العرب والعالم

عودة "مبدأ نيكسون" بقوة إلى الشرق الأوسط عبر بوابة إيران

تحليل

 

واشنطن 'د.ب.أ': وضعت مذكرة التفاهم التي وقعتها أمريكا وإيران الأسبوع الماضي، حدا لـ15 أسبوعا من الحرب، وسط مزيج من الارتياح والحيرة. وأعاد الاتفاق، الذي توسطت فيها باكستان وقطر، فتح مضيق هرمز، وحدد جدولا زمنيا 60 يوما لإجراء مفاوضات بشأن البرنامج النووي الإيراني وتخفيف العقوبات. ويقول إلدر محمدوف، الدبلوماسي، والخبير في السياسة الخارجية، إن 'التداعيات الأعمق لا تقتصر على إنهاء الحرب فحسب، بل تمتد إلى مستقبل البنية الاستراتيجية للمنطقة'.
ويطرح محمدوف في تحليل نشرته مجلة 'ناشونال انتريست' الأمريكية، سؤالا مفاده: هل تمثل 'مذكرة إسلام أباد' لحظة 'نيكسونية' جديدة في الشرق الأوسط. ويشير محمدوف- الذي يشغل منذ عام 2009، منصب مستشار سياسي لكتلة الاشتراكيين الديمقراطيين في لجنة الشؤون الخارجية بالبرلمان الأوروبي - إلى 'مبدأ نيكسون'، الذي أعلن في عام 1969، ويمثل استراتيجية تقوم على 'الموازنة من الخارج'.
وفي ظل إدراك واشنطن أنها لا تستطيع أن تكون شرطي العالم، سعى الرئيس الأمريكي آنذاك ريتشارد نيكسون إلى تفويض المسؤولية الأساسية عن الأمن الإقليمي إلى حلفاء محليين. وفي منطقة الخليج العربي، تجسد ذلك في سياسة 'الركيزتين التوأمتين'، والتي اعتمدت على السعودية وإيران كضامنين للمصالح الأمريكية والاستقرار الإقليمي. وكانت الولايات المتحدة توفر الدعم، بينما يقع عبء الحفاظ على النظام على القوى الإقليمية.
وتشير 'مذكرة إسلام أباد'، والتحول الدبلوماسي والخطابي الذي تمثله، إلى أن قطيعة مماثلة في المفاهيم قد تكون في طورالتشكيل. إلا أن هذا النظام الجديد لا يبدو مستندا على قوة عميل واحدة، أو ركيزتين، بل على تكتل من القوى الإقليمية.
وأوضح المحلل السياسي أن المذكرة 'ليست اتفاقا ثنائيا تقليديا بين الولايات المتحدة وإيران، بل هي نتاج دبلوماسية متعددة الأطراف، يسرتها باكستان وقطر، بدعم نشط من السعودية وتركيا ومصر وسلطنة عمان. ويتمثل التحول الجوهري هنا في أن الولايات المتحدة لم تعد الحكم الوحيد لأمن المنطقة، بل باتت شريكا لتحالف من الدول الإقليمية'.
وكان لدور باكستان دلالة خاصة، إذ نجحت في ترسيخ موقعها كوسيط موثوق بين واشنطن وطهران، و'ليس ذلك مجرد إنجاز دبلوماسي، بل هو اضطلاع بمسؤولية استراتيجية كانت حكرا على الولايات المتحدة، في 'إشارة واضحة إلى أن عصر -السلام الأمريكي- يفسح المجال لنظام أكثر توزيعا للنفوذ'.
وفي ظل توقع أمريكا من شركائها تحمل مسؤولية أكبر عن الأمن الإقليمي، فإنها تدرك أيضا التهديدات التي يمكن أن تقوض قدرتهم في تنفيذ ذلك. وفي حالة باكستان، بشكل خاص، قد يشمل ذلك مساعدة إسلام أباد في مواجهة تهديدات جماعات مثل حركة طالبان باكستان وجيش تحرير بلوشستان. واستهدفت الجماعة الأخيرة بشكل متزايد مشروعات البنية التحتية والأصول الاستراتيجية في إقليم بلوشستان، وقتلت الآلاف، مع تصاعد أعمال العنف. ولا يتطلب دعم الشركاء الإقليميين ضمن 'إطار نيكسوني'، بالضرورة، نشر قوات أمريكية مقاتلة، بل يمكن أن يشمل التعاون الدبلوماسي والاستخباراتي، والعمل من خلال المؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة، لفرض عقوبات على الجهات العنيفة. كما أن مثل هذا النهج من شأنه أن يحقق تقاربا بين أمريكا والصين، اللتين تشتركان في مصلحة تحقيق الاستقرار الإقليمي، وهو ما يتماشى مع فلسفة نيكسون في إدارة العلاقات الدولية.
وتعد مشاركة السعودية في هذا التكتل أمرا بالغ الأهمية، 'فالمملكة كانت إحدى -الركيزتين التوأمتين- الأصليتين، ومشاركتها في إطار يقود إلى استقرار إقليمي ودمج اقتصادي لإيران يمثل تحولا جذريا عن سياسة التنافس الصفري التي طبعت المنطقة لعقود'.
وتشير مشاركة تركيا إلى نفس التوجه، 'فباعتبارها قوة عسكرية كبرى وعضوا في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، تتبنى سياسة خارجية مستقلة على نحو متزايد، تقدم أنقرة ثقلا استراتيجيا ومرونة دبلوماسية. وتمتلك باكستان والسعودية وتركيا معا العديد من المقومات اللازمة لتشكيل تكتل إقليمي، بما في ذلك النفوذ الدبلوماسي والقدرات العسكرية والتأثير الاقتصادي والعلاقات الممتدة عبر تكتلات متنافسة.
ويوضح محمدوف أن هذا النظام الناشئ يختلف عن 'مبدأ نيكسون' الأصلي في نقطة مهمة، 'فالنظام الإقليمي الذي تصوره نيكسون كان يعتمد على عدد محدود من الركائز المتحالفة مع الولايات المتحدة، بينما يبدو النظام الجديد أقل هرمية وأكثر تعددية. وبدلا من العمل عبر دول تابعة، قد تتجه واشنطن بشكل متزايد إلى التعاون مع قوى إقليمية مستقلة تتقاطع مصالحها مع المصالح الأمريكية، لكنها لا تتطابق معها دائما'.
ويتمثل أوضح دليل على هذا التحول في الخطاب الأمريكي تجاه إسرائيل عقب الإعلان عن المذكرة، 'فقد أبدت فصائل اليمين المتطرف الإسرائيلي غضبها إزاء الاتفاق، واعتبرته تنازلا لطهران. ولكن إدارة ترامب لم تعدل موقفها استجابة للانتقادات الإسرائيلية، بل دافعت عن الاتفاق علنا، وأظهرت إصرارها على المضي في مسار خفض التصعيد.
وفي هذا السياق، وجه نائب الرئيس الأمريكي، جيه دي فانس، الذي لعب دورا رئيسيا في المفاوضات، رسالة شديدة الوضوح إلى قادة إسرائيل، عندما قال: 'لو كنت عضوا في الحكومة الإسرائيلية، ما كنت لأهاجم الحليف القوي الوحيد المتبقي لي في العالم بأسره'.
وذكر فانس إسرائيل بأن 'ثلثي الأسلحة الدفاعية' التي تحمي أراضيها 'صنعتها أياد أمريكية ومولتها أموال دافعي الضرائب الأمريكيين.' وكانت رسالة فانس واضحة: لن تخضع الأهداف الاستراتيجية الأمريكية الأوسع لتفضيلات الشركاء الإقليميين.
وأوضح محمدوف أن 'مبدأ نيكسون' ولد في الأصل من إدراك أن الإدارة العسكرية المباشرة للمناطق البعيدة تفرض تكاليف لا تستطيع الولايات المتحدة تحملها إلى ما لا نهاية، 'وقد تعكس مذكرة إسلام أباد إدراكا مماثلا. فبعد مواجهة مكلفة مع إيران، تسببت فيها واشنطن نفسها، يبدو أنها باتت أكثر اهتماما بنظام إقليمي أكثر استدامة وأقل اعتمادا على التدخل الأمريكي المستمر'.
ومن غير المؤكد ما إذا كانت المذكرة ستثبت قدرتها على الصمود على المدى الطويل، 'فقد تتحول في نهاية المطاف إلى هدنة مؤقتة بدلا من أساس لبنية جيوسياسية جديدة'.
ورغم ذلك، يكشف الاتفاق بالفعل عن اتجاه مهم، 'إذ يبدو أن الولايات المتحدة تعود إلى دورها التقليدي كقوة موازنة من الخارج، تشجع القوى الإقليمية على تحمل مسؤولية أكبر في حفظ النظام، بينما توفر هي الدعم الدبلوماسي والاقتصادي والعسكري من بعيد'.
وفي ختام التحليل، يقول الخبير والمحلل السياسي محمدوف، الذي يقيم في بروكسل، إنه إذا استمر هذا التوجه، قد ينظر المؤرخون مستقبلا إلى مذكرة إسلام أباد باعتبارها أكثر من مجرد اتفاق أنهى حربا. وقد يرون فيها اللحظة التي 'بدأ فيها الشرق الأوسط الانتقال من عصر الهيمنة الأمريكية إلى عصر تكتل القوى الإقليمية'. وأضاف: 'تغيرت الأسماء، وبات عدد الفاعلين أكثر مما كان عليه في عهد نيكسون، لكن المنطق الأساسي ــ الحفاظ على توازن مستقر تقوده الدول الإقليمية بدلا من الإدارة الأمريكية المباشرة ــ سوف يبدو مألوفا تماما لمهندسي مبدأ نيكسون'.