لماذا غيّب الاحتلال "طبيب الفقراء" مازن الرنتيسي؟
السبت / 11 / محرم / 1448 هـ - 20:13 - السبت 27 يونيو 2026 20:13
رام الله - محمـد الرنتيسي
حجم الغضب والتضامن، الذي حفلت به مواقع التواصل الاجتماعي، وحملت في ثناياها التضرع إلى الله -عز وجل- بأن يمنّ بالحرية الفرج القريب على الدكتور مازن الرنتيسي، الذي اعتقلته قوات الاحتلال أخيرًا من منزله بمدينة رام الله، تؤشر بوضوح إلى مدى انحياز الشعب الفلسطيني وانزياحه باتجاه ترسيخ وتعزيز الأواصر والوشائج، وتمتين اللحمة بينه وبين العناصر المؤثرة في مجتمعه.
عبارات التضامن مع الدكتور الرنتيسي، المعروف شعبيًا بـ'طبيب الفقراء' تدفقت كالسيل المنهمر، في حالة التفاف شعبي وجماهيري تم التعبير عنها بالتضامن الواسع معه، والدعوة لإطلاق سراحه فورًا، وهذه الحالة جزء أصيل من قيم وعادات وتقاليد وموروث الفلسطينيين، وهم يواجهون أشرس وأبشع احتلال في التاريخ.
'طبيب الغلابة' الذي لم يغلق يومًا بابه في وجه مريض، ولم يقف عائقًا أمام صاحب حاجة، وصاحب الكشفية الرمزية والقلب الكبير، يُغيّب اليوم خلف قضبان القهر، ولم تعد تقصده القلوب من كل حدب وصوب.
وأثار اعتقال الطبيب الرنتيسي موجة استنكار وتضامن عارمة، لما يمثله من نموذج مهني وإنساني، أمضى سنوات عديدة في تقديم الرعاية الصحية لمختلف شرائح وفئات المجتمع الفلسطيني، وخصوصًا الأكثر احتياجًا من الفقراء، مع استثناء عائلات الشهداء والجرحى والأسرى، من أي التزامات مادية.
ومع انتشار نبأ اعتقاله، غصّت مواقع التواصل الاجتماعي، بشهادات ومواقف إنسانية للدكتور الرنتيسي، إذ استذكر مرضى وناشطون، بعضًا من مواقفه الإنسانية والنبيلة، التي تركت أثرًا ملموسًا في حياة عديد الأسر الفلسطينية.
لما يُغيّب طبيب الفقراء؟
في تاريخ الاستعمار والاحتلالات للشعوب، كثيرًا ما كان يُستخدم اعتقال الشخصيات الفاعلة والمؤثرة، وذات الحضور المجتمعي، كوسيلة للضغط على المجتمع وإرباكه، وإضعاف قدرته على الصمود.
من الأمثلة الدامغة على ذلك، ما أقدمت عليه سلطات الاستعمار الفرنسي خلال احتلالها الجزائر في خمسينيات القرن الماضي، عندما استهدفت الأطباء والمعلمين والنقابيين والشخصيات الاجتماعية المؤثرة في مجتمعها، ليس فقط لقيامهم بنشاط معارض ضد الاحتلال، وإنما لمكانتهم بين الناس، وقدرتهم على التأثير، لا سيما في تعزيز التماسك المجتمعي.
وفق الباحث السياسي طارق شديد، فسياسة الاستعمار هذه تقوم على فكرة قوامها تغييب الشخصيات التي تحظى بالثقة والاحترام في المجتمع، ما قد يخلق حالة من الخوف والارتباك أو الإحباط لدى الشعوب المحتلة، كحال الشعب الفلسطيني الذي يعاني ويلات الاحتلال منذ ما يزيد عن 78 عامًا.
لكن تجارب التاريخي وفق شديد، أثبتت أن اعتقال الأفراد المؤثرين، ليس بالضرورة أن يفضي إلى إخماد القضايا التي يؤمن بها الناس، بل إن مثل هذه الممارسات من شأنها أن تزيد من الالتفاف الشعبي حول هذه الشخصيات، مضيفًا: 'هذا ما جرى بالفعل مع الدكتور مازن الرنتيسي، المعروف بخدمته للفقراء والمرضى أصحاب الدخل المحدود، وهذا الاعتقال الجائر لن يلغي القيم التي يحملها الطبيب الرنتيسي، أو الدور الذي يؤديه تجاه أبناء شعبه، ولن يزيد الشعب الفلسطيني إلا مزيدًا من التمسك بحقوقه، مهما تعرض للضغوط'.
والطبيب الرنتيسي، شخصية استثنائية كما تقول لميس فراج، فهو طبيب الفقراء وصديق الناس، ولا يعالج المرضى فقط، بل ينشر الطمأنينة والسكينة على كل مراجعيه، وهنالك أشخاص لا يذهبون إليه للعلاج، وإنما للشعور بأن هناك من يهتم بهم، ويشعر معهم، مضيفة: 'كشفية الأطباء في رام الله معروفة (100) شيكل (أكثر من 300 دولار) والدكتور الرنتيسي كشفيته لا تتجاوز الـ(40) شيكل (أقل من 15 دولارًا) وكثيرون يعفيهم من أية مبالغ ويعالجهم دون مقابل.
نمط تاريخي للاستعمار
واعتقال الدكتور الرنتيسي، يندرج ضمن نمط استعماري تاريخي شهدته شعوب عدة تحت الاحتلال، حيث تُستهدف الشخصيات ذات الأثر الإيجابي والإنساني، لما تمثله من مصدر أمل وثقة للمجتمع، لكن بما أن الحرية حق لكل إنسان، فهذه الممارسات القمعية، لن توقف مسيرة البناء والصمود، التي يعتصم بها الشعب الفلسطيني، كما يقول نشطاء فلسطينيون، رأوا باعتقال 'طبيب الفقراء' إصرار من قبل كيان الاحتلال على مطاردة كل شرائح المجتمع الفلسطيني، وملاحقتهم، مستخدمًا أبشع وأكثر الأسلحة فتكًا وتغولًا.
يقول مصطفى خلف: 'عندما ترى الناس بمختلف شرائهم وتموجاتهم السياسية، يتضرعون إلى الله عز وجل، بأن يمنّ على الدكتور الرنتيسي بالحرية والفرج، فلأنه خدم مجتمعه بمهنيته، التي لم يخرجها عن سياقها الإنساني طمعًا في مال أو منصب، مشددًا على أن الطبيب الرنتيسي 'يعكس في المجتمع الفلسطيني، صورة توليستوي روسيا، ومجدي يعقوب مصر، وموصلي بغداد'.
وأضاف: 'في أشد الظروف حلكة، كان الدكتور الرنتيسي يغلق عيادته، ويخرج مع مجموعة من الأطباء، يطوفون القرى والأرياف الفلسطينية، التي تتعرض لاعتداءات المستوطنين، يعالجون الفقراء، ويقدمون لهم الأدوية، دون مقابل'.
أما الإعلامية الفلسطينية شروق أسعد، فتساءلت: 'ماذا يريد جنود مدججون بالسلاح من طبيب في العقد السادس من عمره، وكل ما يفعله التخفيف من ألم الناس'؟.. لافتة إلى أن كيان الاحتلال اعتقل 360 طبيبًا وكادرًا صحيًا فلسطينيًا، منذ العدوان على غزة في أكتوبر 2023، وما زال 82 منهم رهن الاعتقال.
وتروي فاتن فرحات ما شاهدته خلال اعتقال (جارها) الدكتور الرنتيسي: 'سمعنا هديرًا عاليًا للآليات العسكرية الإسرائيلية، وكانت رتلًا كاملًا، وطننا في بادىء الأمر أنه اجتياح إسرائيلي للمدينة، لنكتشف لاحقًا أن الهدف اعتقال طبيب في الستين من عمره، وقد كرّس حياته خدمة للفقراء، ولكل من يحتاج للعلاج'.
الطبيب الإنسان
يروي أمير داود، ما حدث بينه وبين الطبيب الرنتيسي، عندما ذهب إليه خائفًا مرتعدًا، تائهًا ومرتبكًا، بسبب وعكة صحية مفاجئة رافقها أعراض غامضة، فيقول: 'يومها شاهدته وقد كتب بضع كلمات على ورقة، وقال لي: عرفت ما بك، لكن قبل أن أخبرك مما تشكو، دعني أفحصك.. ذهبت معه إلى غرفة الفحص، فقال لي: 'ما فيك شي'.. فخرجت يومها من عيادته محتفلًا بالحياة، وكأني ولدت من جديد'.
ويضيف: 'غالبًا ما ينهي علاجه للمرضى بعبارة 'ألف سلامة عليك' ليرد الروح للمرضى الخائفين واللائذين.. هذا الطبيب يعطيك العلاج بنظرة تعطي الأمل، أو ابتسامة تبعث على الطمأنينة'.
وباحت نجلاء زيتون: 'أستذكر كلامه لي: 'القولون لا يأتينا من الأشياء التي نأكلها، بل من الأوهام العالقة في أذهاننا وتأكلنا، وعلينا أن نأكل كل الأفكار التي تجعلنا نضعف'.
وتواصل: 'سألته ذات مرة، لماذا لا ترفع سعر الكشفية التي ظلت على حالها رغم كل موجات الغلاء التي ضربت المجتمع الفلسطيني، فأجاب: 'لأني طبيب لازم أطيّب الناس مش أوجعهم'.
ومثل هذه القيم النبيلة والأصيلة التي يتحلى بها الطبيب الرنتيسي، هي وحدها التي من شأنها أن تُخفف من وطأة المرض، وألم الجسد، فرجل كحاله يصرّ على الاحتفاظ بإرث الآباء والأجداد، حتمًا سينال مبتغاه، وسيعانق الحرية والانعتاق من قيود السجان، الذي أخذ يلاحق خيرة أبناء شعبه بانفلاته وجنونه، وربما تنال زنازين القهر من جسده، لكنها حتمًا لن تثنيه عن مواصلة رسالته الإنسانية السامية.