ثقافة

رفيق الشامي عتب الحكايا.. وجع

وجوه وحكايا

 

يأتيك صوت الروائي 'سهيل فاضل' المعروف بـ رفيق شامي من ضفته الألمانية ليعيد ترتيب بديهيات العلاقة بين المبدع ووطنه الأول، عتب تلمست فيه الوجع، حاولتُ، بفضول الصحفي وشغف القارئ أن أفتح معه كوة للحوار، لم يكن التواصل سهلا فحاولت العبور له عبر الصديق المترجم خالد الجبيلي، فجاء رده محتشداً بالاعتذار، لكنه اعتذارٌ يحمل غصة وعتباً مريراً امتد لعقود؛ عتب أديبٍ يرى أن الإعلام في بلاده شاح بوجهه عنه طويلاً، وتركه في دائرة التغافل بينما كان يبني مسيرته بلغةٍ غير لغته الأم.
تيقنت أن هذا الرفض لم يكن تعالياً أو نرجسية من روائي يلامس العقد الثامن من العمر، أنه أشبه بعتب صامت، ورد حمل ملامح جرح قديم سببه تجاهل الإعلام في وطنه الأم لمسيرته الممتدة لعقود، قرأت فيه مرارة المقارنة بين اعتراف ثقافي غربي واكب خطواته، وصمت رسمي مطبق في الساحة العربية التي نبتت فيها جذور حكاياته.
البداية والأثر في مطلع السبعينيات، غادر الشاب السوري سهيل فاضل دمشق متوجهاً إلى ألمانيا الغربية، لم يكن يحمل في حقيبته سوى شهادة في الكيمياء العضوية، ومخزوناً هائلاً من حكايات حارة 'القصّاع' الدمشقية التي نشأ فيها، هناك في المغترب اختار اسماً مستعاراً هو 'رفيق شامي'، هرباً من ملاحقات الرقابة، وبدأ رحلة مغايرة لم تكن في الحسبان، حاولوا في البداية تأطيره ضمن ما كان يُعرف بـ 'أدب العمال الأجانب'، وهو تصنيف ألماني كان يُمنح لكتابات المهاجرين التي تنضح بالشكوى والاضطهاد ومصاعب الاندماج، لكن الشامي رفض هذا القالب الضيق؛ لم يرد أن يكون كاتباً يُقرأ بدافع الشفقة أو الفضول السوسيولوجي، بل أراد أن ينافس أدباء لغة غوته في عقر دارهم، مستنداً إلى خصوصية ثقافية لم يعهدها القارئ الأوروبي.
الأثر الحقيقي لرفيق الشامي في المشهد الثقافي الألماني صنعه بنفسه فلم يتكئ على الحنين والبكائيات التي تدر الشفقة في قصصه، إنما شق طريقه ببلاغة الحكواتي الشرقي، فوصف النقاد الألمان أسلوبه االسردي بـ 'شرقنة اللغة' مانحاً لغة غوته نبرة دمشقية سلسة استساغها القارئ الأوروبي ووجد فيها روحاً جديدة، تأسست على الواقعية ومشروع أدبي وفكري اشتغل عليه بصبر.
وعندما قدم روايته 'حكواتي الليل' باللغة الألمانية نقل طقس الحكي الدمشقي إلى المتن الألماني؛ فالرواية تقوم على فكرة إصابة الحكواتي 'سليم' بالخرس، فيجتمع أصدقاؤه السبعة ليحكي كل منهم قصة على مدار سبع ليالٍ ليعيدوا له صوته. هذا البناء المستلهم مباشرة من 'ألف ليلة وليلة' كان صدمة أسلوبية في الأدب الألماني، حيث دخلت الجملة الملتوية، والمجازات الباذخة، والاستعارات المعتمدة على الروائح والألوان، إلى وعي القارئ الألماني، مما جعل أعماله مقررة في بعض المناهج الدراسية والجامعية هناك كنموذج لتلاقح الثقافات.
ولم يكن التأثير مجرداً في قوالب اللغويات، إذ امتد ليكون أثراً مجتمعياً وسياسياً بامتياز. في روايته الملحمية 'الجانب المظلم للحب التي استغرق كتابتها نحو ثلاثين عاماً في ثمانمائة صفحة، كسر الشامي البنية الخطية للرواية الغربية مستخدماً تقنية 'السجادة الشرقية'. الرواية تبدأ بجريمة قتل في دمشق، وتتشابك فيها خيوط عائلتين مسيحيتين (شاهين وومشّك) في جبال القلمون، ممتدة عبر عقود من القرن العشرين. من خلال هذا النص، قدم الشامي للقارئ الغربي تشريحاً سوسيولوجياً دقيقاً وعميقاً للمجتمع السوري وفكك بنية النزاعات العشائرية، والصراعات الطائفية، وكيف يتغلغل الاستبداد والدولة الأمنية ليفسدا حتى أقدس العلاقات الإنسانية كالحب والزواج، فنال القبول الكبير، وهذا العمل تحديداً جعل المجتمع الألماني يفهم الجذور العميقة للتحولات السياسية والاجتماعية في الشرق الأوسط، بعيداً عن السطحية التي تقدمها نشرات الأخبار.
لم تتوقف حدود الشامي عند هاتين الروايتين، بل امتد نتاجه ليتجاوز أربعين كتاباً ورواية ومجموعة قصصية ونصوصاً للأطفال، تُرجمت إلى أكثر من ثلاثين لغة. ومن أبرز تلك المحطات الروائية تأتي 'شجرة السفرجل'، التي قدم فيها سردية مكثفة وموجعة عن الاغتراب، من خلال قصة الشاب 'سنان' ورحلته بين الشرق والغرب، محاولاً فك لغز الهوية والشوق المفترس للوطن. في هذا العمل، كما في مجمل كتبه، يثبت الشامي أن دمشق بؤرة الضوء التي تدور حولها كل الأرقام والتواريخ؛ حيث تحولت حكايات الحارات المنسية في ثنايا مؤلفاته الغزيرة إلى وثائق إنسانية تدين القسوة، وتنتصر للحياة والحرية.
وتتجلى ذروة الوفاء للمكان في روايته 'دمشق.. ن ن الحكايا'، وهو النص الذي اختار فيه توثيق ذاكرة المدينة عبر تفاصيل يومية غاية في الدقة. تتحول الجغرافيا الدمشقية هنا، من حارات 'القصاع' إلى أزقة 'باب توما' و'ساروجة'، إلى مسرح حي يعج بالشخصيات الحقيقية والمتخيلة، حيث يمتزج عبق الياسمين برائحة القهوة وتفاصيل النسيج الاجتماعي القديم فيصبح الكتاب سرداً ممتعاً يُصالح القارئ مع تاريخ المدينة الشفهي، ويعيد إحياء قصص الهامشيين والناس البسطاء الذين صنعت حكاياتهم روح الشام عبر العصور.
جوائز وحضور حضور الشامي الثقافي والمجتمعي تُرجم إلى اعتراف مؤسساتي ملموس؛ فحائز على جوائز رفيعة في ألمانيا مثل جائزة 'أديلبرت فون شاميسو'، وجائزة 'هيرمان هيسه'، وصار عضواً في أكاديمية الفنون الجميلة في ميونخ. وتُرجمت كتبه إلى أكثر من ثلاثين لغة، إلا أن المفارقة المؤلمة تكمن في رصيف القراءة العربي. الترجمات العربية لأعماله، والتي جاءت متأخرة وبمبادرات من دور نشر مستقلة، لم تحظَ بتقديم نقدي أو احتفاء مؤسساتي يليق بحجم المنجز.
لقد أثث رفيق الشامي وجدان القارئ الغربي بجمالية المكان الدمشقي الذي يعبق بالياسمين والنارنج، ونجح في 'أنسنة' الوعي الغربي بحضارة الشرق، فقدمها بتفاصيلها المشوقة وسرديته التي أتقن صنعها بلغته الألمانية فنالت كتبه حفاوة الغرب بينما قوبلت بالتجاهل العربي والسوري تحديدا.
غفلة أم تغافل..؟ أمام هذا المشهد، لم يعد الصمت عذراً مقبولاً في الساحة الثقافية السورية. إن عتب رفيق الشامي، وهو يقف في خريف عمره متمسكاً بعزلته، يجب ألا يُقابل بتجاهل إضافي، بل بجرأة في المراجعة والمبادرة. الإنصاف الحقيقي اليوم يبدأ من التكريم الذي يستحقه كقامة أدبية وطنية وعالمية، تكريم يعيد للاعتراف في الوطن قيمته ودفئه، ويكسر عقوداً من الجفاء، 'ربما يتقاسمها الطرفان'.
هذه المسيرة الغنية تحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى التفاتة حقيقية من النقاد والباحثين لتفكيك هذا المنجز الروائي، وإعادة قراءة أثره المجتمعي واللغوي، وإتاحته للأجيال الجديدة من القراء السوريين والعرب.
تكريم رفيق الشامي وتوجيه بوصلة النقد نحو أدبه ليس منةً تُقدم له في مغتربه، فهو قد حجز مقعده الثابت في قاطرة الأدب الغربي، إنه ضرورة للمشهد الثقافي المحلي ذاته، ليتصالح مع مبدعيه، وأن الوجوه البارزة يجب ألا تُنسى ولا تُترك على رصيف التغافل لمجرد أنها كتبت بلغة أخرى.
يغلق رفيق الشامي بابه مفضلاً أن يترك عتبه معلقاً كعلامة استفهام كبرى فوق المشهد الثقافي الذي غيبه، لكن الحكاية، كما تعلمّنا من متون كتبه، لا تنتهي بموت الراوي أو صمته، بل تبدأ حيواتها الجديدة حين تنتقل إلى وجدان القراء.
لقد اختار الكاتب أن يلوذ بعزلته في خريف العمر، تاركاً إرثاً حياً يشق طريقه بنفسه؛ فدمشق التي ترفض الذاكرة الرسمية أن تجمعه بها، أعاد بناؤها حارة حارة، وشخصية شخصية، في ذاكرة جيل كامل من القراء بلغة أخرى.