أعمدة

حان وقت تصوير زنجبار!

في ديسمبر من عام 2009 كتب الصديق زاهر المحروقي في جريدة الشبيبة أنه «حان وقت الحديث عن زنجبار»، وهو بهذا العنوان لمقاله كان ينتقد ضمنيا سكوت الكتاب والمؤرخين العمانيين عن توثيق حقبة مهمة في التاريخ العماني هي فترة الوجود في شرق أفريقيا الذي انتهى بما حدث في يناير الأسود من عام 1964. كان المحروقي يعلق على صدور بعض الكتب التي ظهرت على استحياء لتعيد فتح هذا الملف، وفي مقدمتها الكتاب المهم لناصر بن عبدالله الريامي «زنجبار: شخصيات وأحداث»، الذي مثل حافزًا لظهور عدة كتب أخرى بعده. منذ ذلك المقال المبكر بدا زاهر المحروقي مسكونًا بزنجبار وما حولها، ناظرًا إليها على أنها امتدادٌ طبيعي لعُمان، مذكرًا من مقال إلى آخر بحكاية العمانيين هناك، وما شيدوه من معالم، وما حققوه من إنجازات، لكنَّ حزنًا ما كان يظهر من بين السطور، حزن من وصل متأخرًا، فوجد البيوت مهدمة، والتراث مسروقا، والقبور لا شواهد عليها تحكي عن ساكنيها، هذا عدا موت الكثير من الشهود على حكايتنا هناك.

وإن كان من خيط ناظم لمقالات زاهر عن شرق أفريقيا فهو الدفاع عن الذاكرة العمانية من النسيان ومن التشويه في الوقت نفسه، إضافة إلى جرعة غير قليلة من نقد ذاتي تطرح تساؤلات ممضة من قبيل: ماذا فعلنا نحن، أبناء هذا التاريخ، لكي نرويه كما ينبغي؟ ولماذا تركنا غيرنا يكتبون عن العمانيين في زنجبار من زاوية واحدة؟ ولماذا بقيت الوثائق والمخطوطات والقبور والبيوت والقصور والمساجد في حاجة إلى من يمد إليها يده، ولو متأخرا، قبل أن يبتلعها الإهمال؟

من هنا يمكن فهم ذلك التحول الجميل في تجربة زاهر المحروقي خلال السنتين الأخيرتين. فقد انتقل من مقال الصحيفة إلى ما يمكن أن أسميه «مقال اليوتيوب»؛ أي المقال الذي يمشي على قدميه، ويحمل الكاميرا، ويقف أمام الحجر أو المَعْلَم، ويقرأ النقوش، وينصت إلى المرشدين، ثم يصحح لهم إذا لزم الأمر (نعم، يصحح للمرشدين معلوماتهم، وليس في ذلك أي مبالغة)، ويصل الماضي بالحاضر في دقائق قليلة.

بدأ هذا التحول في ديسمبر من عام 2024 حين ذهب زاهر إلى زنجبار في رحلة استغرقت عشرة أيام، بصحبة صديقه سيف المحروقي، رئيس تحرير جريدة عُمان السابق، الذي لا يقل عنه اهتماما بهذا التاريخ، والذي تولى عملية التصوير والمونتاج كما يفعل مخرج متمكن.

وقد كانت رحلة ناجحة بامتياز، إذ خرجا منها بسلسلة طويلة من الفيديوهات، تجاوزت الثلاثين، وغطت طيفا واسعا مما استطاعا الوصول إليه من آثار ومعالم وشخصيات. وهي فيديوهات لم تكتفِ بالمرور السريع على أسماء المعالم، وإنما سعت لتقديم لمحة تاريخية عنها لمن لا يعرفها. فتجول بنا زاهر صوتًا وصورة في المدينة الحجرية والبيت الذي سكنه التاجر الألماني رودولف هاينريش رويته، الذي سيتزوج بعد ذلك السيدة سالمة بنت سعيد، وأخذنا إلى «بيت العجائب» الذي بناه السلطان برغش بن سعيد عام 1883 وكان من أوائل المباني في شرق أفريقيا التي دخلتها الكهرباء، وسرد لنا حكاية بيت المتوني، القصر الأول للسيد سعيد بن سلطان، ومسجد الشيخ ناصر بن أبي نبهان الخروصي وقبره القريب من القصر، وغيرها من المعالم التي ظهرت تباعا من فيديو إلى آخر.

ورغم أن مقالات المحروقي كانت متابعة كثيرًا، إلا أن المدهش أن مشاهدات الفيديوهات كانت أكثر بكثير، وصار لها صدى كبير، إلى درجة أن ظنه البعض قاطنًا هناك، ولا أنسى أن صديقي سعيد الحاتمي تحمّس لِمَا رآه في إنستجرام من آثار عمانية في أفريقيا فاقترح عليَّ أن نزور زاهر في زنجبار، ونقيم لديه فترة من الوقت، واندهش عندما أخبرته أن الرجل مثلنا يتابع صدى فيديوهاته من مسقط!

بعد زنجبار جاءت الرحلة الثانية التي عاد منها زاهر ورفيق سفره سيف الأسبوع الماضي. عشرة أيام أخرى قضياها هذه المرة في ممباسا وماليندي وجزيرة لامو، ورجعا منها بـــ26 تقريرًا مصوّرًا. هناك، في ممباسا، توقف المحروقي عند قلعة يسوع، التي أصبحت في الذاكرة العمانية رمزا لتحرير الساحل في عهد اليعاربة من السيطرة البرتغالية، وتتبع قبر السيد خالد بن برغش، السلطان الذي ارتبط اسمه بتلك المواجهة القصيرة العنيفة مع بريطانيا عام 1896، والتي عُرِفتْ بأقصر حرب في التاريخ، ثم انتهى به المطاف منفيا واحدًا وثلاثين عامًا، توزعت بين دار السلام وسانت هيلانة وسيشل، قبل أن يقضي آخر خمس سنوات من حياته في ممباسا حتى وفاته عام 1927. هذا عدا التقارير المصورة التي قدمها زاهر من ماليندي، فوثق متحفها الذي كان في الأصل بيتا للوالي العماني هناك، وقدم تقريرا عن النصب التذكاري المرتبط بالرواية الشائعة عن لقاء البحّار العماني أحمد بن ماجد بفاسكو دي غاما، وانطلاق الرحلة من ماليندي نحو الهند، وهي رواية لا تزال موضع أخذ ورد بين المؤرخين. وفي جزيرة لامو خرج بتقارير مهمة عن متحفها الذي يحفظ سيرة أحد ولاتها العمانيين في عهد السلطان علي بن سعيد بن سلطان، وأبوابها التاريخية التي ما زالت تنطق بالأثر العماني العربي، ومسجد بواني، أحد أقدم المساجد في شرق أفريقيا.

وهكذا، فإنه بالشغف وحده أنجز زاهر المحروقي وزميله ما يقع إنجازه في العادة على عاتق مؤسسات بكامل طواقمها. وأنا لا أبخس هنا هذه المؤسسات حقها، فقد أنتجت وزارة الإعلام قبل عدة سنوات سلسلة أفلام وثائقية مهمة عن الوجود العماني هناك اضطلع بإعدادها وتقديمها الزميل محمد المرجبي، ورممت هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية العديد من الآثار هناك. لكن هل تكفي هذه الجهود؟ الإجابة إن تاريخنا هناك يحتاج في الحقيقة إلى مشروع وطني واسع يتضمن الأرشفة، والتصوير، والترميم، والمقابلات الشفوية، والخرائط التفاعلية، والكتب، والمزيد من الأفلام الوثائقية، والمنصات الرقمية، وفرق البحث متعددة التخصصات. بهذا وحده نمنح تلك الذاكرة فرصة حياة جديدة، ونحفظ ما تبقى من شواهدها قبل أن يطمرها النسيان.  

سليمان المعمري كاتب وروائي عُماني