ندى التويجري : فخورة بمساهمتي في حفظ الإرث الوطني وإتاحته للمكفوفين بطرق مبتكرة
الإعاقة البصرية لم تمنعها من توثيق التاريخ للأجيال
الخميس / 9 / محرم / 1448 هـ - 16:53 - الخميس 25 يونيو 2026 16:53
يعتقد البعض أن فقدان البصر قد يكون عائقًا أمام التعلم والعمل والإنجاز، ولكن تقدم لنا ندى بنت سلمان التويجري نموذجًا مختلفًا يبرهن أن الإرادة والمعرفة قادرتان على تجاوز التحديات، فمن داخل دائرة التاريخ الشفوي بهيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية، تعمل ندى يومياً على محاولة حفظ الذاكرة الوطنية من خلال تفريغ الروايات التاريخية الشفوية وتوثيقها، كما تعمل على تعزيز وصول الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية إلى المعرفة من خلال مبادرات ومشروعات نوعية جعلت التاريخ أكثر قربًا من المكفوفين.
وعن رحلتها التعليمية، وتخصصها في التاريخ، وتجربتها المهنية، وعلاقتها بلغة برايل، ودورها كعضو في مبادرة 'بصيرة' تتحدث ندى التويجري عن تلك التفاصيل في الحوار التالي :
-ليبدأ حوارنا بالحديث عن طبيعة عمل ندى التويجري في هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية، لتجيب قائلة:
أعمل في دائرة التاريخ الشفوي بهيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية، وتتمثل طبيعة عملي في تفريغ المقابلات التاريخية الشفوية التي يجريها الباحثون والمتخصصون في الهيئة مع شخصيات عاصرت فترات تاريخية مختلفة أو كان لها دور بارز في المجتمع العُماني، وبعد تسجيل هذه المقابلات صوتيًا أو مرئيًا، تصلني المواد لأقوم بالاستماع إليها وتفريغها كتابيًا بصورة دقيقة، لأن هذه المقابلات تمثل جزءًا مهمًا من الذاكرة الوطنية والتاريخ الشفوي الذي تسعى الهيئة إلى حفظها للأجيال .
-ما أهمية هذا العمل بالنسبة لك؟
أشعر أنني أشارك بصورة مباشرة في حفظ تاريخ بلادي الحبيبة سلطنة عُمان، فعندما أستمع إلى هذه الروايات وأقوم بتوثيقها، أتعرف على معلومات جديدة، وأتعلم من تجارب أشخاص عاشوا أحداثًا مهمة وأسهموا في بناء المجتمعات التي نعيش بها، لذلك أشعر بالفخر لأنني أشارك في حفظ هذا الإرث الوطني وإتاحته للباحثين والمهتمين مستقبلاً.
-كيف تستطيعين ككفيفة خدمة الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية ؟
يمكن للأشخاص ذوي الإعاقة البصرية الاستفادة من المواد التي أقوم بتفريغها مع زملائي في الفريق بوسائل متعددة، فالشخص الكفيف يستطيع الحصول على الملفات الإلكترونية بصيغة رقمية وتشغيلها عبر الأجهزة المخصصة مثل جهاز 'برايل سينس'، أو قراءتها باستخدام البرامج الناطقة الموجودة في الحواسيب والهواتف الذكية، وهذا يسهم في إتاحة المعرفة التاريخية لفئة كانت تواجه في السابق صعوبات أكبر في الوصول إلى المعلومات.
كيف كانت رحلتك التعليمية والتحديات التي واجهتها خلال الدراسة الجامعية؟
بدأت دراستي في معهد عمر بن الخطاب للمكفوفين، وبعد إكمال المراحل الدراسية المختلفة، التحقت بجامعة السلطان قابوس. كانت لدي منذ الصغر رغبة كبيرة في مواصلة التعليم الجامعي، بل كان حلمي الأساسي أن أدرس في جامعة السلطان قابوس. لذلك بذلت جهدًا كبيرًا خلال سنوات الدراسة حتى أتمكن من تحقيق هذا الهدف، وكانت هناك تحديات، لكن إدارة الجامعة قدمت دعمًا كبيرًا للطلبة المكفوفين، في البداية كانت بعض المقررات الدراسية غير متوفرة بصيغ مناسبة لنا، فلا توجد نسخ بطريقة برايل أو نسخ صوتية جاهزة، لكن مع مرور الوقت تطورت الخدمات وأصبحت المقررات متاحة بصيغ إلكترونية، وهو ما سهل علينا الدراسة بشكل كبير.
- لماذا اخترتي تخصص التاريخ؟
كنت أرغب في دراسة الإعلام، وتحديدًا الإذاعة والتلفزيون، لكن في ذلك الوقت كانت التخصصات المتاحة للطلبة المكفوفين محدودة جدًا، فقد كانت الخيارات تنحصر في عدد قليل من التخصصات مثل التاريخ واللغتين العربية والإنجليزية وعلم الاجتماع، ولذلك اخترت التاريخ باعتباره الأقرب إلى ميولي، وكانت تجربة موفقة واستفدت منها كثيرًا.
- ما الذي شكل نقطة تحول في حياتك ودفعك للاستمرار رغم التحديات؟
شغف التعلم هو العامل الأهم، فمنذ سنوات الدراسة الأولى كنت أحب القراءة والمعرفة وأحاول جاهدة تطوير ذاتي، وكان لدي هدف واضح يتمثل في الالتحاق بالجامعة، لذلك لم أكن أنظر إلى فقدان البصر على أنه سبب للتراجع أو الاستسلام، بل كنت أركز على تحقيق أهدافي وأحاول بذل المزيد من الجهد للوصول إليها.
كيف تنظرين اليوم إلى إعاقتك البصرية؟
أصبحت جزءا طبيعيا من حياتي، ولدي تقبل كامل لها، وأتعامل معها بصورة عادية جدًا، وأعتقد أن بعض أفراد المجتمع ما زالوا ينظرون إلى الإعاقة من زاوية مختلفة، لكنني أرى أن الإعاقة البصرية لا تمنع الإنسان من النجاح أو الإنجاز، ويمكن للشخص أن يحقق الكثير إذا حصل على الدعم والفرصة المناسبة.
كيف بدأت رحلتك المهنية؟
بعد التخرج كنت أرغب في خوض تجربة العمل واكتشاف بيئة الوظيفة قبل التعيين الرسمي، لذلك تقدمت بطلب تدريب إلى هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية، وقد رحبت الهيئة بالفكرة وأتاحت لي فرصة التدريب في دائرة التاريخ الشفوي وهي الدائرة نفسها التي أعمل بها حاليًا.
حيث وجدت أن طبيعة العمل تتناسب مع تخصصي الأكاديمي واهتماماتي المهنية، إضافة إلى أنها بيئة أستطيع العمل فيها بكفاءة عالية.
ما أبرز المهارات المطلوبة في عملك الحالي؟
الدقة تأتي في المقام الأول، لأننا نتعامل مع تاريخ شفوي يجب أن يتم نقله كما ورد دون زيادة أو نقصان، كما يتطلب العمل مهارات استماع عالية، هي من المهارات التي أجيدها، وقدرة على التركيز لفترات طويلة، خاصة أن بعض المقابلات تمتد لساعات.
كيف تتأكدين من صحة المعلومات أثناء التفريغ؟
أقوم بالاستماع والكتابة في نفس الوقت، ثم أراجع ما كتبته باستمرار، وبعد الانتهاء من كل جزء أعود لقراءته على الجهاز الخاص بي والتأكد من مطابقته للمادة الصوتية باستخدام السطر الإلكتروني لطريقة برايل الذي يتيح لي مراجعة النصوص والتأكد من خلوها من الأخطاء.
ما أكبر التحديات التي تواجهك أثناء تفريغ المقابلات؟
غالباً تنوع اللهجات العُمانية، فالمقابلات تجرى باللهجات المحلية وليست بالعربية الفصحى، والتي نعتمدها رسمياً لكل النصوص، فقد تكون بعض الكلمات أو المصطلحات غير مألوفة بالنسبة لي، لذلك أحتاج أحيانًا إلى البحث والتحقق من المعاني للتأكد من كتابتها بصورة صحيحة.
ما المهارات التي اكتسبتها من خلال هذا العمل؟
اكتسبت معرفة أوسع باللهجات العُمانية المختلفة، وتطورت لدي مهارات الاستماع والتركيز والصبر، وأصبحت قادرة على متابعة المواد الصوتية الطويلة بسهولة، وهو أمر قد يجده البعض مرهقًا، لكنه أصبح جزءًا من طبيعة عملي اليومية.
إضافة إلى ذلك، تعرفت على جوانب كثيرة من تاريخ عُمان وشخصياتها وأحداثها، وهو ما أثرى معرفتي بصورة كبيرة.
كيف بدأت رحلتك مع لغة برايل؟
بدأت منذ الطفولة المبكرة، وتحديدًا عندما كان عمري نحو سبع سنوات. تعلمت برايل مع بداية الدراسة، ومنذ ذلك الوقت أصبحت جزءًا أساسيًا من حياتي التعليمية واليومية.
ماذا تمثل لك لغة برايل؟
هي بالنسبة لنا وسيلة للقراءة والكتابة، مثل ما يستخدم المبصرون القلم والورقة، فنستخدم برايل للوصول إلى المعرفة، فهي اللغة التي تنقل إلينا المعلومات وتمكننا من القراءة والكتابة بصورة مستقلة دون الاعتماد على الآخرين، وفي المراحل الدراسية المبكرة تحديدًا تعتبر برايل أساسا للتعلم واكتساب المعرفة، ولذلك فإن إتقانها يمنح الشخص استقلالية أكبر في حياته التعليمية والشخصية.
هل ما زالت برايل تحتفظ بأهميتها رغم التطورات التقنية؟
نعم، تظل لغة برايل هي الأساس الذي يجب أن يتقنه كل كفيف، صحيح أن التقنيات الحديثة وفرت بدائل وأدوات مساعدة مهمة، لكنها لا تلغي أهمية برايل، فالطفل الكفيف يحتاج إليها في التعلم والقراءة واكتساب مهارات الكتابة، ثم تأتي التقنيات الحديثة لتكمل هذا الدور.
ما أبرز التقنيات التي تعتمدين عليها اليوم؟
أستخدم قارئات الشاشة الموجودة في أجهزة 'أبل' وفي الحواسيب، كما أستفيد من العديد من التطبيقات المساعدة، وخلال السنوات الأخيرة أصبح الذكاء الاصطناعي يشغل مساحة مهمة في حياتي اليومية وحياة الكثير من المكفوفين، وساعدني كثيرًا في تسهيل الوصول إلى المعلومات وتنفيذ عدد من المهام المختلفة.
حدثينا عن مبادرة 'بصيرة' ؟
جاءت فكرة المبادرة من مسابقة داخلية أطلقتها هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية لاختيار مبادرات مبتكرة ومستدامة ذات تكلفة منخفضة وتحقق فائدة للمؤسسة والمجتمع، ومن هنا كان التفكير في كيفية جعل المعرض الوثائقي في الهيئة متاحًا للأشخاص ذوي الإعاقة البصرية.
وكانت المشكلة الأساسية أن المكفوفين الذين يزورون المعرض لا يستطيعون الوصول إلى محتواه بصورة مستقلة، لأن المعلومات كانت معروضة بصريًا فقط، لذلك عملنا على توفير شروحات بطريقة برايل، إضافة إلى وصف صوتي للمقتنيات والصور والوثائق.
كيف تم تنفيذ المبادرة؟
قمنا بإعداد أوصاف تفصيلية للصور والوثائق والمقتنيات المعروضة، بحيث يتمكن الشخص الكفيف من تكوين صورة ذهنية واضحة عما يراه الآخرون، كما وفرنا شروحات مكتوبة بطريقة برايل وأخرى صوتية يمكن الوصول إليها بسهولة.
ولم تقتصر الفكرة على داخل الهيئة، بل سعينا إلى تعريف المجتمع بها، فكانت أولى الزيارات إلى معهد عمر بن الخطاب للمكفوفين، حيث عرضنا المبادرة على الطلبة والمعلمين.
كيف تقيّمين واقع تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية ؟
هناك تطور ملحوظ مقارنة بالماضي، وأصبح الوعي المجتمعي والمؤسسي أفضل من السابق، لكن ما زلنا بحاجة إلى مزيد من الجهود لتوفير بيئات عمل وخدمات ومرافق أكثر شمولاً وإتاحة.
ما الرسالة التي تودين توجيهها للشباب من ذوي الإعاقة؟
أنصحهم بألا يجعلوا الإعاقة عائقًا أمام أحلامهم، ويجب أن يثقوا بأنفسهم وأن يسعوا باستمرار إلى تطوير مهاراتهم وقدراتهم. فقد أصبحت اليوم المعرفة متاحة بوسائل كثيرة، وهناك تقنيات تساعد على التعلم والعمل والإنجاز .
كيف تصفين نفسك اليوم؟
أحرص دائمًا على تطوير ذاتي وعدم التوقف عند مرحلة معينة، أؤمن أن التعلم عملية مستمرة طوال الحياة، ولذلك أسعى باستمرار إلى اكتساب مهارات جديدة وتوسيع معارفي، وأشعر بالفخر بما حققته حتى الآن، لكنني ما زلت أتطلع إلى المزيد.
ما الشعور الذي ينتابك عندما تنجزين عملاً يسهم في حفظ التاريخ أو خدمة المكفوفين؟
شعور كبير بالإنجاز والفخر، لأنني على علم بأن هذا العمل سيساعد أشخاصًا آخرين على الوصول إلى المعرفة بطريقة تناسبهم. عندما أرى أن معلومة تاريخية أصبحت متاحة لشخص كفيف بفضل هذا الجهد، أشعر أنني حققت هدفًا مهمًا.