زيارة للشيخة نضيرة الريامية.. وفاء بعد الوفاة
السبت / 11 / محرم / 1448 هـ - 19:30 - السبت 27 يونيو 2026 19:30
محمد بن سليمان الحضرمي
كلما مررت على بيت الشيخة الفقيهة: نَضِيرة بنت العَبْد بن سُرُور الرِّيامية (حيَّة في عام 1920م)، بحارة مَعْمَد - مَنَح، تلهَّفَت نفسي للكتابة عنها، وكلما سألتُ أحفادها المتبقين على قيد الحياة، تأتيني معلومات عنها، أنَّ جدتهم وُلِدَت في نزوى، حتى شاءت الأقدار أن تتزوج في مَنَح، والسُّمعة العِلمية التي تركتها الشيخة «نضيرة»، تحلِّق في آفاق القرية، واسمها يتردد على ألسنة الناس، رغم أني لم أعثر لها على فُتْيا باسمها، أو منظومة شعرية كتَبَتْها، أو كتابا ألَّفته، أو مخطوطة خلَّفته أو أوقَفَتْه، فتراثها الثقافي اختفى، وليس بأيدينا دليل مادي له حتى الآن، ولم تذكُرْها كتب التراث الفقهي، التي ظهرت في تلك الفترة، ولم يبق منها إلا صيتها، يُحلِّق في آفاق الذكرى، وترَسَّخَ صيتها أكثر، بعد أن سمَّت وزارة «التعليم»، إحدى مدارس البنات الثانوية بمنح باسمها، وهي: «مدرسة الشيخة نضيرة الرَّيامية».
وفي كل مرة أكون قريبًا من أطلال منزلها، داخل الحارة القديمة بمَعْمَد، أتذكرُ أخبارًا سمعتها عنها، تكون فيه الشيخة نضيرة عنوان الخبر، فمنها أنها كانت ضمن الحضور، في لقاءٍ بالشيخ نورالدين السالمي، في «مسجد العَيْن»، داخل حارة البلاد الأثرية، وأنها استفته في مسائل فقهية، وأشهر ما يُذكَر عنها، أنَّ الإمام سالم بن راشد الخروصي (ت: 1920م)، أقام مع عسكره، في قرية مَعْمَد ليوم واحد، في رحلته الأخيرة إلى الشرقية، قبل يوم من وصوله إلى قرية «خضراء بني دفاع»، في تلك الأثناء زار الامام القرية، واستقبلته بمنظومة شِعرية، ويُروى أنها قدَّمت للإمام مبلغًا من المال: (300 قرش)، لتعزيز بيت مال المسلمين، ويُروى أنها رثته بقصيدة، بعد أن وصلها خبر اغتياله المفجع، وأنَّ للشيخة نضيرة منظومات في الفقه، ومكتبة كبيرة، أهملها الورثة بعد وفاتها.
وفي ذاكرتي صورة لورقات مهترئة، وجدتها مضمومة في شق جدار بيت الشيخة نضيرة، حيث كان بيتنا مجاورًا لبيتها، وفيما كنت قريبًا من جدار بيتها، رأيت حزمة ورق، مخبأة في أحد شقوق الجدران الخارجية، فانتزعتها من مكانها، وقرأت بعضًا من أبيات تلك المنظومة، كانت أرجوزة في الفقه، ولا أدري هل هي من تأليفها، أم ورقات تطايرت، من مخطوط نظمي قديم!
لكن لو بحثنا عن تراث الشيخة نضيرة فأين نجده؟، تراثها العِلمي ما يزال مجهولًا، وبقي تراثها المادي، البيت الذي كانت تسكنه، يتألف من دورين، داخل الحارة القديمة، مجاورًا لمسجد «الشَّجَرَة»، كما أسهمت في بناء «مجازة» اغتسال، حوض مغلق في ساقية الفلج، للاستحمام والتطهُّر، وأنفقت على بناء مُصلَّى للنساء، وأعيد بناؤهما بالإسمنت، وبناء مدرسة لتعليم القرآن الكريم، مجاورة لبيتها، ولا يذكر الأهالي أنَّ لها وَقفًا عِلميًا، حيث لم توقف مكتبتها لطلبة العلم، أما الصِّيت الذي تركته الشيخة نضيرة بعد وفاتها، فيؤكد مكانتها الثقافية داخل القرية خلال تلك الفترة، ولكنها نُكبَتْ في تراثها العلمي الذي ضاع.
إنَّ ظهور الشيخة نضيرة الرِّيامية، خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وعقدين من القرن العشرين، يسلط الضوء على تلك المرحلة، التي عاشت فيها مدن الداخل العُماني، وبالأخص نَزوَى ومَنَح، فقد ولدت الشيخة نضيرة في نزوى، وعاشت فيها حتى زواجها، وهذا يؤكد أن تكوينها الثقافي، تشكل في بداياته فيها، قبل ظهور فترة حكم الامام سالم بن راشد الخروصي، فكيف أتيح لها أن تتعلم في مجتمع، قلما تنشغل فيه الفتيات بالعِلم؟، وهل كان لها معلم، مثلما كان لغيرها من الفقهاء، الذين ظهروا في تلك الفترة؟
البحث عن الحياة الثقافية، بين منتصف القرنين، التاسع عشر والقرن العشرين، يكشف لنا عن أسماء مُثقَّفة، ظهرت في تلك الفترة، ففي نزوى ظهر المعلم: حامد بن ناصر بن وَجَدْ الشكيلي، (توفي في نزوى عام 1945م)، وهو أستاذ كبير في علم النحو، وتخرَّج على يديه الكثير من طلبة العلم، الذين أصبحوا من القضاة والفقهاء بعد ذلك، وفي قرية «فَرْق» ظهر الأديب الشاعر: المر بن سالم الحضرمي (ت: 1917م)، صاحب «قصيدة التوبة»: (عَظِيمُ الذَّنبِ يَغفِرُهُ العَظِيمُ).
وفي مَنَح ظهر الشيخ الفقيه: محمد بن مسعود البوسعيدي (ت: 1902م)، وكان لكل من هؤلاء مجالس عِلم وتلامذة وكتبة، وشهدت مجالس بيوتهم، والمساجد التي تجاورها حلقاتهم التعليمية، وفيها نُسِخت كتب الأوائل، وكانت تلك الفترة خصبة بالمؤلفات والكتب، وامتدادًا للفترات السابقة، التي نَشَطت فيها حركة النَّسخ والتأليف، وازدهرت فيها العلوم الإنسانية، وكثرت التصنيفات والمؤلفات، وأصبح الناسُ يتوارثونها جيلًا بعد جيل، حتى يكاد لا تخلو البيوت والمساجد، ومدارس تعليم القرآن، من مخطوط قرآني، أو كتاب في النحو أو الفقه، وغيرها من العلوم.
ولعل الشَّيخة نَضِيرة، لم تتعلَّم على يد معلم نحوي أو فقيه، لعلها درست في طفولتها، على يد معلمة القرآن، وكانت في تلك الفترة، تكثر معلمات القرآن، وفي الغالب كانت مهنة بين النساء القارئات، فظهرت معلمات القرآن داخل القرى، وظهر من بينهن من يشتغل بنَسْخ الكتب، فلعل الشيخة نضيرة درست على يد إحداهن، ومارست مهنة التعليم في شبابها، بعد الانتقال للحياة الزوجية، وكانت الكتب متوفرة في مكتبتها المنزلية، وهو الذي أهَّلها أن تتلقى العلم بذاتِها، وتثقف نفسها بنفسها، وتقرأ في تلك الكتب، مأخوذة نحوه بشَغَف ورغبة.
ومما لا شك فيه، أنَّ الفترة التي ظهرت فيها الشيخة نضيرة، كانت مدرسة الإمام نورالدين السالمي (ت: 1914م)، تفتَحُ أبوابها لطلبة العلم، بين من يستفتيه مباشرة، حين يكون في نزوى، ولقاءاته بطلاب العِلم فيها، وبين من يحصل على نسخة من أحد كتبه، فقد كانت كتُب الشيخ السالمي تُنسَخ باستمرار، وحُظيت بتوفيق الله على القبول من عامة الناس، وما زِلتُ ساعيًا في البحث، عن شيء من تراث هذه الفقيهة، وبالأخص في المخطوطات القديمة، فهي معروفة بكتابة المَناظيم الفِقهية، والقصائد الشعرية.
إنَّ الشيخة نضيرة الرِّيامية، أنموذج للمرأة المثقفة العِصاميَّة، عاشت حياتها من أجل العلم، وإن كان إرثها العلمي قد نُكِبَ بالضَّياع، وامتدَّت الأيادي إلى مخطوطاتها، فإنَّ المدرسة التي تحمل اسمها، وهي من أكبر المدارس في مَنَح، انتصارٌ لها وتخليد لذكراها، وفي الجيل المتخرِّج من بنات مَنَح الخير والبركة، فهُنَّ امتداد للشيخة نضيرة، وهُنُّ في مقام تلميذاتها النجيبات، يحملن في حقائبهن العِلم، ذلك النور الذي التمع، داخل منزل الشيخة نضيرة الرِّيامية ذات يوم، قبل قرن من الزمان، في الحارة القديمة بمَعْمَد، ليصبح مدرسة تخرِّج الأجيال.
وكلما مررت على بيت الشيخة نضيرة، أُلقِي نظرةً على أطلال منزلها القديم، يلوحُ لي خيالها، يتردد بين جنباته، وهي تحمل مَخطوطًا أو تبحث عن قلم ودواة، لتكتب به منظومة، وكأني أرى طيف ابنتها «شمساء»، وهي تساعد أمها في ترتيب مكتبتها، وأرى أحفادها جيلًا بعد آخر، ثم أرى الشيخة تتوارى خلف أستار الغيب، ويبقى اسمها نَضِرًا بين الأسماء، كأغصان شجرة مُعمِّرة، تردده الألسن بجلال ووقار، كما تُرَدد سيرتها العَطِرة، وتتحدث عن فقيهة الحارة القديمة، ومعلمتها الأولى، وما يزال أديم الأرض، يحمل ذكرى خَطواتِها، في فناء الدار.