عيون على حافة الظلام .. مرضى غزة في سباق مع الوقت لإنقاذ ما تبقّى من نعمة البصر!
نقص الأدوية والجراحات المتخصصة ومنع السفر يهدد آلاف المرضى
الخميس / 9 / محرم / 1448 هـ - 20:01 - الخميس 25 يونيو 2026 20:01
في غزة، لم تعد الحرب تسرق البيوت والأرواح فقط، بل امتدت لتسلب الناس إحدى أعظم نعم الحياة: «البصر». فبين أصوات القصف وركام المنازل وانهيار المنظومة الصحية، يخوض آلاف المرضى معركة صامتة لإنقاذ ما تبقى من نور أعينهم، بينما تتضاءل فرص العلاج يومًا بعد يوم.
داخل الخيام ومراكز الإيواء والمنازل المدمرة، يجلس رجال ونساء وأطفال يترقبون لحظة قد تحدد مصير حياتهم بأكملها؛ فإما فرصة علاج تنقذ أعينهم، وإما الانزلاق تدريجيًا نحو عتمة دائمة لا عودة منها.
رفا.. طفولة تتلاشى
أمام العتمة، لم تعرف الفتاة رفا رأفت القدرة (16 عامًا) طفولة طبيعية كبقية الأطفال. فمنذ سنواتها الأولى كانت تعاني من مشكلات معقدة في كلتا العينين، لكن الحرب والانهيار الصحي حوّلا معاناتها إلى مأساة حقيقية.
تقول والدتها بصوت يختلط فيه الخوف بالألم: «كبرت رفا وهي تتنقل بين العيادات والأطباء. كانت تحلم بأن تصبح معلمة، وكانت تعشق القراءة والرسم، لكن نظرها أخذ يضعف عامًا بعد عام. وفي الأشهر الأخيرة أخبرنا الأطباء أن حالتها أصبحت خطيرة للغاية بسبب تحدب شديد في العدسة أدى إلى ارتفاع ضغط العين بصورة مستمرة وصل إلى 47 درجة».
وتتابع: «كنا نراقب ابنتنا وهي تتألم يوميًا. كانت تستيقظ ليلًا ممسكة برأسها من شدة الألم، وتبكي لأنها لم تعد ترى الأشياء كما كانت. أخبرنا الطبيب أن العصب البصري بدأ يتضرر، وأن أي تأخير إضافي قد يؤدي إلى فقدان البصر نهائيًا».
وتضيف الأم: «رفا لم تعد تتحدث عن أحلامها كما كانت. كل ما تسأل عنه الآن: هل سأصبح عمياء؟ ماذا سأفعل إذا لم أعد أرى وجوهكم؟ لا أملك جوابًا يخفف عنها. أشعر أن ابنتي تفقد نور عينيها أمامي وأنا عاجزة عن إنقاذها».
عبير.. الخوف من فقدان آخر نافذة على الحياة
أما عبير عبد الخالق فرج الله (34 عامًا)، فتعيش أيامًا ثقيلة وهي تدرك أن الوقت قد يكون الفاصل بين الرؤية والعمى.
تقول: «أحمل تحويلة طبية منذ فترة طويلة، لكنني ما زلت أنتظر فرصة للتنسيق والسفر. الأطباء أكدوا أن حالتي حرجة، وأحتاج إلى تدخل علاجي وجراحي عاجل غير متوفر داخل القطاع».
وتضيف: «كل صباح أستيقظ وأخشى أن يكون بصري قد تراجع أكثر. أصبحت أقترب كثيرًا من الأشياء حتى أتمكن من رؤيتها. أخاف من اللحظة التي أفتح فيها عيني ولا أرى شيئًا».
وتتابع: «الحرب سرقت منا الكثير، لكن فقدان البصر يعني خسارة ما تبقى من الحياة. أخشى أن أفقد القدرة على رؤية أبنائي ووجوه أحبتي. أريد فقط فرصة علاج قبل فوات الأوان».
وتصف انتظارها الطويل قائلة: «الأيام تمر ببطء شديد. كل اتصال هاتفي يجعل قلبي يقفز أملًا بأن يكون هناك خبر عن السفر. أعيش بين الرجاء والخوف، وأشعر أن بصري يضيع بينما أنتظر».
ثائر.. عين واحدة تصارع الظلام
أما الشاب ثائر سلامة أبو مصطفى، فيعيش معركة أكثر قسوة. فقد بصره في إحدى عينيه قبل سنوات إثر حادث مؤلم، ولم يتبقَّ له سوى عين واحدة يعتمد عليها في رؤية العالم. لكن هذه العين أيضًا بدأت تفقد قدرتها على الإبصار.
يقول: «العين التي كنت أرى بها أصبحت تزداد سوءًا يومًا بعد يوم. راجعت الأطباء وأكدوا أنني بحاجة إلى عملية جراحية عاجلة، وإلا فإنني مهدد بفقدان بصري بالكامل».
ويضيف: «قدمت جميع الأوراق والتقارير الطبية المطلوبة، وقدمت نموذج التحويل رقم واحد، لكن حتى الآن لم أتلقَّ أي اتصال أو موعد للسفر»، ويتابع: «أحيانًا أستيقظ وأشعر أن الرؤية أصبحت أضعف من اليوم السابق. أخاف أن يأتي يوم لا أستطيع فيه رؤية وجوه أطفالي أو السير وحدي».
ويقول بحرقة: «فقدت عينًا من قبل، وأعرف تمامًا ماذا يعني فقدان البصر. لذلك أعيش كل يوم وكأنني أعد الساعات قبل أن ينطفئ الضوء الأخير الذي بقي لي».
طبيب: الحرب خلقت كارثة بصرية غير مسبوقة
وحذّر مدير مستشفى العيون التابع لوزارة الصحة في قطاع غزة، استشاري طب وجراحة العيون الدكتور عبدالسلام صباح، من أن المستشفى يسجل يوميًا حالات فقدان بصر بين المصابين والمرضى نتيجة عدم القدرة على إجراء التدخلات الجراحية اللازمة.
وأكد أن الحرب خلفت واحدة من أخطر الأزمات الصحية المتعلقة بالبصر في تاريخ القطاع. وأوضح أن عدد الإصابات المسجلة منذ بداية الحرب تجاوز 171 ألف إصابة، من بينها نحو 17 ألف إصابة في العيون، أي ما يقارب 11% من إجمالي الإصابات.
وأشار إلى أن الشظايا والانفجارات والركام والأجسام المعدنية المتطايرة تسببت في إصابات بالغة للقرنية والشبكية والعصب البصري لدى آلاف المصابين.
وقال: «نستقبل حالات فقدان بصر بشكل يومي تقريبًا، ليس فقط بسبب الإصابات المباشرة، بل أيضًا نتيجة عدم القدرة على إجراء العمليات الجراحية في الوقت المناسب، ونقص الأجهزة الدقيقة والأدوية المتخصصة».
وأضاف أن العديد من المرضى الذين كان بالإمكان إنقاذ أبصارهم أصبحوا مهددين بإعاقات دائمة بسبب التأخير في العلاج، كما فاقمت الحرب أوضاع المرضى المزمنين المصابين بالجلوكوما وأمراض الشبكية والقرنية وإعتام العدسة، بعد انقطاع المتابعات الطبية وتعذر الحصول على الأدوية الأساسية.
أرقام تكشف حجم المأساة
وراء كل رقم في غزة قصة إنسان يخشى أن يفقد نور عينيه إلى الأبد. فالحرب لم تترك آثارها على المباني والبنية الأساسية فحسب، بل خلفت أزمة بصرية غير مسبوقة تهدد آلاف الفلسطينيين.
فمنذ بداية الحرب سُجلت نحو 17 ألف إصابة في العيون، وهو رقم يمثل ما يقارب 11% من إجمالي الإصابات المسجلة في القطاع. وبين هذه الأرقام يقف آلاف الرجال والنساء والأطفال أمام خطر حقيقي يتمثل في فقدان البصر الجزئي أو الكلي، في ظل عدم توفر العلاج المتخصص وصعوبة الوصول إلى العمليات الجراحية الضرورية.
وتكشف المعطيات الطبية عن نقص حاد في الأجهزة التشخيصية والمعدات الجراحية الدقيقة، حيث وصلت نسبة النقص في بعض الأجهزة الخاصة بطب العيون إلى نحو 90%، بينما تعاني المستشفيات من شح شديد في العدسات الطبية والخيوط الجراحية والأدوية اللازمة لعلاج أمراض الشبكية والقرنية والجلوكوما.
ولم تقتصر المأساة على المصابين الجدد، إذ تشير التقديرات إلى تسجيل أكثر من ثلاثة آلاف حالة عمى خلال الحرب، فيما يحتاج عشرات الآلاف من الجرحى إلى رعاية وتأهيل طويلَي الأمد بسبب إصابات قد ترافقهم مدى الحياة. كما يشكل الأطفال نحو 20% من إجمالي إصابات العيون، ما يعني أن مئات الصغار يواجهون خطر فقدان البصر في سنواتهم الأولى، بما يحمله ذلك من آثار نفسية وتعليمية واجتماعية تمتد لسنوات طويلة.
ورغم المناشدات المتكررة، ما زالت محاولات إدخال كثير من المستلزمات الطبية المتخصصة تواجه عراقيل كبيرة، الأمر الذي يجعل الوقت عاملًا حاسمًا بالنسبة لآلاف المرضى الذين تتراجع فرص إنقاذ أبصارهم مع كل يوم يمر دون علاج.
بين النور والعتمة
في غزة اليوم، لا يطلب مرضى العيون المعجزات. كل ما يطمحون إليه فرصة للعلاج قبل أن يبتلعهم الظلام. رفا التي تخشى أن تفقد أحلامها قبل أن تكبر، وعبير التي تنتظر اتصالًا قد ينقذ بصرها، وثائر الذي يتمسك بعينه الأخيرة كما يتمسك الإنسان بالحياة نفسها، ليسوا سوى نماذج من آلاف المرضى الذين يعيشون سباقًا يوميًا مع الزمن.
وفي مكان أنهكته الحرب والحصار، يبقى السؤال المؤلم معلقًا: كم عينًا أخرى يجب أن تنطفئ قبل أن يصل العلاج إلى أصحابه؟ وكم طفلًا آخر سيكبر وهو يتعلم ملامح العالم من الذاكرة لا من النظر؟ في غزة، لا يخشى كثيرون الموت بقدر ما يخشون أن يسبقهم الظلام إليه.