أمريكا تفقد سيطرتها على المشاعات العالمية
حرية الملاحة البحرية مهددة
الخميس / 9 / محرم / 1448 هـ - 20:11 - الخميس 25 يونيو 2026 20:11
أيزيك كاردون
ترجمة - نهى مصطفى
أدّى إغلاق إيران لمضيق هرمز، وفشل الولايات المتحدة في إعادة حرية الملاحة البحرية، إلى تسليط الضوء على مدى اعتماد الاقتصاد العالمي على قدرة السفن على المرور بحرية عبر الممرات المائية الرئيسية، ومدى هشاشة هذا الحق. لكن حقبة حرية الملاحة البحرية التي استمرت عقودًا كانت تقترب من نهايتها حتى قبل إغلاق المضيق.
أصبحت الممرات البحرية العالمية أقل أمنًا وأكثر عرضة للاضطراب. فقد أدت هجمات الحوثيين في البحر الأحمر، والتصعيد الصيني حول تايوان، والتوترات المرتبطة بالحرب الروسية الأوكرانية، إلى جانب عمليات الملاحقة والعقوبات البحرية، إلى تقويض الافتراض السائد منذ عقود بأن الملاحة الدولية تتمتع بدرجة عالية من الأمان والاستقرار.
بعد الحرب العالمية الثانية، أسهمت المعاهدات الدولية والقواعد القانونية، بدعم من التفوق العسكري الأمريكي، في حماية نظام تجاري عالمي مفتوح، مما أتاح للتجارة البحرية، التي تمثل نحو 80% من التجارة العالمية، العمل بأمان عبر الممرات البحرية والمضايق الحيوية. إلا أن التحديات المتزايدة لحرية الملاحة باتت تهدد هذا النظام.
أما اليوم، فتنامي التحديات التي تواجه حرية الملاحة يهدد أسس هذا النظام. صحيح أن واشنطن لا تزال تهيمن على المجالات الاستراتيجية الرئيسة، وتمتلك أقوى قوة بحرية وجوية وأسطول غواصات في العالم، فضلًا عن تفوقها في مجال الاتصالات الفضائية، إلا أن التحولات في أنماط التجارة والتكنولوجيا العسكرية واقتصاديات الحرب أخذت تضعف فعالية القوة الأمريكية في المناطق الساحلية المتنازع عليها. واكتشفت واشنطن متأخرة أن قوتها العسكرية لم تعد كافية لحمل طموحاتها العالمية المتزايدة. فمع تراجع قدرتها على التحكم في الممرات البحرية الحيوية والمضايق والمناطق الساحلية الأخرى، أصبحت أقل قدرة على ضمان استدامة النظام الاقتصادي الذي أتاح حقبة غير مسبوقة من الانفتاح والازدهار.
لم يعد الخصوم الأصغر حجمًا، ولا الصين بوصفها المنافس الأكبر للولايات المتحدة، مضطرين إلى مواجهة التفوق العسكري الأمريكي التقليدي مواجهة مباشرة. فبوسعهم الالتفاف عليه بأساليب غير متماثلة، مستخدمين طائرات مسيرة وصواريخ منخفضة التكلفة بعيدة المدى، أو أدوات اقتصادية قادرة على تقييد الوصول إلى الممرات المفتوحة من دون إطلاق رصاصة واحدة. وحتى لو أنفقت الولايات المتحدة موارد هائلة لاستعادة هيمنتها الواسعة على المشاعات البحرية، فإن إعادة بناء النظام البحري القديم لم تعد هدفًا واقعيًا. فالتغيرات العميقة في التكنولوجيا العسكرية والإنتاج الصناعي تقوض الأسس التي قام عليها نظام بحري مفتوح بالمعنى التقليدي. يمثل التعامل مع هذا التحول البنيوي تحديًا سيمتد عبر أجيال، ويبدأ بالإقرار بأن النهج الأمريكي في الحرب لم يعد يتوافق مع الجغرافيا الاستراتيجية والاقتصادية للعالم المعاصر.
ظل النظام البحري العالمي قائمًا لقرون على التوازن بين حرية الملاحة وسيادة الدول، عبر «قاعدة مدى المدفع» التي حصرت السيطرة البحرية في نطاق السواحل. ومع تطور التكنولوجيا العسكرية، استُبدلت هذه القاعدة تدريجيًا بمنظومة قانونية دولية كرستها اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، ومنحت الدول حقوقًا محددة مع الحفاظ على حرية الملاحة في المياه الدولية. وتولت الولايات المتحدة، بفضل تفوقها العسكري، حماية هذا النظام وضمان انفتاح التجارة العالمية، مما وفر بيئة آمنة للتجارة وأسهم في ازدهار العولمة.
ومع مطلع القرن الحادي والعشرين، بلغت الولايات المتحدة ما وصفه عالم السياسة باري بوسن عام 2003 بـ«السيطرة على المشاعات العالمية»، أي امتلاك قدرة شبه مطلقة على استخدام المحيطات والمجال الجوي والفضاء لأغراض عسكرية، مع حرمان الخصوم من استخدام مماثل عند اندلاع النزاعات.
لكن بوسن حرص أيضًا على إبراز حدود هذه الهيمنة؛ فقد رأى أن الولايات المتحدة ليست منيعة في المجال الجوي المنخفض، ولا في المناطق البحرية الواقعة على مسافة بضع مئات من الأميال من السواحل المحصنة جيدًا. وقبل أن تبدأ الثغرات في الهيمنة الأمريكية بالظهور بسنوات، حدد بدقة القوتين الأكثر احتمالًا لاختبار حدودها: الصين وإيران. فبينما احتفظت الغواصات الأمريكية بتفوقها تحت الماء، وهيمنت القوات الجوية الأمريكية على الارتفاعات العالية، كانت هذه السيطرة تتراجع تدريجيًا كلما اقتربت من أراضي الخصوم وسواحلهم.
ترسخ لدى واشنطن اعتقاد بأنها تفرض سيطرة شبه مطلقة على أعلى الارتفاعات وأعمق البحار وأهم المناطق الساحلية، وأن عليها الحفاظ على هذه السيطرة بما يتيح لها التحرك بحرية في أي مكان تقريبًا، وفي أي وقت. غير أن الهيمنة الأمريكية على المشاعات البحرية، ولا سيما في المناطق الساحلية، كانت دائمًا أكثر محدودية مما أوحت به وثائق البنتاجون الاستراتيجية. واليوم تواجه هذه الافتراضات أصعب اختبار لها حتى الآن في مضيق هرمز، بينما تتعرض الأطر العسكرية والقانونية والاقتصادية التي دعمت حرية الملاحة لعقود لضغوط متزايدة.
أصبحت الصواريخ الدقيقة بعيدة المدى والطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة، التي يمكن إطلاقها من منصات متحركة، قادرة على استهداف أي قطعة بحرية على مسافات تمتد إلى آلاف الأميال، وتهديد كل ما يحلق على ارتفاع يقل عن مائة ألف قدم. وتعيد هذه التطورات في تكنولوجيا الهجوم التوازن التاريخي بين القوة والسيطرة. فقاعدة «مدى المدفع» تعود للظهور من جديد، لكن بعد أن اتسع مدى «المدفع» إلى حدود غير مسبوقة. وهكذا بدأ الخصوم في اختبار الافتراض القائل إن الجيش الأمريكي حاضر في كل مكان وعصي على التهديد. وأصبح في مقدور عدد متزايد من الدول والجماعات المسلحة تعطيل أو تقييد الوصول إلى الممرات البحرية الحيوية التي كانت التجارة العالمية تعبرها بحرية.
ومع ذلك، فإن التقدم في التكنولوجيا العسكرية لا يفسر سوى جانب من تراجع حرية الملاحة. فميزان الهجوم والدفاع كان دائمًا عرضة للتغير. أما التحدي الأعمق والأكثر استدامة فيكمن في التحولات التي طرأت على اقتصاديات الحرب والدفاع. فالحوثيون في اليمن يستطيعون الحصول على طائرة هجومية مسيّرة مقابل بضعة آلاف من الدولارات، بينما يتطلب إسقاطها استخدام صاروخ اعتراضي أمريكي تبلغ كلفته نحو مليوني دولار. وبالمثل، يحتاج اعتراض صاروخ من طراز «شاهد» إلى صاروخ باتريوت تبلغ كلفته نحو ثلاثة ملايين دولار، في حين يمكن لإيران إنتاج أو الحصول على الصاروخ المهاجم مقابل نحو خمسة وثلاثين ألف دولار فقط.
وخلال ما يقرب من ثلاث سنوات من الجهود الرامية إلى إحباط حملة الحوثيين ضد الملاحة في البحر الأحمر، أنفقت البحرية الأمريكية نحو ملياري دولار على الذخائر وحدها لحماية سفنها. ولا يشمل هذا الرقم تكاليف التشغيل والصيانة، ولا تكلفة إبقاء السفن والطائرات منتشرة في المنطقة بدل استخدامها في ساحات أخرى، ولا الضرر المعنوي الذي يلحق بصورة القوة الأمريكية من دون تحقيق حسم واضح. ولذلك، واصلت شركات الشحن الكبرى، بل وحتى بعض القطع البحرية الأمريكية، تفضيل الطريق الأطول حول رأس الرجاء الصالح تفاديًا للمخاطر.
حاليًا، تقيد أي محاولة للدفاع عن حرية الملاحة في المناطق الساحلية المتنازع عليها حقيقة أن القاعدة الصناعية الدفاعية الأمريكية تحتاج إلى سنوات لتعويض ما تستهلكه من ذخائر. وإذا جاز استخدام تشبيه مبسط، فإن الولايات المتحدة أشبه بطاهٍ ماهر يعد وجبات معقدة وباهظة الكلفة ببطء، بينما يعمل خصومها كطهاة وجبات سريعة يعتمدون على مكونات تجارية متوافرة بكميات ضخمة بفضل الفائض الصناعي الهائل للصين.
في ظل هذه المعادلة، تبدو الحسابات الاستراتيجية الصينية واضحة: فكل صاروخ اعتراضي أمريكي نادر يُستهلك لإسقاط طائرة مسيرة تابعة لخصم صغير، هو صاروخ لن يكون متاحًا لمواجهة تهديدات أكبر وأكثر عددًا في المحيط الهادئ.
أثقلت محاولة الولايات المتحدة الحفاظ على هيمنتها البحرية العالمية كاهل البنتاجون، وكشفت حدود نماذج التسليح التقليدية. فقد أخفقت برامج السفن الحربية الأمريكية الحديثة، مثل سفينة القتال الساحلية وفرقاطة «كونستليشن»، في تقديم حل عملي بين السفن الباهظة المخصصة لحروب القوى الكبرى والمنصات الرخيصة القادرة على مواجهة الأسلحة الدقيقة منخفضة التكلفة. وفي الوقت نفسه، ركزت الصين على بناء قدرات تمنع القوات الأمريكية من العمل بحرية قرب سواحلها، عبر شبكة متكاملة من الصواريخ وأنظمة منع الوصول، بدلًا من السعي إلى منافسة الولايات المتحدة على السيطرة المباشرة على البحار.
باتت الصين تنشر أعدادًا كبيرة من الصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى في البحار القريبة منها، في حين تستطيع صواريخ كروز التي تطلقها الغواصات والقاذفات استهداف القواعد الأمريكية في وسط المحيط الهادئ. وهذه المنظومات أكثر تطورًا بكثير من الطائرات المسيرة التي يستخدمها الحوثيون، إلا أن المنطق الاستراتيجي الذي يحكمها هو نفسه: الكثرة تغلب النوعية. وفي نهاية المطاف، يقوم هذا المنطق على اعتبارات اقتصادية بقدر ما يقوم على اعتبارات عسكرية.
يمنح الحجم الهائل للقاعدة الصناعية الصينية بكين قدرة على ممارسة ضغوط قسرية قد تقوض حرية الوصول والمناورة التي تعتمد عليها الخطط العسكرية الأمريكية. ومع ذلك، لا تزال الولايات المتحدة تتمتع بتفوق واضح، وربما طويل الأمد، في مجال الغواصات النووية، وهو مجال تجد الصين صعوبة في مجاراته. أما روسيا، التي تملك قدرات أقرب إلى المستوى الأمريكي، فقد واجهت قيودًا متزايدة، خصوصًا منذ غزوها أوكرانيا عام 2022.
لكن حتى هذه الأفضلية الأمريكية تتعرض للتآكل مع انتشار جيل جديد من أنظمة الاستشعار تحت الماء، الثابتة والمتحركة على السواء، والتي يتركز معظمها في غرب المحيط الهادئ. فهذه الأنظمة تجعل من الصعب على الغواصات الحفاظ على قدرتها التقليدية على التخفي. وقد أثبتت الحرب في أوكرانيا مدى الطابع التخريبي لهذه التحولات، إذ تمكنت المسيّرات الأوكرانية من شل فعالية أسطول البحر الأسود الروسي، وهو إنجاز استثنائي لدولة لا تمتلك قوة بحرية تقليدية تُذكر.
لا يقتصر التحدي تحت سطح البحر على الغواصات وحدها، بل يمتد إلى البنية التحتية الموجودة في قاع البحار. فالكابلات التي تنقل الطاقة والبيانات يمكن قطعها بسهولة نسبية وبكلفة متواضعة، بينما يتطلب إصلاحها وقتًا طويلًا وموارد ضخمة. وقد تسببت سفن صيد وصنادل مدنية بالفعل في قطع كابلات بحرية مرات عدة في بحر البلطيق ومضيق تايوان.
في الوقت نفسه، تسهم مجموعة متنامية من أجهزة الاستشعار الصوتية والمغناطيسية والهيدروديناميكية والزلزالية، بما في ذلك تلك المدمجة في بعض كابلات البيانات، في جعل الاختباء تحت الماء أكثر صعوبة من أي وقت مضى. وقد استثمرت الصين بكثافة في هذه الشبكات من المجسات الثابتة والمتحركة، فيما تصفه بعض الأدبيات الاستراتيجية بـ«السور العظيم تحت الماء». وربما لا تضاهي هذه الشبكة الأنظمة الأمريكية من حيث الانتشار العالمي أو الخبرة التشغيلية، لكنها تتركز بكثافة في غرب المحيط الهادئ، الذي تعتبره بكين المسرح الأكثر ترجيحًا لأي مواجهة كبرى مستقبلية.
خارج إطار المنافسة المباشرة مع الصين، لا يتراجع التفوق البحري الأمريكي بسبب ظهور أساطيل منافسة تضاهي الأسطول الأمريكي، بل نتيجة انتشار أساليب حرب غير تقليدية تعتمد على وسائل منخفضة التكلفة يصعب على القوات التقليدية التعامل معها بفعالية. وفي الوقت نفسه، أتاحت الأقمار الصناعية التجارية وشبكات الاتصالات المتاحة تجاريًا لجهات لا تمتلك قدرات تكنولوجية متقدمة الحصول على معلومات دقيقة عن ساحة المعركة وقدرات استهداف كانت حكرًا في السابق على القوى الكبرى.
بوجه عام، أصبحت الأسلحة الدقيقة وأدوات المراقبة والاستهداف أكثر انتشارًا وأقل تكلفة، وغالبًا ما يصعب تحديد الجهة التي تقف وراء استخدامها. ويضع هذا التحول الولايات المتحدة في موقف غير مريح، لأن عقيدتها العسكرية تقوم على أنظمة متطورة ومكلفة، في حين أصبح بإمكان خصوم أضعف نسبيًا إلحاق أضرار مؤثرة بوسائل أرخص بكثير. كما أن هذه التطورات تجعل عودة نظام الملاحة التجارية الحرة والمحمية كما كان في العقود الماضية أمرًا أقل احتمالًا. لم تعد الهيمنة البحرية الأمريكية قادرة على ضمان النظام العالمي كما في الماضي، لأن مصدر القوة انتقل تدريجيًا من السيطرة العسكرية على البحار إلى السيطرة الاقتصادية والصناعية على التجارة وسلاسل التوريد، وهو المجال الذي تحقق فيه الصين تقدمًا متزايدًا.
لا يزال المحيطان الهندي والهادئ يمثلان مركز الثقل الاستراتيجي للولايات المتحدة، لكن الحفاظ على نظام اقتصادي مفتوح قائم على حرية الملاحة يزداد كلفة وصعوبة. ورغم إمكانية إعادة بناء القدرات العسكرية والصناعية الأمريكية، فإن التحولات الهيكلية الحالية تدفع نحو نظام بحري أكثر تجزؤًا، تصبح فيه حرية العبور محل تفاوض ومساومة بدلًا من كونها حقًا مضمونًا. ويجري هذا التحول بالفعل مع توسع التجارة خارج الأطر التقليدية بفعل العقوبات والقيود التجارية. لذلك ينبغي لواشنطن التركيز على حماية مصالحها الأساسية واستخدام مواردها بصورة انتقائية، بدل السعي إلى استعادة هيمنة بحرية عالمية لم تعد شروطها متوافرة.
أيزيك كاردون زميل أول في برنامج آسيا في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي ومؤلف كتاب قانون الصين للبحار: القواعد الجديدة للنظام البحري.
الترجمة عن Foreign Affairs