الرياضية

ميسي ورونالدو.. حين اختزل سحر كرة القدم في معركة الأرقام

 

الرباط «أ.ف.ب»: على مدار أكثر من عقدين من الزمن، عاش عشاق كرة القدم تجربة قد لا تتكرر في تاريخ اللعبة، ففي الوقت الذي كانت فيه الملاعب تحتضن موهبتين استثنائيتين غيرتا شكل كرة القدم الحديثة، انشغل العالم بأسره تقريبا بسؤال واحد، من الأفضل، ليونيل ميسي أم كريستيانو رونالدو؟ بدا الأمر في البداية نقاشا رياضيا طبيعيا، فالجماهير اعتادت دائما مقارنة العظماء، والصحافة بنت جزءا من تاريخها على صناعة هذه المناظرات، لكن ما حدث مع ميسي ورونالدو تجاوز حدود الجدل الكروي المعتاد. شيئا فشيئا، تحولت المنافسة بينهما إلى منتج عالمي ضخم، وإلى سوق مفتوحة تدر مليارات الدولارات، حتى بدا أحيانا أن كرة القدم نفسها أصبحت مجرد خلفية لمعركة لا تنتهي حول الأرقام والإحصائيات. خلال هذه السنوات، لم تعد المتعة بالنسبة للكثيرين تكمن في مشاهدة المراوغة أو التمريرة أو اللمسة الساحرة، بل في انتظار تحديث جديد للأرقام، كم هدفا سجل رونالدو وميسي؟ كم تمريرة حاسمة صنعا في المباراة والجولة والموسم؟ من يتقدم في سباق الكرات الذهبية؟ ومن يملك الرقم القياسي التالي؟ هكذا تحولت اللعبة التي طالما احتفت بالخيال والموهبة والجمال إلى ما يشبه سوقا للأسهم، ترتفع فيها قيمة اللاعب أو تنخفض وفق جداول الإحصاء أكثر مما ترتبط بما يقدمه فعليا داخل الملعب، وربما تكمن المشكلة الأساسية في أن المقارنة نفسها لم تكن عادلة منذ البداية. فميسي ورونالدو لم يكونا نسختين مختلفتين من اللاعب ذاته، بل ظاهرتين كرويتين منفصلتين كليا. الأرجنتيني كان أقرب إلى الفنان الذي يرى ما لا يراه الآخرون، لاعب يصنع اللعب بقدر ما يسجل الأهداف، ويعيد تشكيل المباراة بلمسة واحدة أو تمريرة لا تخطر على بال المدافعين، أما البرتغالي فكان مشروعا رياضيا فريدا، جسد قدرة الإنسان على إعادة بناء نفسه باستمرار، محولا موهبته الأولى إلى آلة تهديفية لا تتوقف عن التطور.
ميسي كان ابن مدرسة كروية نشأ داخلها وتطور معها حتى أصبح رمزها الأكبر، أما رونالدو فكان رحالة استثنائيا نجح في فرض نفسه داخل بيئات تكتيكية وثقافية مختلفة، من إنجلترا إلى إسبانيا ثم إيطاليا فالسعودية، ولذلك فإن اختزال الاثنين في عدد الأهداف أو الجوائز الفردية يشبه محاولة مقارنة عالم قضى حياته في مختبر واحد ليفك شفرة الوجود، بقائد عسكري يجوب القارات ليفتح ممالك جديدة، اعتمادا على معيار واحد فقط.
ويزداد هذا التفاوت وضوحا عند الانتقال إلى المنتخبات الوطنية، فميسي حمل قميص منتخب يملك إرثا تاريخيا ضخما، ويدخل كل بطولة كبرى بوصفه مرشحا دائما للمنافسة على اللقب. الأرجنتين لم تكن مجرد منتخب بالنسبة إليه، بل مؤسسة كروية عريقة اعتادت الوقوف على منصات التتويج منذ عقود طويلة. وهنا، يرى المنتصرون لميسي أن الجدل قد حسم بمجرد أن رفع كأس العالم في قطر، فبالنسبة لهم قضي الأمر الذي فيه يستفتي المنشغلون بالإحصائيات والتفاصيل، معلنين تفوق الأرجنتيني المطلق، في انحياز يبدو أحيانا كأنه انتصار لقبيلة برشلونة وامتداداتها أكثر من كونه انتصارا للعبة ذاتها. أما رونالدو فوجد نفسه في مهمة مختلفة كليا. فالبرتغال، رغم تاريخها الغني بالمواهب، لم تكن تملك تقاليد البطولات الكبرى التي تمتلكها القوى الكروية التقليدية. وعندما رفع المنتخب البرتغالي كأس أوروبا عام 2016، كان ذلك أول لقب كبير في تاريخه، بعد سنوات طويلة من المحاولات والإخفاقات، أبرزها السقوط المؤلم في نهائي 2004 أمام اليونان على أرضه وبين جماهيره.
وبينما كان ميسي مطالبا بالحفاظ على إرث تاريخي قائم وتتويجه بالذهب العالمي، كان رونالدو مطالبا بصناعة إرث جديد من الأساس. لكن ما جعل المنافسة بين الرجلين مختلفة عن كل المنافسات السابقة لم يكن ما حدث داخل المستطيل الأخضر فقط، بل ما جرى حوله. لقد اكتشفت الشركات الراعية ووسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي أن سؤال 'من الأفضل؟' أكثر ربحية من أي إجابة ممكنة.
فكل هدف جديد، وكل رقم قياسي، وكل جائزة فردية كانت تعني موجة جديدة من التفاعل والمشاهدات والإعلانات، وهكذا تحولت المقارنة إلى صناعة كاملة، صناعة لا تحتاج إلى حسم الجدل بقدر ما تحتاج إلى استمراره. وفي خضم هذه الآلة الضخمة، تشكلت أيضا صورتان مختلفتان للنجمين. ميسي بدا في كثير من الأحيان لاعبا يفضل الحديث بقدميه أكثر من تصريحاته، بينما قدم رونالدو نفسه كنموذج عالمي للانضباط البدني والثقة بالنفس وإدارة الصورة الشخصية. ولعل اللقطة التي أبعد فيها قنينة مشروب غازي خلال بطولة أوروبا 2020 كانت من أكثر اللحظات دلالة على هذا التناقض. بالنسبة للبعض كانت مجرد حركة عفوية من رياضي يدافع عن نمط حياة صحي، في حين كانت بالنسبة لآخرين لحظة اصطدمت فيها رسالة لاعب مع مصالح اقتصادية عملاقة تستثمر مليارات الدولارات في الرياضة الحديثة. غير أن نظرة أوسع إلى تاريخ اللعبة تكشف أن مشكلة المقارنات المطلقة لا تتعلق بميسي ورونالدو وحدهما، بل بطريقة فهمنا لكرة القدم نفسها. فثمة إجماع واسع بين كثير من المؤرخين واللاعبين السابقين على أن منتخب البرازيل في مونديال 1982 كان واحدا من أعظم المنتخبات التي عرفتها اللعبة على الإطلاق، ذلك الفريق الذي ضم زيكو وسقراطيس وفالكاو وتونينيو سيريزو وإيدر، وأطلق عليه كثيرون لقب منتخب 'الفلاسفة'، لم ينجح في التتويج بكأس العالم رغم ما قدمه من كرة هجومية ساحرة ما تزال تدرس وتستعاد بعد أكثر من أربعة عقود.
ومع ذلك، لم يمنع غياب الكأس ذلك المنتخب من احتلال مكانة أسطورية في ذاكرة كرة القدم، بل إن جيل 'الفلاسفة' ظل في وجدان الجماهير بوصفه أعظم منتخب قدم كرة قدم من عالم آخر ولم يكتب له التتويج بالمونديال. وهي مفارقة صارخة تؤكد أن الجمال والمتعة والتأثير قيم سامية لا تقاس دائما بوجع الأرقام وجفاف الألقاب، فلم تمنحهم لغة الحسابات لقبا، لكن الذاكرة الجماعية منحتهم الخلود. الأمر نفسه ينطبق على أساطير أخرى سبقت عصر الإحصائيات الحديثة. فالذين يخوضون اليوم حروبا افتراضية لا تنتهي على مواقع التواصل الاجتماعي لإثبات أفضلية ميسي أو رونالدو بناء على لغة الأرقام الجافة، ربما لم تتح لهم فرصة مشاهدة دييجو مارادونا في أوج عبقريته الفنية، ولم يسبق لهم أن عاشوا سحر لمساته. مارادونا لم يكن مجرد لاعب كرة قدم، بل كان عرضا فنيا متكاملا بصيغة إنسانية خالصة. حتى فترات الإحماء قبل المباريات كانت تتحول بوجوده إلى مشهد ينتظره الجمهور كما ينتظر المباراة نفسها. كان يكفي المرء أن يراقبه وهو يداعب الكرة ليدرك جوهر اللعبة، حيث كان يروضها ويبقيها معلقة في الهواء لدقائق طويلة مستخدما قدميه وركبتيه وكتفيه ورأسه، كأنها جزء متصل بجسده، وفي كثير من الأحيان بأحذية فكت أربطتها، في لقطات سينمائية ساحرة أصبحت جزءا من الأسطورة ولم تتكرر بالسحر ذاته في ملاعب الكرة إلى يومنا هذا. لم يكن أحد يومها يسأل عن عدد مرات لمس الكرة، أو نسبة التمريرات الصحيحة، أو مؤشرات الأداء الرقمي المتقدمة، كان يكفي أن تراه يعانق الكرة لتدرك أنك أمام عبقرية يصعب اختصارها في جدول أو تسييجها برقم. في عصر باتت تحكمه لغة الأرقام، تبدو محاولة اختصار الساحرة المستديرة في جداول البيانات مجرد ركض خلف السراب. فبينما ينشغل مهندسو الإحصاء بجمع الأهداف وتكديس الأرقام، يمر لاعب بلمسة واحدة يختصر فيها جاذبية اللعبة، يترك خلفه لحظة عبقرية، أو إحساسا دافئا بالجمال يتسلل إلى الذاكرة ويستقر فيها، عصيا على أي آلة حاسبة. وبعد كل تلك السنوات من الحروب الرقمية، يكشف المشهد عن حقيقة غائبة، لعل الخطيئة الكبرى لم تكن في الانحياز لأحدهما، بل في إصرارنا على حشر تلك العظمة في خانة فائز واحد. لم يكن ميسي بحاجة إلى إسقاط رونالدو ليرتقي منصة الأساطير، ولا كان رونالدو بحاجة إلى محو ميسي ليتسيد التاريخ، لقد وقفنا لسنوات أمام دربين متوازيين نحو المجد، مشروعين تخرجت من رحمها مدرستان متناقضتان في فهم كرة القدم، ليمنحا اللعبة حقبة استثنائية، كان أعظم ما فيها أن السردية اتسعت للاثنين معا في الزمان نفسه. ولهذا، قد يكون أكثر ما خسرته كرة القدم خلال عصر ميسي ورونالدو أنها سمحت للأرقام بأن تتحدث أكثر مما ينبغي، حتى كادت تحجب الحقيقة الأجمل. فالعظمة في هذه اللعبة لم تكن يوما مسألة حسابية خالصة، وإلا لما ظل منتخب البرازيل 1982 حاضرا في الذاكرة أكثر من كثير من الأبطال، ولما بقي مارادونا رمزا فنيا يتجاوز حدود الألقاب والإحصائيات. الحقيقة الأجمل ربما ليست معرفة من كان الأفضل، بل إدراك أن كرة القدم كانت دائما أكبر من أي مقارنة، فهي لعبة تتسع للفنان والحالم والهداف والقائد، وتتسع أيضا لأساطير لا يمكن تلخيصها في رقم أو كأس. وكما كانت الأجيال السابقة محظوظة بمشاهدة مارادونا وبيليه ويوهان كرويف، كان هذا الجيل محظوظا بما يكفي ليعيش زمن ميسي ورونالدو معا، لكنه كان ليكون أكثر حكمة لو نظر إليهما بعين المتعة الخالصة.. لا بعين الآلة الحاسبة.