عمان الثقافي

إصبعٌ زائدة في الجسد الميِّت

 

هدى حمد

عرفوا أنَّ الأمَّ الميّتة تأتي لزيارتهم ليلا. عرفوا ذلك من الإصبع السادسة في يدها اليمنى وهي تتحسَّسُ أجسادهم المتراصَّة تحت دِثارهم. يُخبر كلُّ واحد منهم الآخر في الصباح عن الأمّ الميّتة التي جاءت، وعن نتوء الإصبع الذي لامس جلده. إلَّا أوسطهم، كان يبكي لأنَّها لم تأتِ إليه ولم يحسَّ بها. يُصرُّ إخوته: «لقد أتت، ربما أنت لم تنهض، ربما كان نومك ثقيلا». لكنَّه ينفضُ رأسه بعجز مُضن أنَّها لم تفعل.

يتدافع الإخوةُ بالمناكب أمام والدهم ليقصُّوا عليه قصصَ زيارة أمِّهم الميِّتة. يُحدِثون جلبة في المكان لا تُطيقها المرأةُ صاحبةُ الجسد الرجراج، وهي ترقبهم عن كثب بزاوية عينها. كلُّ واحد منهم يُضيفُ تفصيلا جديدا إلى قصَّة الأمس، بينما يلوي الابنُ الأوسط حاجبيه مُستنكرا أنَّها لم تلمس جسده كما فعلت مع إخوته!

قالت له الأخت الكبرى: «عليك ألَّا تنام، سوف تأتي وتلمس جسدك.. أنا متأكِّدةٌ أنَّها ستفعل». ينامُ إخوته الأربعة على نحو متراصّ؛ تقتسمُ أختاه دِثارا واحدا من الصوف، ويقتسم أخواه آخر. ويتغطَّى هو بدِثار صغير رقيق بينهم، يدفعه إلى أن يلوي جسده مرارا، ويُخبِّئ يدَيْه بين فخذَيْه ليحصل على بعض الدفء. يبقى لساعة أو لساعتَيْن يقاوم سقوط رأسه المتثائب.. لكنَّ الأمَّ الميِّتة لا تأتي!

في الصباح يتأبَّط الإخوةُ الخمسة أذرعَ بعضهم بعضا، كيلا يضيع أحدهم، كما ضاعت الأمُّ، في مشيهم الطويل وراء قطعان الماعز. كانوا في أعمار متقاربة حتى لتظنَّهم توائمَ متشابهة لفرط ضآلتهم وقِصَرِ قاماتهم. ولم يكن لأحدهم أن يمنع صعود الآخر على كتفَيْه لجني النبق في الشتاء ورُطَبِ النخل في الصيف.

عند عودتهم إلى البيت ينظرون إلى الجسد الرجراج، إلى اهتزاز وركي زوجة أبيهم وحركتها الكسلى في ثوبها الناعم، من دون أن تنهض لتصنع لهم طعاما. لم يمضِ شهران على وفاة أمِّهم حتى دخلت من ذات الباب الذي خرجت منه أمُّهم إلى المقبرة. وبقدر ما تودَّدت إليهم بادئَ الأمر، بدا من غير اليسير عليهم الاستجابة لها. بدت نقيضَ أمِّهم النحيفة خفيفةِ الحركة، اليقِظةِ التي لا تغفل ما يعتري حياة أبنائها من أحداث وقصص.

كان على البنت الكبرى أن تصير أمّا لإخوتها، وأن تتوقَّف عن الذهاب إلى الرعي، لتطهو طعامهم وتغسل ثيابهم وتنظِّف بيتهم من دون أن يطلب منها أحدٌ فعلَ ذلك. فعلت ما تمليه عليها أمُّها ليلا هامسة في أذنها. فهمست هي الأخرى في آذان إخوتها وهم يجلسون فوق صخرة يرقبون قطيع الأغنام المتسلِّل إلى بطن الوادي، بينما تميل الشمس بحمرتها القانية جهةَ الغرب لتختفي بتمهُّل مُعذِّب.

ينظرُ الابنُ الأوسط إلى وجوهِ إخوته المتغضِّنة من فرط النعاس وقتَ نهوضهم الباكر، استعدادا لأخذ قطيع أغنامهم قبل أن يتبيَّنوا الخيط الأبيض من الأسود. ويفزعه على نحو لافت الشبهُ الخافت بينهم وبين أمّهم الميِّتة. يأخذون شيئا منها، ملامح لم ينتبه لها من قبل: اتِّساعُ الأعين والأنفُ المستدقُّ لدى أخوَيْه، والشفاهُ الرقيقة والشعرُ المسترسل لدى أختَيْه. ويفكِّر فيما لو كان قد ورث منها شيئا ما!

يتملَّكه شعورٌ قاس بأنَّها تعافُ النظرَ إليه. ففي كلِّ صباح يحكي الإخوةُ الأربعة عمَّا حدث ليلا، فيزمُّ شفتَيْه ويكتم غيظه، بينما يُصغي والدُه إليهم بجذل. حكت الأختُ الصغيرة بكلمات متلعثمة أنَّ أمَّها اقتربت منها لدرجة أنَّها كانت تسمع صوت الفضة الملضومة تدقُّ على جيدها، وتجلجل في يديها على نحو متتابع. أمَّا الأختُ الكبرى التي ذهبت إلى فراشها مُعكَّرة الصفو من فرط الصداع الذي يُلازمها، فحكت لأبيها أنَّ الأمَّ الميِّتة اقتربت منها الليلة الماضية وأخذت تنفخ في شعرها وتدلِّك أعلى جبهتها وتغنِّي لها تهويدات النوم القديمة، إلى أن خفَّ وجعُ رأسها ونامت مطمئنَّة. وقال الأخُ الثاني إنَّها بسطت يدها على طول ظهره وغمرته بالدفء لليلة كاملة، وكانت تُقرِّب وجهها من وجهه فينعم برائحة محلَبِها، حتى إنَّه، لمرَّة أو مرَّتَيْن، رفع يدَيْه وطوَّق وجهها الدائري وهو مُغمض العينَيْن. أمَّا الأخُ الأصغر فصحا من النوم وفي خنصره خاتمُ الفضة الذي أضاعته الأمُّ قبل موتها. أخبرهم والدمع يترقرق من عينَيْه، أنَّه شعر بجلد بارد فوق جلده، بيد ذات إصبع زائدة فوق يده، وأخذ ينشج بالبكاء وهو يُدير خاتم الفضة الذي يتَّخذ شكل نجمة، وكان واسعا على خنصره، ولم يستطع أحدٌ منهم تكذيبه؛ فقد انحنى الوالد وترك قبلة فوق خنصر الصغير، ثمَّ انتزع الخاتم برفق، ووعده أن يُعطيه إيَّاه ما أن يغدو ملائما لمقاس إصبعه.

ربَّت والدُهم على أكتافهم واحدا واحدا وقال بصوته الواثق: «إنَّها تفعل ذلك مع من تحبُّهم». ارتعد جسدُ الأوسط وارتجف، غير قادر على أن يقصَّ قصَّة عن الأمّ التي لا تزوره. حتى إنَّ والده أدار وجهه إليه، وحين لم يفتح فمه بكلمة أشاح بنظره عنه. يُحدِّق في الأرض بوجه جامد، ورغم أنَّ أحدا لم يُعايره يوما بغيابها عنه، إلا أنّه أخذ يفكّر في الأسباب التي تجعلها تهجره على هذا النحو.

تذكَّر الأوسط آخر دعوة له من أبيه أن يُلقي نظرة على وجه أمِّه الميِّتة قبل دفنها، لكنَّه آثر أن يُغمض عينَيْه عنها، بينما نظر إخوته إليها. عنقٌ مُهشَّم، والعينُ اليمنى تالفة، وشقٌّ ممتدٌّ من أعلى الجبهة حتى الشفة السفلى؛ هذا ما قاله الإخوةُ والجيران في أحاديثهم حين أبلغهم أنَّه لم يفتح عينَيْه ولم ينظر. كان الحادثُ بشعا، ولم يرغب في أن يحتفظ بصورة مماثلة كهذه في رأسه.

فكَّر إن كان هذا هو السبب الذي يجعلها لا تأتي إليه، ولا تنظر في عينَيْه كما لم ينظر هو. لا تنفخ في رأسه، لا تمرِّر إصبعها السادسة فوق جسده، لا تغنِّي له... لا...

في النهار يُناكد بعضهم بعضا ويتشاجرون على نحو لا تحتمله زوجة الأب التي لا تتورَّع عن رفع عصاها لضربهم ورفع صوتها بشتائم للأمّ التي لم تُحسن تربيتهم. لكنَّهم في الليل يتجاورون ويتشاركون الغطَاءَيْن، فيصبحون جسدا واحدا مشتبكا، والأوسط هو الحلقة الممتدَّة الواصلة بين الدِثارين. وبينما تُصدر البوم نعيقها المخيف خلف نخيل المزرعة، تأتي الأمّ لتنفخ الدفء فوق أجساد أبنائها المفضَّلين.

ينهض الأوسط ليجلس بينهم منتظرا أن تشفق عليه، مُعتذرا لأنَّه لم يفتح عينَيْه وينظر لوجهها وعنقها المُشوَّهين. جافاه النوم لساعات ولم تحفل أمُّه به. ينظر إلى ضوء السراج الموشك على الانطفاء، ويتأمَّل مقبض الباب الخشبيّ حيث يتوقَّع أن ينفتح في أيّ لحظة. لكن لا شيء سوى حركة الكائنات الليليَّة وأصواتها المرتعشة المتناوبة. ينظرُ لأجساد إخوته المتمدِّدة، أذرعهم المنبسطة المتلاحمة. وفجأة، التقط أنفه رائحة شوالات التمر المرصوصة منذ الصيف الماضي في المخزن، والفئران الميِّتة في مصائدها. ارتخى جسده من فرط التعب، واستحوذ التثاؤب عليه. فتح عينا وأغلق الأخرى.

ثمَّ رأها.. رأى أمَّه الميِّتة جالسة تطوي ثوبها النيلي أسفلها. وجهها المعاتِب شديد الشحوب، وفي عينَيْها نظرة لوم. خيط الدم يسيل من شقّ أعلى جبهتها ليتقاطع مع فمِها المثلوم من طرفه، شعرها غير المضفور ملتصقٌ بوجهها المعفَّر بالطين. إصبعها السادسة مبتورة والدم ينسكبُ من وجهها كعروق شجرة فوق ثوبها، ثمّ انتبه إلى أنّ فمها مخيط؛ فمهما حاولت أن تبعث الكلمات إليه، ومهما انتفخت أوداجها بها، لا تبلغه ولا تصله.

هزَّته أخته الكبرى عدَّة مرَّات كي يصحو من صراخه اللَّيلي. استيقظ لاهثا، فوضعَت كوب الماء بين يدَيْه، واستمرَّ خفقانه المتواصل وارتجافه اللَّامحدود. وضعت رأسه الصغير فوق حجرها وشرعت تمرِّر يدها فوق شعره المتعرِّق لتهدئة روعه، وهي تقرأ الآيات القصار التي حفظتها عند معلم القرآن.

في اليوم التالي صحا بخمول شديد، ولم يستطع أن يُغذّ السَّير كما كان يفعل عادة. جاءت الأخت الثانية ورفعت يده على كتفها بعد أن لاحظت خطواته المترنحة المتهالكة، وبدا وكأنَّها تجرُّه جرّا إلى الصخرة التي تعوَّدوا الجلوس عليها. لكنه لم يخبر إخوته عمَّا رأى في حلمه رغم إصرار أخته الكبرى.

وبعد أن أخذ قسطا من الراحة، استيقظ على لسَعات الشمس المتوهِّجة أعلى وجنتَيْه، ومضى خلف قطيع الماعز والنعاج، يهش عليها بعصاه. فكَّر: ماذا لو أنَّه نظر إلى وجهها المفلوق في ذلك الصباح المشؤوم، ونظر إلى قدمَيْها مثلا؟ هل كانت ستسامحه؟ لو نظر لأصابعها ورفعها إلى فمه وقبّلها وأغرقها بدموعه الصافية، أكان ذلك سيغيّر شيئا؟ لو سمح لإصبعها السادسة أن تمرّ فوق وجهه... أكان... أو اكتفى بتمرير يده على شعرها المفروق بعناية من منتصفه..!

يتجاور الخمسة في النوم، ويُبقِي الأوسط عينَيْه مفتوحتَيْن للمرَّة المائة، يُرخي معقمة دشداشته ويُعاهد نفسه ألا ينام فيخسر الرهان ككلِّ مرَّة. لكنَّه في تلك الليلة المقمرة، رأى أيدي إخوته تمتدّ جميعها على نحو مفاجئ، تنسلُّ من تحت الأغطية لتحضن شيئا لا يراه. تغمر وجوههم سعادةٌ مفرطة. يتغضن وجهه، تطرف عيناه فيختبئ تحت دثاره، ويجذب دثارَي إخوته من فوق أجسادهم المخدَّرة، يرتعش لساعات قبل أن تأخذه سِنةُ نوم ويهمد ارتعاشه.

الشيءُ الذي انتبه له على نحو مفاجئ في الأيام التالية أنَّه نسي وجه أمِّه؛ حُذف تماما من ذاكرته، ولم يَعُد قادرا على تذكره. أراد أن يحذف جسدها المهشم فحذف وجهها بأكمله! وليس لأمِّه صورةٌ كتلك التي يعلّقها الناس على جدران بيوتهم في القرى الحضرية البعيدة، تلك التي لمَحها في المرّات القليلة التي دخلوا فيها البيوت ليشربوا الماء، بعد أن باعوا بصحبة والدهم بعضَ رؤوس أغنامهم. لقد نسيها على نحو لا يمكن احتماله.

كلّ ما استطاع أن يراه في مخيِّلته التي اعتصرها، يدَي أمِّه وهي تُدخل الحملان الصغيرة إلى الحجرة الطينيَّة خشية أن تنفق بسبب البرد. يدها اليمنى تمتدُّ إلى مخرج الحياة فتنتشل السِّخال والعجول المحشورة في أرحام أمهاتها، فتخرج أجسادها اللزجة الممتلئة بالثغاء والخوار. يداها تنتفان القُراد من ماشيتها وتضعان عجينة الأعشاب فوق الديدان التي تصيبها بالحكاك. يدان ترفعان أخاه الصغير عاليا وتعودان لالتقاطه بمهارة. يدان تعجنان وتخبزان وتمخُضان ما تحلبه من أبقارها. يدان إحداهما تمدُّ رقبة الدجاجة والأخرى تحزّ العنق بمهارة منقطعة النظير، فيشهد أبناؤها نافورة دم ساخن فوقهما. يدَان تحملان وِقر الحشيش فوق رأسها، أو قفيرا مكتنزا بالتمر يُخفي وجهها. يدان تدسّان الطعام والدواء العشبي في أفواه أبنائها ما أن يمرضوا.. لكن لا وجه الآن... لا وجه...!

في مساء مواراة أمِّه القبر، لفتت نظر الابن الأوسط بقع دم بالغة الصغر ناشفة فوق دِثاره الذي سُجيت فوقه الجثَّة، بدت البقع وكأنَّها جزءٌ من نقشه ولونه القاني، كأنَّ تلك الطرطشة ماثلة فيه منذ نسجها البدئي. وعندما سأل أخته الكبرى، أكدت أنَّها لا ترى البُقع وأنَّه واهمٌ لا محالة. وكذلك فعل إخوته المتضاحكون الشامتون. بدا لهم الأمر كما يفعل عندما ينام فوق صخرته في المرعى فيشتبه الغيم عليه، فيراه بصوَر شتَّى، ويحكي لهم قصص ما يزهر على حافات المرعى قبل أن يدوسه القطيع، وعمَّا يدور في الحظائر المُغلقة بين الحيوانات ما أن يتركوها وحدها في الليل.

لكنَّ تلك السخرية سرعان ما تخمد ما إن يتذكَّروا أنَّ جسد أمِّهم الذي لم يَعُد يبيتُ معهم في البيت يتوارى في حفرة بعيدة. وكان هذا التصور يجعلهم ينشجون بالبكاء إلى أن يغلبهم النوم.

في صباح اليوم التالي لوفاة أمِّهم، كان عليهم أن يتدبَّروا أمرهم، فوالدهم حزين وخائب الرجاء. حلبت الأخت الكبرى بقرة أمِّها وأخرجت لهم بعض التمر وخبزا بائتا خبزته الأمّ قُبيل فجر الأمس. أكلوا بصمت مطبق، ووعدتهم الأخت الثانية إن باضت الدجاجة أن تعدّ لهم البيض على العشاء. ثمَّ خرجوا خلف القطيع كعادتهم في ثاني يوم للوفاة.

حدث شيءٌ لم يره أحدٌ سوى الابن الأوسط، عندما ذهب إخوته للرعي. فضَّل الأوسط أن يبقى كعادته مختبئا في مخزن التمر ليلعب لعبة بخياله؛ فلا شيء يسرّ خاطره قدر سروره بتقاطع خطوط الضوء والعتمة. أحدهما يعاند الآخر بتصميم، المخزن عائم في العتمة والضوء يتسلل من شقوق الباب المهترئ.

لكن في ذلك الصباح نشب عراك تخلله سباب غير مُعتاد. اشتبكت الأيدي، ورفع والده والدته عدَّة مرَّات بيديه، ثم جعل جسدها الهزيل يرتطم بكلِّ شيء في البيت. تصرَّف والده بطريقة غير مألوفة، ظنّا منه أنَّ الجميع في المرعى. لكنَّ الثقب الصغير في باب مخزن التمر كان كافيا لكشف الجسدَيْن المشتبكَيْن وخيط الدم الذي سال من مكان يجهله. تجرع الابن الأوسط ريقه عدَّة مرَّات، ما إن كُتم صوت الأمّ الصارخ، واختفت الجلبة على نحو مباغت.

عندما هدأ المكان، خرج الأوسط راكضا مُلتحقا بإخوته قبل أن ينتبه أحد لغيابه. صاحت الدجاجات والديكة لأنَّ أحدا لم يضع لها الحبوب، وجَأرت البقرة التي لم تُحلب من ثقل ضرعها.

بدا الأوسط متجهِّما شاحب الوجه، يضطرم بداخله شعور غامض. تحلَّق حوله إخوته غاضبين منه لتخلُّفه الدَّائم عن الرعي وسرحانه في خيالات لا طائل منها. أشاح بوجهه عنهم واندس بين الخراف ليحتمي من شيء مخيف لم يكن يُدرك كنهه. مضت أخته الكبرى خلفه لتقبض يده، شعرت بارتعاشه المتصاعد، لكنَّه لم ينبس بكلمة.

في ضحى ذلك اليوم، أسرعت الجارات إلى المرعى دامعات، يُغطِّين وجوههنَّ بوقاياتهن، ويطلبن منهم العودة إلى البيت. امتلأت وجوههم بعلامات الوجوم والتعجُّب، فلم يحدث أمر كهذا من قبل. انحنت إحدى الجارات على الصغير، فرفعته وضمته إلى صدرها وأسرعت مع إخوته إلى البيت، ومضت البقية خلفهم لا يلوون على شيء.

ما أن اقتربوا من البيت حتى سارع والدهم لاحتضانهم واحدا واحدا. كان مفطور القلب، يجهش بالبكاء، طلب منهم أن ينحنوا على جسد أمِّهم المسجّى للمرَّة الأخيرة فوق دثار الابن الأوسط. والذي انتبه آنذاك لبقع الدم المتناثرة على دثاره، كثيفة ودقيقة، حتى أنَّ أحدا لم يفكِّر بغسله بعد الدفن. انهار والدهم في نوبة بكاء، ضامّا جسد الأمّ الميِّتة النحيل إليه، صارخا: «تمَّ انتشالها من شقّ في الجبل منذ سويعات قليلة. انزلقت قدمها وهي تحمل دلو الماء... المسكينة».

نظر الأبناء الأربعة إلى شقوق الوجه وكدمات الجسد المُزرَقَّة، إلى الإصبع السادسة المبتورة، إلى الفم المُعوَجّ الفاقد للكلمات، إلى شعرها المفكوك المبلَّل الذي ظنُّوا أنَّه خُلق مضفورا منذ البدء. نظروا إلى البطن الضامر، للأنف الذي يدمي على نحو غير منقطع، فيشعر من يراها بأنَّها ستستيقظ بعد قليل لتوقف نزيفه بكم دشداشتها النيليَّة. كانوا يُبحلقون فيها للمرَّة الأولى والأخيرة. بينما أغمض الأوسط عينَيْه. كان يريد من أبعد نقطة في روحه أن يقبض يدها ويطوقها بين ذراعَيْه، لكنَّه بقي جامدا مشلولا، ينظر من زاوية عَيْنه إلى طرف دِثاره الملوث. تعالى النحيب من كلِّ حدب وصوب، فاشتدَّ غضب الابن الأوسط كقِدْر يغلي، بينما اتَّخذ الدم شكل جذر عنقودي مُتفرِّع.

هامش:

من نصوص المجموعة القصصية الجديدة للكاتبة، بعنوان: «لا يلتئمان»، تصدرُ قريبا عن دار الآداب.

هدى حمد كاتبة وروائية عُمانية