أعمدة

في السفر والقروض والهوان

ما إن يُطلّ الصيف برأسه، وينطلق موسم الإجازات، حتى تُعلن الأُسر، غنيُّها وفقيرُها، حالة الاستنفار السنوي، وإعداد العُدة للسفر، وكأن إنجاز هذه المهمة فرضٌ على المسلم لا مناص من القيام به.

يقترب شهر يوليو، فينشط الجميع، «العاني والمستعني»، في تداول منشورات العروض وأسعار التذاكر، وأفضل المكاتب التي تقدم التخفيضات. الكل يطرح وجهة نظره حول أفضل الفنادق، ونوعية المعيشة، وطبيعة تعامل الناس وأخلاقهم، ومن باب «التمديحة» يفتي البعض حول الاستفسارات بشأن أمن تلك المدن وما لها وما عليها.

تزدحم مجموعات الجارات بأحاديث السفر، دون اكتراث المقتدرات منهن بوجود من لا يملك أزواجهن حتى مجرد التفكير في التحليق بسبب أحوالهم المادية المتردية، ولا يتذكرن أنهن بذلك يؤذين مشاعر قليلات الحيلة، ويسمحن بتمرير الإحباط والغيرة إلى صدورهن.

ينطلق الصيف بصخبه، فيتسرب التوتر إلى داخل البيوت التي لا تعرف السفر. رجل يضع أفراد أسرته أمام أحواله المادية والتزاماته وعجز ميزانيته الذي لا يتراجع، وزوجة حانقة متمردة، واقعة تحت تأثير ما يُتداول في الجلسات، وما تقرأه وتشاهده، وما تعج به «حالات» هواتف الصديقات النقالة من صور وفيديوهات تم التقاطها في شرق آسيا أو تركيا أو البوسنة وأماكن أخرى بعيدة.

ولأن الحل الوسط والواقعي، الذي قد يأخذ الأسرة إلى وجهة سياحية داخلية، ويتيح لها فرصة التغيير والاستجمام غير المُكلف، لا يلقى قبولًا جيدًا بحجة التكرار.

يرضخ الرجل أمام ضغط الجميع، ويلجأ إلى حلال العقد «البنك»، فيضيف إلى قرضه مبلغًا جديدًا، أما ما يخص زيادة القسط والفوائد وتناسل سنوات التسديد والأزمات التي ستواجهه حتمًا، فلا أحد يتذكرها حينها، من باب: لكل حادث حديث.

لكن الحادث والحديث عنه لن يتأخرا كثيرًا، فبعد أقل من أسبوعين يدخل الرجل نفق أزمته الأولى، بعدم وجود تمويل يفي بمتطلبات بقية الشهر، ويتبعه الاقتطاع الأكبر من الراتب، لتتوالى بذلك الأزمات، ويتعمق الشعور بالضعف والهوان، وتبدأ رحلة طلب المعونة من هذا وذاك.

يشرع في تصدير رسائل الإنقاذ بهدف تسديد مبالغ الإيجار وفواتير الكهرباء والماء، رسائل صيغت بلغة استعطاف ومسكنة، ويتواصل مع لجان الزكاة، ويتهرب من تسديد المستحقات لمحلات البقالة والحلاقين وأصحاب الكراجات وناقلات المياه، ويتوارى عن الناس، ويخرج من أزمة نفسية معقدة ليدخل في أزمة جديدة أكثر تعقيدًا.

النقطة الأخيرة..

«يقولون إن السفر يوسع العقل، لكن يجب أن يكون لديك عقل».

جيلبرت ك. تشيسترتون.

عُمر العبري كاتب عُماني