عمان الثقافي

ما الذي تخفيه الألغام؟ قراءة في رواية «ميشيل ويائيل» لمحمد علي إبراهيم

 

أحمد سراج 

في «مشاعر تصنع تاريخا» الصادر عن المركز القومي للترجمة بمصر لمؤلفَين؛ «لوك شومبي» مستشار سويسري للنشر ومؤلف للكتب العلم، و«إلكة إندرت» أستاذة علم الاجتماع، وترجمة «علا عادل»- بحث معمق عن تأثير العواطف الجمعية على التفكير والفعل البشري والبشري على أكثر المستويات الاجتماعية تباينًا من هتلر إلى أوباما، ويرى «محمود عبد الغفار» صاحب التصدير أستاذ الأدب المقارن أن الكتاب يقدم دليلًا إرشاديًّا للأطراف المتصارعة التي تبحث عن مخرج عادل، لكن الكتاب رغم أهمية أطروحاته المتعلقة بـ «المنطق الوجداني» و«ذكاء السرب» يصلح لأن يكون مدخلًا لقراءتنا هنا عبر تفكيكه للألغام السياسية والاجتماعية والدينية.

هل تستعير - على مدى الأزمان - السلطة - سلطة الدولة والدين والمجتمع - (التلغيم) من العلوم العسكرية إلى مناطق سلطتها؟ وهل تطور الأمر لتصبح هذه الألغام كلابًا وحشية سوداء، تربض في ظلمة لتخويف الناس حين يفكرون في الاقتراب من الحدود؛ حدود السلطة، وحدود الدين، وحدود المجتمع؛ هل يخفي المحرم المعلن محرمات مجرمات مهلكات أكثر؟ إذن ماذا لو اقتربنا من مشروع روائي، يناقش هذه المسألة بفنية ودأب على مدى عشرات السنوات، أعني مشروع الروائي «محمد علي إبراهيم» الذي حدد مكانه بدقة وهو الصعيد المصري الممتد جغرافيًّا من «أسوان»، ففي أعماله: «أعلمها اللمس» بطلها من «أسوان» ويعيش بينها وبين «أسيوط»، وفي «ليلى وفرانز» بطلتها من «دندرة» ومركزا الأحداث بينها وبين «أيسلندا» وفي «ميشيل ويائيل» بطلها من «ملوي» في «المنيا» ويعيش فيها وينتقل إلى مدينة (ملغمة) هي «نويبع» التي استعادتها «مصر» من العدو بعد حرب الساعات الست، ومفاوضات الأعوام الخمسة عشر.

لا يُسائل النص سلطة بعينها في وقت محدد، لكنه يبحث في جذور ما جرى للإنسان وتحولاته؛ كيف عبأته تفسيرات مزيفة لكي يهاجم آخرين آمنين ويقتلهم ويستولي على أراضيهم؟ ورغم ما على السطح من اشتعال لمشاعر وعلاقات؛ فإن عمق النص يكشف أن هناك ما هو أخطر من اكتشاف عروستي ذهب على مدرس تاريخ وابنه، ومن زواج صعيدية بأيسلندي، ومن مقابلة مصري لإسرائيلية؟ وهذا ما تطمح القراءة في الاقتراب منه، في رواية «ميشيل ويائيل» الصادرة عن دار العين القاهرية مؤخرًا.

(1)

سفر الرحلة

بطفل مرتعش من حادثة مرعبة جرت لأبيه إلى كهل في الخامسة والثلاثين يحمل عبء حادثة أكثر إرعابًا يخشى أن تحدث لأمه، في الحادثة الأولى ملكه الرعب ومنعته الطفولة من فهم الأمر كاملًا، وفي الحادثة الثانية صرخ غاضبًا: «أنا غاضب من الكنيسة» ومنذ امتلك القدرة على أن يفعل ولا يفعل قاطع الكنيسة، ورفض الزواج وتعلم الملاكمة.

في المسافة من شمال تل الربيع الذي وسمه الاحتلال بتل أبيب تأتي مع أبيها محاسب مصنع شتراوس، وأمها الحائكة المشهورة لبراعتها واقتصادية أسعارها، تحفظ تاريخ عائلتها القصير الذي يبدأ من جدها مدرس الرياضيات الليتواني المهاجر في الموجة الخامسة إلى «فلسطين».. التي يختفي ذكرها وذكر أهلها كي ينعم الجد والأب والحفيدة بفرصة مثالية للحياة بعيدًا عن محرقة النازي.

ميشيل بالفرنسية، ومايكل بالإنجليزية، وميخائيل بالعربية، هي تنويعات لاسم ميكائيل الذي يشير إلى رئيس الملائكة الذي حارب الشيطان وهزمه في سفر «أشعيا». «يائيل» الوعل ثابت الخطا، الذي يشير إلى امرأة قتلت القائد الكنعاني وأنقذت أهلها في سفر القضاة، وهو اسم شائع في الأراضي المحتلة، تحمله إحدى أشهر مغنيات الكيان وعارضاته.

لماذا اختار المؤلف: «ميشيل» لبطله المصري المسيحي دون بقية الأسماء؟ ولماذا اختار «يائيل» لبطلة عمله وهو الاسم الديني الشائع المتجدد؟ ولماذا اختار بطلين بهذه الحساسية لدى عموم القراءة

هو الذي رأى أباه وهو يضرب بقسوة من ثلاثة ملتحين، بعد أن كسروا الباب عليه، ولم يتركوه إلا مع ارتفاع أذان الجمعة، هو الذي رأى المأمور يبرر حادثة التعدي الوحشية بأنها حدث (فردي) نتج عن شائعة أطلقها «المعلم خميس» صاحب مخبز فاسد على مفتش التموين «جيد عبد المسيح» مؤداها أنه يربي كلبًا أسود ويسميه باسم الرسول؛ انتقامًا منه لرفضه الرشوة وإصراره على اتخاذ الإجراءات القانونية ضد فساده، هو الذي رأى شيخًا من الأزهر والأب مكاريوس والأب متى القادم من دير العذراء في أسيوط، رغم أن الحادثة جرت في «ملوي» بالمنيا، وثلاثة من الضباط يحيطون بأبيه كالحكماء في جدارية درويش؛ إذ يصرخ جلجامش برفيقه «أنكيدو»: «ترفق بي». ميشيل رأى تواطؤ العجز، وتبرير الهروب، وتجرع منذ الصغر مرارة الهزيمة في معركة لا ناقة له فيها ولا جمل.

تبدأ الأحداث بميشيل -والفصل بصوته- وهو في القطار المتجه لمحطة رمسيس ومنها إلى نويبع، لكن الرواية تستعيد حدثًا قديمًا جرى منذ ثلاثين عامًّا، وهو ما يضعنا أمام سؤال: لماذا لم تبدأ بميشيل في القطار؟ ولماذا اختارت هذه الحادثة؟

في الفصل الأول ستعرف التفاصيل الأساسية لميشيل؛ معلم تربية رياضية مسيحي، أسمر، قوي البنية، أبوه «جيد عبد المسيح» أمه «إيفون» أخته «كارولين» المهاجرة الغائبة الحاضرة طول أحداث الرواية، وسترى غضبه من كنيسته لأنها لم تقم بحماية أبيه، وسترى أن هذه الحادثة البشعة لو عولجت لما وجد مشكلة في حياته تدفعه إلى اعتزال الزواج؛ فهو مندمج في مجتمعه الذي لا يعرضه لاختبارات الديانة إلا بقدر يستطيع احتماله؛ ففي تشجيع الملاكمين لخصومه يصفونه بالنصراني والخواجة، لكنه لم يمنع مرة بسبب دينه، كما أن بشرته المصرية حمته من تعدي الغرباء الذين لم يتعاملوا معه. لكن لماذا يغادر المدرس في «أكتوبر» إلى «نويبع».

تترك الحادثة الأولى أثرها فيه فيعزف عن الزواج، وتلجأ أمه إلى الكنيسة وإلى حفظ آيات من القرآن الكريم، ثم تلتزم بنصيحة الأب «إسخاريوس» بأن يغير الجو، وبالبحث على الإنترنت وبسؤال الأصدقاء يستقر على كامب في «نويبع» عرفه عن طريق الفيس.

من «نيتسريت عيليت» - بدأ استيطانها لتكون مدينة صناعية في المقام الأول في عام 1950، وأعلنت مدينة في 1957، وسعى بن جوريون إلى تغيير اسمها لخلفيته العربية المسيحية «الناصرة العليا» وغيرت سلطات الاحتلال اسمها إلى «نوف هجليل» أي مشهد الجليل في عام 2019، إلى «نويبع» تتحدث «يائيل» بنفسها عن نفسها، تبدأ تاريخها الشخصي بجدها الذي هاجر من ليتوانيا فرارًا، وتنحصر عائلتها في أبيها «ميشتينير»، وأمها إستير، تعمل في مصنع شيكولاتة، جعلت علاقتها بجيش الاحتلال وسيلة لإتمام دراستها نظرًا للامتيازات الممنوحة لأفراده، تستطرد في حديثها عن عملها وحياتها الشخصية وتفاجئنا بحبها لفيلم: «هاكاسو ريدج» الذي أخرجه ميل جيبسون عن قصة حقيقية لمسعف طبي في الحرب يرفض استخدام السلاح، وتستغرق في آنيها وتستمتع به، فتأخذ معها منتجات المصنع كهدايا لتقدمها لمن تتعرف عليه.

تسود الرحلة الرواية في ربعها الأول (48 صفحة وأربعة فصول) يستحوذ «ميشيل» على ثلاثة منها؛ الأول في القطار، والثاني لأبيه وأمه وهما يتابعانه ويتذكران الحادثة ذاتها، والثالث لها تصف رحلتها من مستوطنتها حتى جواز معبر طابا بلوحة مؤقتة تحمل عنوان «جمرك»، الرابع: له من العباسية حتى دخوله لغرفته.

(2)

سفر الوصول

يتحرك «صالح الجعفري» من محض اسم نطقه عامل الكامب لميشيل، إلى صوت يأخذ الفصل الخامس كاملاً، وهو بطل رواية أعلمها اللمس التي يحكي سببها، دون أن نعرف سبب إقحامه في قصة ننتظر أن يجتمع طرفاها الغريبان تمامًا؛ فهل سنكون أمام محمود وريتا وبينهما بندقية، أم ستحاول «يائيل» استعادة طابا التوراتية من ميشيل المسيحي مكررة دليلة وشمشمون؟

يبدأ «ميشيل» في تعرف المكان، وعماله وضيوفه؛ ثم تظهر «يائيل» وأمها وأبوها ويعرفه «مروان» بأسمائهم، الملاحظ أن الشخصيات هنا تحضر بصفات تميزها؛ فالخانكة (وهو لقب شعبي يُطلقه المصريون على المرضى النفسيين) متقن للعبرية محب لليهود يتحرك بخفة وسرعة، ومروان مطيع، والجعفري لماح ذو فراسة. بعدها يغادر ليشتري هدايا لأمه التي سيعود لها في نهاية الرحلة التي بدأت بالكاد، فيما تعلن «يائيل» لنفسها أنها غير أبيها وأمها ذات الأصول المغربية، إنها ابنة الحياة الحالية؛ لا تريد أن تدفع ثمن حرب لم تكن موجودة وقتها، لكنها لا تتجاهل تصرفات ضابط المعبر المصري وتفسرها على أنها إشعار بامتلاك الأرض التي يؤمن أبوها أنها له.

على العشاء يجمع الراوي شخصيات مسرحه التي تتوزع بين مالك الكامب صالح الجعفري وعماله الشيف سيد والإدارية سلمى والعمال «مروان» و«الخانكة» ومصطفى الحاضر الغائب عن الكاميرا لكنه يحمل أخطر المهمات، اليهود؛ «يائيل» وأسرتها، «إيليشيفا» (87 عامًّا) مدمنة التصوير وسارة وروز (73 عامًّا) هاوية الجيتار، والرفيقان جولدا وإفرام، والمصريون؛ سعد وزوجته أميرة وابنتهما نانا.

ليست الحكاية تجمعًا بل هو بدء للجزء الثاني من الرواية: حيث يلتقي الجميع بالجميع، يوفق الروائي هنا باختيار أن يكون صوت السارد العليم هو من يروي الأحداث، التفاصيل المبثوثة بعناية عبر مشاهد مرسومة بحرفية كمصور فيديو ينتقل من منطقة إلى منطقة، ثم يعود إلى منطقة تركها من قبل، وعلى القارئ ألا يكف عن ترديد سؤاله: لماذا فرحت «نانا» بكيس الشيبسي رخيص الثمن واحتضنت الشيف الذي أهداه لها، فيما لا تشكر أمها «سارة» التي غطت نانا النائمة بشالها، وتهمس لزوجها غاضبة: «دول إسرائيليين يا سعد».

يعتمد المؤلف على طرقة ماكرة فهو يكشف سر غياب «الخانكة» وشروده، بحادثة فقد فيها أمه وثباته صغيرًا، لكنه يأتينا بمكالمة غامضة للجعفري التي تكشف عن أنه يتكفل بطالب في الثانوية العامة اسمه ياسين، ثم يكمل مكره بأن تبدأ سارة بعزف أغنية تشبه النشيد القومي، ثم يقوم محمد «الخانكة» بتشغيل مهرجان كوكب القرود، على أنغامها ترقص «يائيل» ويلسع «ميشيل» بالسيجارة، ثم تتبادل أغاني الشعبين الوقت حتى تحضر أم كلثوم بـ«أغدًا ألقاك»

(3)

سفر الحلم والتعايش

يلاحظ القارئ أن المشهد/ الفصل التاسع قد قسم إلى جزأين، وسينتبه إلى سبب ذلك حين يرى بطليه يحمل كل منهما حلمه بلقاء الآخر، ويتعامل معه وفق ثقافته الجنسية، ورغم أن ما بينهما هو جدار خفيف وبينهما شرفة شبه واحدة فإنهما يكتفيان بالحلم أو بالوهم، ويشبهه الفصل الثاني عشر وإن تميز بجعل العنوان دالاً على الانقسام (12_1و_2) دون بدء جزء جديد.

يوقظ «الخانكة» الضيوف يفطرون يلعبون يعرض «ميشتينير» على ميشيل أن يلاعبه تنس طاولة، يفاجأ ميشيل بأنه صافح «ميشتينير»، فيسارع إلى الاتصال بكارولين في أمريكا صارخًا: «أنا سلمت على واحد إسرائيلي» وتستمر الحياة، فيظهر عجز في البيرة ورفض من موريس بالتوريد ليتدخل صالح الجعفري وينزع فتيل الأزمة.. فيما تشرح كارولين لأخيها أن العالم تغير في كل مكان.

يحصل «ميشتينير» على الفصل الحادي عشر، وفيما تقترب منه زوجته التي بدأ الترهل يزحف على جلد ثدييها لكنه ما زال يراها فاتنته عارية بجواره، يستحضر كلام الحاخام «موشيه باروخ» ونبوءته بحلول عصر سلام عالمي دائم، ويتذكر أباه المهاجر، وحين يرى خوفه على «يائيل» التي يشعر بإعجابها بالمصري الأسمر تنزلق ذراعاه لتلقي السلام على ثدي إستير، لكن خوفه يزداد من ابن جنوب مصر التي لم تمنحهم الحقيقة، والتي لن تسمح بهذه العلاقة، وحين يستعيد منظر ضابط الجوازات ويشعر أن التوراة فقدت بعض أوراقها، تنزل «إستير» من على صدره، ويلهثان وينامان.

لماذا لم يحدث في الرواية مشهد جنسي كامل غير بين «ميشتينير» وإستير؟ ولماذا لم يستمتع العاشق بفاتنته؟

(4)

سفر السراب

يعرف ميشيل من صالح أن «يائيل» ستذهب إلى قلعة زمان، ويساعده صالح في الوصول إلى هناك، لكن لا بد من تطبيق قواعد المكان الذي لا يقبل دخول الرجل وحده؛ لذلك يعيره سلمى، ومع هذا يعجز عن لقائها أو الحديث معها، وبدلاً من هذا تقوم بينه وبين سلمى علاقة، ومع عودته تحاول «يائيل» أن تفتح مجالاً للقاء على الطريقة الفرنسية، لكن صالح يخطفه بعيدًا، وفي «يوم الكيبور» تخطو «يائيل» نحو «ميشيل» بهديتها فيمسك بيدها ليلبسها خاتمًا له فص أزرق، لكن شيكولاتة شتراوس وخاتم الجعران يسقطان على الأرض إثر صرخة من «إستير» على زوجها النازف فاقد الوعي من آثار مرضه الخطير الذي أخفاه عن ابنته، فيحمله مشيل إلى عربة الإسعاف ويجلس عن يساره فيما تجلس «يائيل» وأمها عن يمينه.. فهل بموت جيل الحرب سيلتقيان؟! أم أن الأمر أبعد من اللغم.

(5)

آليات وأهداف

يستعين الروائي في هذا النص بالعتبات والتلاعب والسخرية والتناص والمونتاج وهندسة النص ببراعة تزيد من الحبكة تشويقًا وإثارة.

العنوان، أولى العتبات، يحمل اسمين غريبين عن القارئ مع حمولاتهما التي يتبين داخل النص أن كلًّا منهما يحاول الخلاص منها؛ إما لأنها لا تحمل سوى الهزيمة المجحفة، أو النصر القذر.

ثاني العتبات عنونة الفصول على ثلاثة أقسام؛ الاكتفاء برقم الفصل، ثم تقسيم الرقم إلى اثنين، ثم اللجوء إلى تسمية الفصل: غرفة الدكتور هشام، الشيخ حسن شلهوب، كارولين، يوم الكيبور، وفيما تشير الطريقتان الأوليان إلى حيادية وهمية، تثير عنونة الفصول بالكلمات إلى وجود أمر مخالف دعا إلى تغيير النسق، وعند قراءة «غرفة الدكتور هشام» نكتشف أننا في غرفة أسرار كأنها تحمل أسرار المعبد، فالرجل الذي لم يظهر إلا لبيع الكامب الذي امتلكه لسنوات يجيب عن كل أسئلة من حوله: كيف لرجل يصلي بانتظام أن يقيم كامبًا به خمور ويهود؟ كيف لا يظهر عليه التأثر لبيعه؟ ببساطة يعلن أن الكامب ستار يمكنه من التهريب عبر الأنفاق، وأن خطرًا يقترب، وتكليفًا جاء بالمغادرة.

التلاعب ويظهر من خلال تداخل الوهم مع الحقيقة، وزرع فصول فانتازية كالفصل الثامن عشر، واستيراد شخصيات من خارج النص كما جرى في الفصل الخامس وفي قلعة زمان، ويتجلى التلاعب في التلاعب بالعناوين؛ فقد اختار الكاتب لفصله الأخير: «يوم الكيبور» لا «يوم العبور» إذ «عبرت فيه قواتنا المسلحة المصرية أضخم مانع مائي، وأفقدت العدو توازنه واتزانه في ست ساعات فقط» ولأول وهلة يبدو الاختيار لأن هناك هذا اليوم حدث مركزي ينتظره كثير من أبطال الرواية، وبقراءة الفصل قد يبدو هذا العنوان لأن «يائيل» هي صاحبة الخطوة الأولى؟ لكن ماذا لو تساءلنا: أي كيبور/ غفران يريده القاتل من ضحيته؟ تعدد الدلالات هذا، وحيرتنا هذه نتاجُ لتلاعب مُحكَمٍ.

كثير من شخصيات النص تحمل حسًّا ساخرًا؛ الجعفري وميشيل ويائيل، وكثير من المواقف تلد السخرية كتعليق الأب على بصارة إيفون، وحوارات الجعفري وميشيل، ومواقف الخانكة، ولئن كانت حكاية ميشيل ويائيل جسد الرواية فالتلاعب هما الدم والعظم.

بحث متعمق، واستشهادات دالة وموحية وضرورية، هذا ما يمكن أن نصف به تناصات «ميشيل ويائيل» من الحياة والكتب المقدسة والأغاني والنصوص الشعبية بل ومن رواياته ذاتها..

(6)

لغمٌ أسود على ماء بركان ولافا

تعلمنا الكتب السماوية والكتابة الأدبية والتراث الشعبي قيمة الأمثولة؛ فهل نحا مؤلف «ميشيل ويائيل» هذا النحو، فكما فعل ابن المقفع بأن زعم أن ترجمته لكتب هندي انتقل إلى الفارسية عبر مغامرة لا معقولة، وبأن جعل حيواناته أبطالاً فاهتممنا بالثمرة الملقاة فيما تتسرب إلينا الغابة دون أن نشعر، أو فيما نعرفه هنا: ما وراء الألغام؟

لماذا يغضب الإنسان؟ لماذا ييأس؟ لماذا يذهب إلى الغريب؟

لماذا تلتقط «إيليشيفا» الصور بكثرة؟ هل لتوهم نفسها بأنها تمتلك «طابا» و«نويبع»؟ هل لتغطي على تاريخها الدموي البشع؟ يحكي مرافق لملك جبار أنه كان لا ينام لأن من قتلهم يزورونه كلما أغمض.. فهل صور العالم ستغطي على مشهد قتل الحب/ الحلم/ فرصة الانعتاق؟ لماذا لما مات «ميشتينير» أو كاد حين أهدت «يائيل» «ميشيل» هدية تعبر عن تقدم شعبها، وشرع في إلباسها خاتمًا يعبر عن حضارته المصرية القديمة؟ وهل بموت القاتل تختفي الضحية؟ إن كانت التوراة تفقد بعض أوراقها بفقدان طابا فما الذي فقدته بقتل ملايين الفلسطينيين؟ هل نحن ما نحن عليه؟ ولماذا تتسع الفرصة بين الممكن والواقع؟

(7)

ببساطة آسرة منحته إياها موهبته وخبرته ووعيه، ومكنته من إخفاء عمقٍ لا يخفى ولا يظهر، يكاد يخفى يكاد يظهر، وعلى طريق الأشواك يرقص استمتاع زوربا وتوحد ابن عربي، وسخرية ثيلا في خلية النحل، ناحيًا أو ناجيًا أو محاولاً أن ينجو من عقوبات لجرائم لم يفعلها، ومن جراحات نزيفها على جسده وروحه دون أن يخوض معركة أو يتحيز عن قتال.. لكن السؤال: هل يمكن للعربي أن يعفو عن قتلاه حين يلقى الآخر.. وهل إن فعل، ينجُ من جريمته / تاريخه/ هويته؟

في رائعة «الأب الروحي» يقدم زعيم المافيا العجوز نصيحته لخليفته الشاب: «لا تكره أعداءك لأنه هذا سيؤثر على قرارك» وهنا يقدم لنا الكاتب - بعد إلجام الكلاب السوداء/ الألغام - فرصة لنرى التابوهات/ الألغام/ الكلاب السوداء عن قرب دون أحكام مبنية على افتراضات بنيت على إثارة مشاعرنا بأحداث كاذبة أو مزيفة؛ ما الذي يحاول تغيير المجتمعات الآمنة، التي ما زالت تحمل، وفق النص، الكثير من تماسكها، لكنها بحاجة إلى أن تفصل بين العَرَض والمرض، وأن تجتثهما من جذورهما، هل يمكن أن يتعايش من فروا من بلادهم، وحولوا أراضي السكان الأوائل إلى مستوطنات/ مستعمرات أن يعيشوا مع حفدة ضحاياهم، أم سيسقطون في جُب «إيليشيفا» التي قتلت حبيبها «أحمد».. وأثق بأنني لم أقدم من النص/ المشروع إلا القليل، وأطمع أن يكون هذا القليل هو تحليل صائب لنقطة دم واحدة، تحليل لعينة دالة وكافية، تحليل لندرك أن الحكاية ليست «ميشيل ويائيل».. الحكاية ليست «ميشيل ويائيل».. الحكاية ليست «ميشيل ويائيل».

أحمد سراج كاتب مصري