نقاط ضعف تعيق الإصلاح الحقيقي: الصين تسيء فهم نفسها!
الأربعاء / 8 / محرم / 1448 هـ - 21:07 - الأربعاء 24 يونيو 2026 21:07
ترجمة: نهى مصطفى
نادرا ما تفشل القوى العظمى لأنها تجهل مشكلاتها، بل لأنها تسيء فهم أسبابها الحقيقية، أو تعجز عن إدراك جذورها العميقة؛ فالقدرة على تشخيص مواطن الضعف بدقة، والتمييز بين الأزمات العابرة والخلل الهيكلي، وحشد الإرادة السياسية اللازمة لمعالجة المشكلات المتأصلة، هي ما يميز الدول القادرة على التكيف والازدهار عن تلك التي تدخل في دوامة الركود أو التراجع.
تواجه الصين اليوم مجموعة واسعة من التحديات التي تتطلب تقييما دقيقا واستجابات فعالة؛ فالنمو الاقتصادي يتباطأ، والسكان يشيخون، والنظام المالي يتعرض لضغوط متزايدة، فيما تشدد دول أخرى القيود التجارية وتوسع سياساتها الصناعية لتعزيز قدرتها التنافسية.
ولعقود طويلة، أخفى النمو الاقتصادي السريع نقاط الضعف الكامنة في النموذج الصيني، إلا أن تلك المرحلة أصبحت جزءا من الماضي. وبات قادة بكين يعترفون بهذه الضغوط وبمواطن الضعف التي تواجهها البلاد، سواء في وثائق الحزب الرسمية أو في خطاباتهم الرئيسية.
غير أن الاعتراف بالمشكلة لا يعني بالضرورة فهمها، كما أنه لا يقود تلقائيا إلى معالجتها بفعالية. فبكين تميل إلى تقديم تحديات الصين بوصفها مشكلات تقنية أو تنموية أو نتاجا لضغوط خارجية، لا باعتبارها انعكاسا لمشكلات بنيوية أعمق. ويكتسب هذا التوصيف أهمية استراتيجية لأنه يحجب جوانب الضعف السياسية والمؤسسية التي تسهم في إنتاج هذه المشكلات أو تفاقمها، مثل تركز السلطة في يد الرئيس شي جين بينج، والتوتر القائم بين التوجيه المركزي والتنفيذ المحلي، والتضارب بين القيادات العليا والكوادر التنفيذية، إضافة إلى الجمود الأيديولوجي الذي يحد من فرص المراجعة النقدية وتصحيح السياسات.
لا تقل طريقة نظر الصين إلى مشكلاتها أهمية عن المشكلات نفسها.
فعندما تقدم العيوب الهيكلية باعتبارها مجرد عقبات تقنية أو ضغوط خارجية، تصبح خيارات الإصلاح أكثر ضيقا، ويلقى باللوم على عوامل تقع خارج النظام السياسي والاقتصادي الصيني بدلا من مساءلة هذا النظام عن أوجه القصور فيه. ومن هنا تكتسب كيفية تفسير بكين لتحدياتها أهمية خاصة بالنسبة لصانعي القرار في الولايات المتحدة وأوروبا؛ لأنها تؤثر في إدارة المنافسة طويلة الأمد مع الصين، وفي تحديد المجالات المحدودة التي قد تظل فيها فرص التعاون والتفاهم قائمة.
لم يتردد القادة الصينيون، على المستوى الخطابي، في الإقرار بالتحديات التي تواجه بلادهم. ففي عام 2017، أعلن شي جين بينج أن «التناقض الرئيسي» في الصين، وفق الإطار النظري الذي وضعه ماو تسي تونج، قد تغير. فبعد أن كان التناقض الأساسي يتمثل في الفجوة بين النمو الاقتصادي والندرة، أصبح يتمثل في «التنمية غير المتوازنة وغير الكافية في مواجهة تطلعات الشعب المتزايدة إلى حياة أفضل». وبذلك أقر شي ضمنيا بأن عقود النمو السريع أفرزت مشكلات تتعلق بنوعية الحياة، مثل التفاوت في الدخل، والتدهور البيئي، وارتفاع توقعات المواطنين إلى ما يتجاوز مجرد تلبية الاحتياجات الأساسية.
كان شي صريحا بشأن مواطن الضعف التكنولوجية. فمنذ عام 2016 حين أكدت الخطة الخمسية الثالثة عشرة مجددا هدف تحقيق الاكتفاء الذاتي في الابتكار، حذر مرارا من أن «التقنيات الرئيسية والأساسية ما زالت خاضعة لسيطرة الآخرين». وحدد أشباه الموصلات المتقدمة، والبرمجيات الصناعية، ومعدات التصنيع الدقيقة، باعتبارها نقاط اختناق استراتيجية.
وتوصلت دراسات صادرة عن جامعات ومراكز أبحاث صينية إلى استنتاجات مماثلة، مشيرة إلى أن الاعتماد على التقنيات والمدخلات الأجنبية لا يزال يحد من التقدم التكنولوجي للبلاد. وردا على ذلك، وسعت بكين دعمها للقطاعات الاستراتيجية، وشجعت الاستثمار في البحث والتطوير، وأنشأت صناديق تمويل حكومية، وسعت إلى تنويع سلاسل التوريد وتقليص الاعتماد على الواردات.
تعكس وثائق الحزب الأخيرة استعدادا أكبر للاعتراف بمشكلات كان يجري تجاهلها أو التقليل من شأنها في السابق. ركزت الخطة الخمسية الخامسة عشرة على ثلاثة مخاطر رئيسية هي: الركود الممتد في سوق العقارات، وارتفاع مديونية الحكومات المحلية، وهشاشة بعض المؤسسات المالية. كما بدأت وسائل الإعلام الحزبية تتعامل مع شيخوخة السكان باعتبارها تحديا استراتيجيا يتطلب تدخلا مبكرا من الدولة.
في مواجهة هذه الضغوط، اتخذت بكين إجراءات محدودة تهدف إلى احتواء المشكلات دون المساس بأسس نموذجها التنموي. ففي قطاع الإسكان خففت شروط التمويل وزادت الدعم للمشروعات المتعثرة وشجعت برامج التجديد الحضري والإسكان الميسر. وفي القطاع المالي شددت الرقابة على البنوك الأكثر تعرضا لمخاطر العقارات وديون الحكومات المحلية، وشجعتها على الاندماج وإعادة الرسملة. أما على الصعيد الديموغرافي، فقدمت حوافز متواضعة لتشجيع الإنجاب، من بينها زيادة إعانات رعاية الأطفال، وتوسيع إجازات الوالدين، ورفع سن التقاعد تدريجيا.
تشير هذه السياسات إلى أن القيادة الصينية تدرك التحديات التي تواجهها وتسعى إلى الحد من آثارها الاجتماعية والاقتصادية. ومع ذلك، ورغم الثقة التي اكتسبتها بكين بعد استخدامها ضوابط التصدير للضغط على واشنطن خلال الحرب التجارية عام 2025، لا يزال خطابها الرسمي يتسم بالحذر. فبدلا من الاحتفاء بالإنجازات أو إعلان الانتصار، تواصل وثائق الحزب التشديد على مفاهيم المرونة والاستعداد وإحكام السيطرة.
لكن تشخيصات الحزب تكشف أيضا عما تتجاهله؛ ففي الخطابات الرسمية والوثائق السياسية ووسائل الإعلام الحكومية، تصور نقاط ضعف الصين في الغالب على أنها مشكلات تقنية مرتبطة بمرحلة التنمية التي تمر بها البلاد أو نتيجة لضغوط وسياسات خارجية، لا باعتبارها مشكلات متجذرة في بنية النظام نفسه. فهي تقدم بوصفها قصورا في القدرات، لا خللا في الهياكل والمؤسسات.
يعزو قادة بكين أوجه القصور الاقتصادية إلى المرحلة التنموية التي وصلت إليها الصين، بدلا من ربطها بنظام اقتصادي تؤثر فيه هيمنة الدولة والأولويات السياسية على عمل الأسواق. ففي الخطاب نفسه الذي أعلن فيه شي جين بينج عام 2017 التناقض الرئيسي الجديد في المجتمع الصيني، أكد أن البلاد لا تزال في «المرحلة الأولية للاشتراكية»، في إشارة إلى أن النظام القائم قادر، على معالجة التحديات الحالية من خلال الاستمرار في المسار ذاته. كما تتجنب وثائق الحزب التعامل مع تركز السلطة السياسية أو اتساع نفوذ الحزب داخل القطاع الخاص باعتبارهما مصدرا محتملا للمشكلات. وعندما يعترف بأوجه القصور في الحوكمة، يعزى ذلك عادة إلى ضعف الكفاءة أو التراخي الإداري أو الفساد، لا إلى طبيعة النظام السياسي والاقتصادي نفسه، الذي ينظر إلى استقراره باعتباره شرطا أساسيا لحل بقية المشكلات.
يؤثر هذا التباين بين تفسير المشكلات وأسبابها الفعلية في طريقة تحليل القيادة الصينية وخياراتها السياسية. فبكين تدرك أن ضعف الاستهلاك المحلي والمنافسة المفرطة يحدان من النمو الاقتصادي، ولذلك أطلقت في عام 2025 حملة للحد من المنافسة الضارة بين الشركات والحكومات المحلية عبر ضوابط للأسعار والإنتاج وتشديد الرقابة على الاندماجات والاستثمارات في القطاعات التي تعاني فائضا في الطاقة الإنتاجية. كما أطلقت عام 2024 برنامجا لتشجيع المستهلكين على استبدال الأجهزة المنزلية بهدف تحفيز الإنفاق. غير أن هذه الإجراءات لا تمس الأسس التي أنتجت تلك المشكلات، بل تقتصر على الحد من آثارها. فمعالجة السلوكيات الفردية أو تجاوزات بعض الجهات أسهل من إعادة النظر في الترتيبات المؤسسية التي تفرزها.
لهذا تميل بكين إلى تفضيل الحلول التصحيحية قصيرة الأجل على الإصلاحات الهيكلية العميقة. ويبرز ذلك بوضوح في ملف استهلاك الأسر. فرغم أن الخطة الخمسية الخامسة عشرة تضع الاستهلاك ضمن أولوياتها، فإنها لا تتعهد بزيادة حصته من الناتج المحلي الإجمالي، كما أن الموارد المخصصة لتوسيع شبكة الحماية الاجتماعية لا تزال محدودة ولا تكفي لتشجيع الأسر على زيادة إنفاقها بصورة ملموسة. أسهم برنامج استبدال السلع الاستهلاكية في رفع الاستهلاك مؤقتا خلال عام 2025، لكن أثره تراجع سريعا مع تقلص موازنته، واستنفاد الطلب الأولي على الأجهزة الجديدة. وفي المحصلة لا تختلف استراتيجية الصين الحالية كثيرا عن نهجها التقليدي القائم على توسيع الإنتاج على أمل أن تنعكس مكاسبه لاحقا على دخول الأسر. فهي تتعامل مع مظاهر المشكلة أكثر مما تعالج أسبابها، وتبقي الهياكل الاقتصادية والسياسية القائمة على حالها، ما يترك التحديات الأساسية دون حل.
ليست الصين أول قوة عظمى تجد صعوبة في إجراء الإصلاحات الهيكلية التي تتطلبها الظروف الجديدة. ففي أواخر القرن التاسع عشر ساد القلق بين النخب البريطانية من صعود منافسين أكثر ديناميكية، مثل الولايات المتحدة وألمانيا اللتين حققتا تقدما سريعا في صناعات الصلب والكيماويات والهندسة الكهربائية. وردا على ذلك سعت بريطانيا إلى توسيع التعليم التقني وتحديث قاعدتها الصناعية بالانتقال من صناعات تقليدية مثل: النسيج والفحم إلى قطاعات أكثر تقدما. غير أن هذه الجهود لم تتناول المشكلات الأعمق المتمثلة في أعباء الإمبراطورية المترامية واتساع فجوات التفاوت الاجتماعي.
غالبا ما تدرك القوى العظمى تنامي التحديات التي تواجهها قبل وقت طويل من استعدادها لمعالجة أسبابها الجذرية، وهو ما يؤدي إلى تآكل قوتها تدريجيا. ويتوقف حجم هذا التراجع إلى حد كبير على قدرة القيادة السياسية على حشد الإرادة اللازمة لتنفيذ إصلاحات جوهرية. صحيح أن التاريخ يقدم أمثلة لدول استطاعت التكيف مع التحولات الكبرى وتأخير تراجعها أو إعادة رسم مسارها، كما فعلت اليابان خلال إصلاحات ميجي في أواخر القرن التاسع عشر حين حدثت جيشها وصنعت اقتصادها وأدخلت إصلاحات دستورية لمواجهة التوسع الغربي، إلا أن مثل هذه التحولات تبقى نادرة بين القوى العظمى، وعادة ما تأتي بعد صدمات سياسية كبرى.
من غير المرجح أن يتمكن الغرب من دفع الصين إلى مواجهة نقاط ضعفها البنيوية؛ فالضغوط الخارجية لن تجبر بكين على معالجة التحديات التي تدرك وجودها أصلا، لكنها تتردد في التعامل معها بعمق. لذلك يحتاج صناع القرار في الولايات المتحدة وأوروبا أثناء صياغة استراتيجياتهم تجاه الصين، والحد من تداعيات سياساتها الاقتصادية إلى فهم دقيق لنقاط قوتها وضعفها، وتحليل الفجوة بين التحديات الموضوعية التي تواجهها والطريقة التي تنظر بها القيادة الصينية إلى تلك التحديات.
يمثل فهم هذه الفجوة عنصرا أساسيا لتجنب الأخطاء الاستراتيجية، وتقدير توجهات الصين المستقبلية بدقة أكبر؛ فقد أسهم التركيز المفرط على تحفظ الصين التقليدي تجاه التدخلات العسكرية الخارجية والتزامها الظاهري بالاستقرار الاقتصادي العالمي في التقليل من حجم الدعم الذي كانت مستعدة لتقديمه لروسيا في حربها ضد أوكرانيا. وفي المرحلة المقبلة سيكون من المهم متابعة الكيفية التي أعادت بها بكين تقييم موقعها الدولي بعد نجاحها في استخدام ضوابط التصدير للضغط على الولايات المتحدة خلال النزاع التجاري عام 2025. ففعالية سياسات الردع الغربية أو الاستجابة للضغوط الاقتصادية الصينية تعتمد إلى حد كبير على كيفية إدراك بكين لمصادر قوتها ومواطن ضعفها.
لا يرجح أن تشهد الصين انهيارا مفاجئا أو تحولا جذريا في المدى القريب؛ فالسيناريو الأقرب هو استمرار عملية تكيف طويلة مع معدلات نمو أبطأ، ومزيد من التشدد السياسي، وتزايد تغليب اعتبارات الأمن والاستقرار على اعتبارات الكفاءة الاقتصادية. وهذا مسار مألوف في تجارب القوى الكبرى؛ فقد استغرق التراجع في الإمبراطورية البريطانية عقودا من التراكم البطيء قبل أن تظهر نتائجه بوضوح.
رغم أن بكين لا تبدو مستعدة لتبني إصلاحات قد تمس الأسس التي تقوم عليها سلطتها السياسية؛ فإن نظرتها إلى نفسها وإلى موقعها في العالم تظل في حالة تغير مستمر. وفهم التحولات في تصورات القيادة الصينية لا يقل أهمية عن تحليل المؤشرات الاقتصادية والسياسية؛ لأنه يساعد على استشراف اتجاهات السياسة الصينية وتقدير مدى فاعلية أي استراتيجية غربية للتعامل معها.
فرانشيسكا جيريتي هي مديرة مبادرة الأمن الاقتصادي والمرونة وقائدة الأبحاث المتعلقة بالصين والأمن الاقتصادي في مؤسسة راند أوروبا
ترجمة عن فورين أفيرز