفسر الأسباب النفسية التي تجعل الأفراد، مهما بلغ ذكاؤهم عرضة لعمليات الاحتيال، فنجاح المحتال لا يعتمد بالضرورة على ذكاء خارق أو مهارات استثنائية، بقدر اعتماده على استغلال الأنماط النفسية المشتركة بين البشر.

فهو يتلاعب بمشاعر المستأجر المتلهف لاغتنام فرصة ما، يبدي قدرا كبيرا من اللطف والدماثة، ويتمكن من استدراج الضحية تدريجيا. فعندما يشعر الإنسان بالحماس يتراجع غالبا تفكيره التحليلي، وتصبح قراراته أكثر اندفاعا.. يكسر المحتال الحواجز أحيانا، ويدخل في مواضيع تخفض مستوى الحذر بين الطرفين الغريبين عن بعضهما، وبقدر ما تبدو هذه الأحاديث عفوية إلا أنها مدروسة. ثم يبدأ ما يسمى بالابتزاز الناعم: «أرسل العربون، فثمة عائلة أخرى تود أن تحجز». وهكذا تقع الضحية في الفخ!!

تناقش الدراسة نقطة مهمة أيضا، تقوم على أن الخبرة التقنية لدى الفرد لا تحول دون الوقوع في شراك النصب، غير أن الإشكال الحقيقي يكمن في شعور الضحايا بالخجل عقب انكشاف الخديعة، إذ يميل كثير منهم إلى عدم التبليغ، بل قد لا يجرؤون على التحدث عن التجربة السيئة، لشعورهم العارم بالإحراج أو لوم الذات، معتقدين أن مرد الأمر «سذاجتهم»! وهكذا تبقى الجريمة طي الكتمان، من دون بلاغ يحرك إجراءات الملاحقة. يضاعف هذا الخجل حجم الضرر، إذ يتيح للمحتالين مواصلة نشاطهم والإيقاع بمزيد من الضحايا!

أثناء بحثي، لفتني أن شرطة عمان السلطانية، ممثلة في الإدارة المختصة بمكافحة الجرائم الإلكترونية، خصصت خطا ساخنا للإبلاغ عن هذا النوع من الجرائم. وهذا سبب كافٍ لتقليل حدة الشعور بالحرج، ويمكن مع الوقت أن يغدو الخطوة الأولى في ردع المحتالين والحد من انتشار أساليبهم التي تتطور باستمرار.

فلقد بلغ الأمر ببعضهم إلى تزوير أعداد المتابعين والتقييمات الإيجابية لإضفاء مظهر زائف من الموثوقية وتقليل هواجس الحذر لدى الضحايا! وأظن -وإن آثر بعض المتضررين التغاضي عن خسارتهم المالية- أن الإبلاغ يظل وسيلة لحماية الآخرين مستقبلا.

في المقابل، لا ينبغي أن تقع المسؤولية على عاتق الضحية وحدها، فلا بد من وجود منظومة أكثر أمانا لتنظيم الحجز الإلكتروني، وتيسير سبل التحقق من هوية المعلنين وملكية العقارات وتوفير وسائل دفع أكثر حماية. لكيلا نخسر الثقة في معاملاتنا الرقمية أيضا.

هدى حمد كاتبة عُمانية ومديرة تحرير مجلة «نزوى»