"الإمبريالية والاستشراق" رؤية نقدية
السبت / 11 / محرم / 1448 هـ - 19:26 - السبت 27 يونيو 2026 19:26
إيهاب الملاح
(1)
ينتمي هذا الكتاب الصادر عن دار المعارف بالقاهرة؛ إلى دائرة الكتب التاريخية المعنية بتحليل تيارات الفكر والاتجاهات المعرفية المرتبطة بالسياسة والاقتصاد والهيمنة والنفوذ.
الكتاب عنوانه «في مرايا الإمبريالية والاستشراق»، وبعنوان فرعي (رؤى غربية للعالم الإسلامي) للمؤرخ القدير والأكاديمي المرموق الأستاذ الدكتور أحمد زكريا الشلق أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر، وأحد القلائل الذين وجهوا قسما من جهودهم البحثية لتاريخ الخليج العربي، وتشكلاته السياسية وتكويناته الاجتماعية، وله في ذلك عدد من الكتب المهمة والمرجعية في آن.
والدكتور أحمد زكريا الشلق، غني عن التعريف، فهو واحد من مؤرخينا 'المثقفين' الكبار، أصحاب القدرة الأسلوبية الممتازة والسلاسة والبساطة في العرض دون أن يتخلى عن ضوابط الكتابة التاريخية، ولا مقتضياتها من التوثيق والضبط، وكما لا تخلو من متعة واكتشافات رائعة فيما يتصل بالموضوع الذي يكتب عنه أو الشخصية التي يعالجها أو الكتاب/ الكتب التي يستعين بها أو يرجع إليها في كتابة هذا الفصل أو ذاك..
تنتمي كتابات الدكتور الشلق إلى هذه الدائرة التي يسعد القارئُ فعلًا بالتجوال الحر في رياضها، وقطف زهراتٍ رائقات، يتنسم منها رحيق المعرفة الوافرة والمنهجية المنضبطة، والسلاسة الأسلوبية، بمسحة جمال أدبية لا تخفى على ذي ذوق وذائقة.
ومن المهم الإشارة إلى أن هذه الطبعة الجديدة المزيدة من الكتاب، تتميز عن سابقاتها بفصول وإضافات قيمة تكاد تصل به إلى اعتباره 'مؤلفًا جديدًا' عن ظهوره الأول قبل ما يقرب من عشر سنوات كاملة..
(2)
يحدد المؤلف بدقة هدفه من الكتاب؛ ففصوله لا تعالج التطور التاريخي البحت لظاهرتي 'الإمبريالية' و'الاستشراق'، وإن كان يتعرض إليهما بحسب ما يقتضيه السياق، ولكنه يقدم جهده المختلف في تقديم قراءات جديدة للموضوع، بقصد مزيدٍ من الفهم لصور الإسلام والمسلمين في أعين (الآخر/ الغربي)، وكيف تطورت في أعين الساسة 'الإمبرياليين' والمثقفين 'المستشرقين' الغربيين، من خلال تقديم نماذج جديدة، بعضها يرجع إلى أوائل القرن التاسع عشر، زمن الإمبراطوريات الإمبريالية الكبرى، وبعضها إلى نهاية القرن العشرين، زمن فرض النفوذ والهيمنة الغربية والأمريكية بأساليب وطرق جديدة..
كما يحاول الكتاب أن يثير مسألة العلاقة بين النزعة 'الإمبريالية' والنشاط 'الاستشراقي'. وكما سبق وأشرنا أعلاه، فإن هذه الطبعة المنقحة تتميز بإضافة ثلاثة فصول جديدة؛ هي الفصول: الخامس والسابع والتاسع، فضلًا عن تنقيح بعض الصياغات، وتصويب بعض الكلمات.
بذرة هذا الكتاب تكونت وتشكلت من القراءات والدراسات والمراجعات التي تميز الدكتور زكريا الشلق بتحريرها على مدى ثلاثة عقود تقريبا، وبخاصة للكتب المحررة أو 'المترجمة' أو التي مثَّلت قيمة تاريخية خاصة في مدونة أعمال التاريخ العربي الحديث والمعاصر.
فالدكتور الشلق لا يكتفي بعرض للكتاب وأفكاره كما جرَت العادة، ولكنه يتفنن في تخطيط ما يمكن تسميته القراءة النقدية التحليلية التي تصل الكتاب بغيره من الكتب والدراسات في حقلٍ معرفي بذاته، كما يصل الدكتور الشلق الخطوط على استقامتها لتنتظم هذه القراءات في سلكٍ واحد خاضعٍ لرؤية محددة وإطار منضبط، تشكِّل -في النهاية- تصورًا كاملًا للموضوع الذي يشغله أو القضية التي يتحرى دراستها و'التأريخ' لها.
(3)
ومن المهم هنا عرض تصور المؤلف لمفهومي 'الإمبريالية' و'الاستشراق' في سياق حديثه عنهما، خاصة وأن المصطلح الأخير موضوع دراسات عديدة في الشرق والغرب، تزايدت منذ وضع إدوارد سعيد، المفكر والناقد الأمريكي من أصل فلسطيني، كتابه الخطير «الاستشراق، المفاهيم الغربية للشرق» عام 1978.
وفيما يتعلق بمصطلح 'الإمبريالية' يعود المؤلف إلى الجذر اللغوي فهو مشتق من كلمة 'إمبراطورية' Empire التي تعني تأسيس إدارة إمبراطورية قائمة على الغزو والتوسع في مختلف المجالات خاصة الصناعية والتجارية، وذلك بسلوك 'إمبريالي'، ومن هنا ظهر مصطلح 'النزعة الإمبريالية' Imperialism الذي قد يترادف مع مصطلح 'الاستعمار' Colonialisation أو النزعة الاستعمارية Colonialism، حسب السياق.
وعلى هذا فمعظم الموسوعات العامة، ودوائر المعارف المتخصصة، تربط بين 'الإمبريالية' و'الاستعمار'، وتفيد بأن المصطلح الأول يعني حرفيًا 'نزعة تكوين إمبراطورية' Empir-ism فهي مظهر من مظاهر المجد والسيادة لدى الدول الكبرى لبسط نفوذها المادي والأدبي على الدول الصغرى، خاصة في آسيا وإفريقيا واستراليا وأمريكا اللاتينية، وبذلك تعد قوة استعمارية تسعى للسيطرة السياسية والاقتصادية على المستعمرات، وتأسيس سلطة سياسية رسمية من جانب الدول الكبرى تخضعها لها ولنمط حياتها. والمؤلف لا يغفل أن هذه الظاهرة قديمة قدم التاريخ، ونشوء إمبراطوريات استعمارية منذ العصور القديمة، وأنها استمرت حتى تشييد الإمبراطوريات الجديدة في العصر الحديث.
أما استخدام المصطلح فيعود إلى ستينيات القرن التاسع عشر، بالإشارة إلى الطموحات العسكرية والسياسية لنابليون الثالث في فرنسا، ثم اُستخدم لوصف تنافس القوى العظمي بشكلٍ عام، بما في ذلك المنافسة العسكرية والسيطرة على المستعمرات في إفريقيا وآسيا.
وقد اطَّرد استخدام المصطلح في الوقت الحالي، بحيث يكاد يقتصر على الإشارة إلى 'الهيمنة الاستعمارية' التي تمارسها الدول الأكثر تقدمًا، ومن هنا أصبح مرادفًا للاستعمار، فهذه النزعة 'الإمبريالية' تتحقق بوسيلة الاستعمار، سواء بالقوة أو فرض الحماية أو بالعلاقات السياسية والاقتصادية من خلال المعاهدات والاتفاقيات.
(4)
أما مصطلح 'الاستشراق' فإنه يستدعي على الفور كتاب إدوارد سعيد الشهير عن الاستشراق (1978) الذي يلخص معناه العنوان الفرعي للكتاب، وهو 'المفاهيم الغربية للشرق'، ويمكن لنا كقراء أن نضع تفسيرات وتوضيحات تنصب كلها حول موضوع الاهتمام الغربي بدراسة الشرق، وفهمه، والتعامل معه.. إلخ.
ذلك الاهتمام الذي تزايد على نحو كبير منذ نهاية القرن الثامن عشر مع بدايات الاختراق الإنجليزي-الفرنسي للشرق العربي، والذي تُعزى إليه أهمية كبيرة في تطور 'الاستشراق'، حين أصبحت لأوروبا المسيحية أسباب تجبرها على الاهتمام بلغات وثقافة الشرق الأوسط، إلى جانب الجاذبية الواضحة لحضارة أقدم وأكثر ثراء، وربما الخطر الأكثر وضوحًا لعدو قوي غازٍ.
ومن هنا كان هناك نداء الدين، بالنسبة لمسيحي يوجد 'قلب' دينه في 'الأماكن المقدسة' تحت حكم المسلمين منذ القرن السابع الميلادي، فكتابه المقدس وعقيدته معظمها مكتوب بلغات الشرق الأوسط.
وكلمة 'الشرق' The Orient التي تعني حرفيا 'شروق الشمس' تعني كذلك ما يقع مباشرة إلى الشرق من أوروبا. ولفترة طويلة كانت كلمات 'شرق' Orient و'شرقي' Oriental تعني العالم الإسلامي. وذلك في الاستخدام الأوروبي الغربي.
أما كلمة 'المشرق' Levant وهي معنى آخر لشروق الشمس، فكانت أقل استخداما وأكثر تقييدا. وحتى أواخر القرن التاسع عشر عندما كان الدبلوماسيون يتكلمون عن 'المسألة الشرقية' كانوا يعرفون أنهم يتحدثون عن الإمبراطورية العثمانية، وليس عن الهند واليابان والصين.
ومصطلح 'مستشرق' عند بدء استخدامه، لم يكن غامضًا، مثلما حدث له بعد ذلك، عندما وجد المستشرقون أنه لم يعد كافيًا، وأنه صار غامضًا فيما يتعلق بكل من المنطقة والفترة.
ولم يعد 'الشرق' هو الشرق الأوسط في الفترة الإسلامية، وصار منطقة أوسع في فترة أطول، بل صارت كلمتا 'شرق' و'شرقي' في الاستخدام الأمريكي، لا الأوروبي، تنسحبان على الشرق الأقصى فحسب..
ولم تعد دراسات اللاهوت والفلسفة هي مجال الاستشراق الوحيد كما كان في الماضي، وإنما اتسعت المجالات والمساحات وفترات الدراسة، مما جعل المصطلح غير كافٍ وملتبس، ولعل هذا ما دعا مؤتمر المستشرقين الذي عقد في باريس عام 1973 (بمناسبة الذكري المئوية لأول مؤتمر لهم عام 1873) إلى إلغاء مصطلح 'مستشرق' واستبدال مصطلح 'العلوم الإنسانية'، مع إشارة خاصة إلى آسيا وشمال إفريقيا بمصطلحي 'الاستشراق' و'الدراسات الشرقية'.