سمير قسيمي: لا أبحث عن الإطراء إنما القراءة المتأنية
ينتمي لجيل يحمل في ذاكرته عبء الماضي
الأربعاء / 8 / محرم / 1448 هـ - 20:21 - الأربعاء 24 يونيو 2026 20:21
تثير رواية الكاتب الجزائري سمير قسيمي الأحدث 'الكهل الذي نسي' أسئلة خاصة عن السلطة والتحكم والنسيان والذاكرة، فالبطل الكهل فاقد الذاكرة يعيش في مؤسسة طبية غامضة تحت إشراف طبيب عسكري، بينما تراقبه سلطة ما من بعيد، وكذلك يعاني البطل الثاني الكاتب من جفاف إبداعي، ثم يتلقى دعوة لينضم إلى دائرة غريبة وسرية هي 'دائرة الكُتَّاب المجهولين'، التي تحاول إنقاذ المبدعين من براثن الفشل.
يُنظَر إلى تجربة سمير قسيمي الإبداعية باهتمام في الجزائر وخارجها، بعد تجربة مميزة مع الرواية، أسفرت عن أعمال لاقت نجاحاً نقدياً وحصلت على عدة جوائز وتُرجِم بعضها إلى الفرنسية مثل 'يوم رائع للموت'، و'حبٌّ في خريف مائل'، و'الحماقة كما لم يروِها أحد'، وقد وصلت رواياته إلى القوائم القصيرة في جوائز عربية وأجنبية مثل جائزة العالم العربي للأدب بباريس وجائزة مارنوستروم. هنا حوار معه حول روايته الجديدة وعالمها المثير.
-لماذا اخترت أن تمنح اسمك 'سمير' لأحد أبطال الرواية؟
اختياري اسم 'سمير' لأحد أبطال الرواية لم يكن محض صدفة، بل كان قرارًا واعيًا يهدف إلى طمس الحدود بين الكاتب والشخصية، بين الواقعي والمتخيل. أردت أن أجعل من 'سمير' هذا، مرآة تعكس جزءاً من قلقي الوجودي، وتساؤلاتي حول الهوية والذاكرة وعملية الكتابة ذاتها. هو ليس أنا تماماً، ولكنه يحمل شظايا مني، من هواجسي، من بحثي الدائم عن المعنى في فوضى العالم. إنها محاولة لإضفاء طابع شخصي عميق على السرد، وجعل القارئ يتساءل عن حقيقة ما يقرأ، وعن العلاقة بين المبدع وإبداعه.
-ما الرابط بين كهل فاقد للذاكرة وكاتب يعاني عجزاً إبداعياً؟
لم يعانِ 'كهل' الرواية من أيّ عجز إبداعي، بل عانى من عجز في مواجهة ذاته المدَّعية الإبداع، فالرابط هو بين الكهل فاقد الذاكرة وبين الكاتب الذي يواجه رغبة قديمة في كتابة رواية مختلفة، قد تمثل حياته أو ما يرغب في أن تكونه، هو جوهر الرواية. الكهل يمثل الماضي المفقود، الذاكرة الجمعية الممزقة، أو ربما الأنا التي تاهت في زحمة الأحداث. أما الكاتب، فهو يمثل محاولة استعادة هذا الماضي، إعادة تجميعه، ومنحه صوتاً، ولكن ليس من خلال عجز إبداعي، بل من خلال رغبة ملحة في تجاوز السائد وتقديم رؤية جديدة. هذه الرغبة في كتابة رواية مختلفة ليست مجرد طموح فني، بل هي انعكاس لبحث أعمق: بحث عن فهم الذات، عن فهم التاريخ، عن فهم المجتمع بطريقة غير تقليدية. الكتابة في هذه الرواية ليست ترفاً، بل هي ضرورة وجودية، محاولة أخيرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من النسيان، ولإعادة تشكيل الهوية من شظايا الذاكرة. كما أن رموزا مثل الدائرة والنقطة والثعبان لم تكن مجرد رموز، بل هي تجليات لهذا الصراع بين الوجود والعدم، بين التذكر والنسيان، وبين السرد التقليدي والرغبة في التجديد.
-هل تكتفي السلطة بالمراقبة في الرواية؟
السلطة في 'الكهل الذي نسي' لا تكتفي بالمراقبة، بل تتجاوز ذلك إلى التلاعب بالذاكرة والهوية. إنها سلطة خفية، متغلغلة، تعمل على محو الأفراد وإعادة تشكيلهم وفقاً لأجنداتها. 'العقيد' والمصحة العسكرية الغامضة يمثلان هذه السلطة التي لا تكتفي بالسيطرة الجسدية، بل تسعى للسيطرة على العقل والروح. تحويل الكهل إلى مجرد رقم، ومحاولة إجباره على نسيان اسمه، هو أقصى درجات القمع، قمع الوجود ذاته. إنها سلطة لا تريد فقط أن تراقب ما تفعله، بل أن تملي عليك من تكون، وماذا تتذكر، وماذا تنسى. هذا يعكس رؤيتي للسلطة في سياقات معينة، حيث يصبح التحكم في السرد التاريخي والذاكرة الجمعية أداة أساسية للحفاظ على هيمنتها.
-هل العودة إلى الماضي هدفها إبراز تأثيراته على الشخصيات الآن؟
بالتأكيد. الماضي في 'الكهل الذي نسي' ليس مجرد حكايات عابرة، بل هو نسيج واقعي وعجائبي في الوقت نفسه، نسيج حي يتفاعل مع الحاضر ويشكل الشخصيات. العودة في هذه الرواية بالتحديد إلى الثمانينيات والتسعينيات، وإلى ماضي الأب الغامض، ليست نوستالجيا شخصية، بل هي محاولة لفهم الجذور العميقة للأزمات الراهنة. كلُّ شخصيات الرواية هي نتاج لهذا الماضي، سواء أدركت ذلك أم لا. الصدمات، الخيبات، الأحلام المجهضة، كلها تركت بصماتها على الحاضر. إنها دعوة للتصالح مع الماضي، أو على الأقل، دعوة لمحاولة فهمه بعيداً عن التاريخ الرسمي الذي كثيراً ما أصبح مادة الرواية التاريخية في العالم العربي، الرواية التي لا أعتقد أنها تضيف شيئاً للأدب بقدر ما تسعى لتدجيننا. لا بدَّ أن نسعى للتصالح ولفهم تاريخنا الحقيقي حتى لا يظل شبحاً يطاردنا ويحدد مصائرنا دون وعي منا. الذاكرة هنا هي مفتاح التحرر، أو على الأقل، مفتاح الوعي بالقيود.
-ماذا يشدك باعتبارك روائيًا إلى الثمانينيات والعشرية السوداء 'التسعينيات'؟
الثمانينيات والعشرية السوداء في الجزائر تمثلان فترة مفصلية في تاريخ بلادي، فترة مليئة بالتحولات العنيفة والصدمات العميقة التي ما زالت تلقي بظلالها على حاضرنا. يشدني إليها كروائي كونها حقبة غنية بالدراما الإنسانية، بالأسئلة الوجودية، وبالصراعات التي شكلت الوعي الجمعي والفردي. هي فترة شهدت انهيار اليقينيات، وصعود العنف، وتآكل الثقة. هذه الأحداث ليست مجرد وقائع تاريخية، بل هي تجارب إنسانية عميقة تستحق أن تُروى وتُحلَّل من منظور أدبي. إنها محاولة لفهم كيف يمكن لمجتمع أن يمر بمثل هذه التحولات، وكيف تتأثر الذاكرة الفردية والجمعية بهذه الصدمات. روايتي هي محاولة لإعادة بناء هذه الشظايا، وتقديم قراءة فنية لما حدث، بعيداً عن السرديات الرسمية.
-هل واجهت صعوبات أثناء الكتابة في الربط بين المسارات الثلاثة للرواية؟
بالتأكيد، كانت هذه من أكبر التحديات، وهو تحدٍ أعتقد أن لجنة قراءة دار النشر ومحرريها الأدبيين شاركوني فيه، إن لم أقل تورطوا به، فالربط بين مسار الكهل في المصحة، ومسار سمير الكاتب، ومسار سمير عمارة الوصفان الغامض، كان يتطلب دقة شديدة وتخطيطاً محكماً، وفي الوقت نفسه مرونة تسمح للسرد بالتنفس. كان الهدف هو خلق نسيج روائي متماسك، حيث تتداخل هذه المسارات وتتفاعل، لتكشف عن حقيقة واحدة متعددة الأوجه. الصعوبة تكمن في الحفاظ على إيقاع السرد، وتجنب التشتت، وضمان أن كل مسار يخدم الآخر، وأن جميع الخيوط تلتقي في النهاية لتشكل لوحة متكاملة. الأمر أشبه ببناء متاهة معقَّدة، حيث كل منعطف يقود إلى اكتشاف جديد، وكل شخصية تحمل جزءاً من اللغز. لكن هذه الصعوبات هي التي تمنح العمل عمقه وتعقيده، وتجعله تجربة فريدة للقارئ، الذي أتصوره كما يرغب البعض في وصفه كسولاً لا يحب الروايات المشتغلة على ذاتها أسلوبياً وعلى مستوى التقنيات والبناء.
-يتحدث البطل عن 'عشر روايات مرفوضة'.. هل هذا هو أكبر مخاوف كاتب؟
'عشر روايات مرفوضة' هي رمز لمخاوف الكاتب الوجودية، وليست مجرد إشارة إلى الفشل في النشر. إنها تعبر عن الخوف من العجز الإبداعي، من عدم القدرة على إيجاد الصوت الخاص، من عدم القدرة على اختراق جدار الصمت أو النسيان. أكبر مخاوف الكاتب ليس الرفض بحد ذاته، بل أن يكتب ولا يجد صدى، أن يكتب ولا يترك أثراً، أن يكتب ولا يستطيع أن يعبِّر عن الحقيقة التي يسعى إليها. إنها مخاوف تتعلق بالجدوى من فعل الكتابة، وبمدى قدرة الكلمات على إحداث فرق في عالم يميل إلى النسيان والتجاهل. هذه الروايات المرفوضة هي أشباح تطارد الكاتب، وتذكره بحدود قدرته، وبصعوبة مهمته لكن الرفض هنا ليس من 'الآخر' المتلقي، بل من 'الأنا' المبدعة.
-عملت بالمحاماة والصحافة والتحرير الأدبي.. ماذا منحك كل عمل؟
كل تجربة من هذه التجارب منحتني زاوية رؤية مختلفة، وأثرت تجربتي كروائي بشكل عميق، فالقانون منحني القدرة على تحليل الوقائع، وفهم تعقيدات المجتمع والعدالة، وكيف يمكن للسرد أن يشكل الحقيقة في قاعة المحكمة. علَّمني أيضاً كيف أبحث عن التفاصيل الدقيقة، وكيف أبني حجة متماسكة، وكيف أرى الجانب الإنساني في كل قضية، حتى في أكثرها جفافاً. كما كشف لي عن الجانب المظلم من النفس البشرية، وعن الصراعات الخفية التي تدور خلف الكواليس. أما الصحافة فمنحتني حساسية خاصة تجاه الأحداث الجارية، والقدرة على التقاط نبض الشارع، وفهم آليات صناعة الخبر وتأثيره على الرأي العام. علمتني السرعة في الكتابة، والقدرة على التكثيف، وكيفية التعامل مع المعلومات المتضاربة. كما قرَّبتني من الواقع الاجتماعي والسياسي، وكشفت لي عن قصص لم تروَ بعد، وعن أصوات لم تُسمَع. في حين منحني التحرير فهماً أعمق لبنية النص الأدبي، وكيفية صقل اللغة، وتطوير الأسلوب. علَّمني كيف أقرأ بعين ناقدة، وكيف أرى الإمكانات الكامنة في النص، وكيف أساعد الكاتب على إخراج أفضل ما لديه. كما أتاح لي فرصة التعرف على أعمال كُتَّاب آخرين، وفهم تنوع الأصوات والأساليب في المشهد الأدبي.
كل هذه التجارب تداخلت لتشكل رؤيتي للعالم وللكتابة، وجعلتني أدرك أن الرواية هي الفضاء الأرحب الذي يمكنني من خلاله دمج كل هذه الأبعاد، وتقديم قراءة شاملة للواقع والإنسان.
-ما هو جيلك في الجزائر وعربياً؟ هل أنت مهتم بالتصنيف الجيلي؟
أنا لا أؤمن كثيراً بالتصنيفات الجيلية الصارمة، لأن الإبداع يتجاوز هذه الحدود الزمنية الضيقة. ومع ذلك، إذا كان لا بد من تصنيف، فأنا أنتمي إلى جيل من الكتاب الجزائريين والعرب الذين عايشوا تحولات كبرى، وشهدوا صعود وسقوط أيديولوجيات، وعاشوا فترات من العنف والاضطراب. جيل يحمل في ذاكرته عبء الماضي، ويسعى جاهداً لفهمه وتجاوزه من خلال الكتابة. نحن جيل يطرح أسئلة عميقة حول الهوية، الذاكرة، العدالة، ومستقبل الأوطان. لست مهتماً بالتصنيف الجيلي بقدر اهتمامي بالأسئلة التي يطرحها العمل الأدبي، وبمدى قدرته على التفاعل مع القضايا الكبرى التي تشغل الإنسان في كل زمان ومكان.
-كيف ترى متابعة النقد لأعمالك.. هل ترضيك؟
النقد هو جزء لا يتجزأ من العملية الإبداعية، وهو ضروري لتطور الكاتب ونضج أعماله. أرى أن النقد الجاد، الذي يتعمق في النص ويحلل بنياته وأبعاده الفكرية والفنية، هو ما أطمح إليه. لا أبحث عن الإطراء بقدر ما أبحث عن القراءة المتأنية التي تكشف عن جوانب قد لا أكون قد وعيتها تماماً أثناء الكتابة. هل ترضيني؟ أحياناً، وأحياناً أخرى لا. النقد، كأي فعل إنساني، يتأثر برؤى الناقد وخلفياته. المهم بالنسبة لي هو أن يفتح العمل حواراً، وأن يثير تساؤلات، وأن يدفع القارئ والناقد إلى التفكير، وهو بلا شك ما حققته كل أعمالي بلا استثناء. عندما أرى أن النقد يتفاعل مع عمق الرواية، ومع أسئلتها الوجودية والتاريخية، فهذا يشعرني بالرضا؛ لأنه يعني أن العمل قد وصل إلى المتلقي، وأنه أحدث الأثر المرجو منه. حتى النقد الذي يختلف معي، إذا كان مبنياً على قراءة واعية، فهو يثري التجربة ويفتح آفاقاً جديدة للتفكير.