خليفة.. محفوفا بـ «أنين الصواري»
الأربعاء / 8 / محرم / 1448 هـ - 20:25 - الأربعاء 24 يونيو 2026 20:25
في منتصف الثمانينيّات، انتشرت أغنية للفنان خالد الشيخ، كثيرا ما ردّدنا كلماتها التي تقول: لأنك عظيم وقوي شدّيت بك راسي يا عبيد
يا عبيد أصلك وفيّ للضيق متراسي
يا عبيد
وأنت شراع خطف حط في القلب راسي
يا عبيد
ولم نكن نعلم أن وراء هذه الكلمات الساطعة مثل لؤلؤة مشعّة يقف شاعر بحريني كبير هو علي عبدالله خليفة الذي غادر عالمنا يوم الأحد الماضي، وقصيدة (يا عبيد) ليست درّته الوحيدة، ففي سجّله العديد من النصوص التي غنّاها مطربون خليجيون لعل أبرزهم الكويتي عبدالله الرويشد؛ فالشاعر الذي يُعدّ أحد مؤسّسي القصيدة الحديثة في البحرين، كتب الشعر الغنائي باللهجة العامّيّة، وكانت تشغله قضية إيصال الشعر الشعبي للجمهور عن طريق السماع لا القراءة، وضمن هذا المسعى أصدر أشرطة بصوته وألحان أحمد الجميري وخالد الشيخ وعبدالله الرويشد، عن هذا المشروع، وسواه من مشاريعه الشعرية والثقافية، وشارك في أمسية أحياها بالنادي الثقافي مطلع يناير 2019م، أدارها الصديق الشاعر والإعلامي عبدالعزيز العميري، وفي تلك الأمسية، مضينا مع الشاعر في رحلة، انطلاقا من مدينة المحرق التي ولد فيها عام 1944م ونشأ ودرج على دروب القصيدة، ثم دخل الحياة العملية، فعمل معدّا، ومقدّما لعدد من البرامج في إذاعة، وتلفزيون البحرين خلال حقبة الستينيات، وولعه بالثقافة الشعبيّة، إلى جانب اهتماماته الشعريّة التي توّجها بطباعة ديوانه الأوّل (أنين الصواري) الصادر عام 1969 م ببيروت، وكانت مغامرة بالنسبة لشاب مثله وبحسّه الظريف، روى تفاصيل تلك المغامرة، فلحسن حظّه أنه طرق باب دار نشر كان صاحبها مغرما باللؤلؤ، وحين عرف أنّه من البحرين، وضع مخطوطة الديوان جانبا، وأخذ يسأله عن اللؤلؤ، وكان يجيبه عن أسئلته، وفي نهاية الحديث، أمسك الناشر بالمخطوطة، وقال: سأقرأ الديوان، فإذا وجدت به شعرا عن اللؤلؤ سنتولّى طباعته، وسأعطيك الجواب بعد يومين، وحين عاد إليه في الموعد، رآه منشرحا، وقال له: «وجدت به لؤلؤا وفيرا، لذا سنطبع ديوانك»، وتمّ له ذلك، وصدر الديوان الذي شكّل نقطة فاصلة في الشعر البحريني الحديث، ومؤشّرا لانطلاقة جديدة عزّزها الشاعر قاسم حداد حين نشر ديوانه (البشارة) عام 1970م، والشاعر علوي الهاشمي بديوانه (من أين يجيء الحزن؟) الصادر عام 1972م، وفي مقاله (التعريف بالحركة الأدبية الجديدة في البحرين) المنشور في العدد السابع من مجلة (الأقلام) الصادر في الأول من يوليو 1975م ص97، أشاد الناقد أحمد المناعي بالشاعر علي عبدالله خليفة وقال في قراءته لهذا الديوان إنه استطاع «أن يكوّن له لغة جديدة تشعّ من حولها هالة متميّزة في الأداء الفني، وانتقاء الألفاظ الملائمة الموحية داخل إطار من المحافظة على جزالة العبارة، والوزن الحر الملتزمة بقافية شطرية والاستفادة من التراث الشعبي، وخاصة ما يتعلق بحياة الغوص ومصطلحاته»، وكان البحر العمود الفقري للديوان. يقول خليفة:
واحذر البحر
ففي البدء الدوار
عاصف يأتيك محموم الأوار
زادنا تمرُ نُخيلات عجاف
عاث فيه الدود وطرا ثمّ عاف
بعد أرز قدره قدر الكفاف
بعد تلك الانطلاقة، ساهم في الحياة الثقافية، فتوالت أنشطته، ومنها: إنشاء دار الغد للنشر والتوزيع في السبعينيات، وتأسيس مركز التراث الشعبي لدول الخليج العربية في الثمانينيات، والمشاركة في تأسيس المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالبحرين في التسعينيات، والملتقى الثقافي الأهلي، وتأسيس وإدارة البحوث الثقافية بالديوان الملكي، إصدار مجلة (الثقافة الشعبية)، وإنشاء منتدى البحرين للكتّاب، وقبل كلّ ذلك كان من مؤسّسي أسرة الأدباء والكتّاب في البحرين في عام 1969 إلى جانب قاسم حداد وعلوي الهاشمي، ومحمد جابر الأنصاري، وأحمد المانعي، وحمدة خميس، وآخرين، وشارك في أول أمسية شعرية للأسرة أقيمت بنادي النسور في 3 يناير 1970م، ونال عددًا من التكريمات والأوسمة، ويروي حكاية طريفة عن حصوله على وسام الكفاءة من تونس، ففي مارس عام 1973 احتضنت تونس مؤتمر الأدباء العرب في دورته التاسعة، ورافقه مهرجان الشعر الحادي عشر، فذهب للمشاركة بصفة شخصية، وحين علم المشاركون بحضوره طلبوا منه إلقاء قصيدة في حفل الافتتاح، وكان برعاية، وحضور الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة، فارتقى المنصة، وألقى قصيدة وصفها بـ«الحماسية» فصفّق بورقيبة له، وحين نزل عن المنصّة، نهض من مكانه محيّيًا الشاعر الشاب النحيف، ونهض الجميع، فاتّجه لتحيته، وخلال ذلك همس في أذنه: أريد أن أراك غدا، فخشي الشاعر أن يكون قد أخطأ، وربما بالغ في «الحماسة»، خصوصا أنّ اسمه لم يكن مدرجا ضمن برنامج المهرجان، وحين علم الأمين العام لاتحاد الأدباء والكتّاب العرب، يومها، الراحل يوسف السباعي، وكان مطلوبا منه أن يكون معه في لقاء الرئيس، سأله عن سبب استدعائهما، فأجابه «لا أدري، ولكن الأخوة يقولون بأن قصيدتك كانت حماسية «فسأله» ولماذا قرأتها؟ أليس الأحرى بك أن تقرأ نصّا آخر أقلّ حماسة؟ كيف سنخرج من هذه الورطة؟»، ولم يعرف بماذا يردّ، وفي اليوم التالي أخذتهما سيارة خاصّة إلى مقرّ الرئيس، فإذا به يرحّب بهما، ويقول لخليفة: طلبناك لنقلّدك وسام الكفاءة، لشدّة إعجابه بقصيدته، فقلّده الوسام الذي بقي يعتزّ به إلى يوم رحيله، محفوفا بأنين الصواري.
عبدالرزّاق الربيعي شاعر وكاتب عماني