عمان الثقافي

عبدالله القاضي.. شاعر هجر الشعر والشهرة

 

محمد الشحري 

عندما رحل الشاعر اليمني عبدالله أحمد سعيد الحمادي، المعروف بعبدالله القاضي، في مارس 2025م، ضجت وسائل التواصل اليمنية بخبر رحيله، ونُشرت بعض الأشعار من ديوانه اليتيم «ندى العشب الجاف» الذي لم يسع لنشره، بل طُبِع ونُشِر بطريقة أخرى وتلك قصة يسردها صاحبها في مقدمة الديوان. وبسبب الحوار الفلسفي العميق الذي أجراه معه الصحفي اليمني علي سالم المعبقي ونشرته جريدة الحياة اللندنية عام 2014، إضافة إلى شهادات عدة كتبها مثقفون يمنيون، فقد انتابني الفضول لقراءة أشعار القاضي، فكان لابد من البحث عن الديوان الشعري، إذ تعذر الحصول عليه بطريقة إلكترونية ولم يكن متاحا على شبكة الأنترنت. ومن حسن الحظ فقد كان أحد الأصدقاء موجودًا حينها في صنعاء، فطلبت منه البحث عن الديوان، وهذا الذي حدث، إذ بعد بحث مضنٍ تحصلت على الديوان الذي لا يتجاوز عدد صفحاته اثنين وسبعين صفحة. كتب المقدمة الأكاديمي والمترجم عبدالوهاب المقالح (1953) وهي في الواقع توطئة وافتتاحيه للديوان. والمقدمة لم تكن إلا بمثابة رسالة بعثها المقالح إلى الشاعر يخبره بطريقة حصوله على القصائد وترتيبها ونشرها لاحقا بواسطة الهيئة العامة للكتاب عام 2003، بغلاف صممه الفنان حكيم العاقل (1965)، وحمل لوحة «عازف الناي» للفنان هاشم علي (1945- 2009)، الذي أهدى له القاضي قصيدة بعنوان «قبوة كاذي للرسام هاشم علي (ص19).

كتب المقالح:

«عزيزي الشاعر الكبير: عبدالله القاضي

أنت تعرف أنني في أحد الأيام في أواخر السبعينيات قد طلبت منك كراسة أشعارك للاطلاع عليها، ثم أعدتها إليك في اليوم التالي، لكني كنت قد نسختها كاملة.

ومرت الأيام، وسكنت أنت في حانوت قريب من مقبرة «اللجينات» مدينة تعز. وهطلت الأمطار ذات يوم، فسالت المياه وغمرت فيما غمرت، الحانوت الذي تسكنه، وأتلفت كتبك وأوراقك وكراسة شعرك. على أيه حال، احتفظت أنا بالنسخة التي كانت معي، وكنت أحملها في أسفاري وكأنه خوف عليها من الضياع.

هكذا...

ومرت سنون أخرى، وكتبت أنت شعراً آخر، حاولت أن أحصل عليه منك لإضافته إلى الكراسة فلم أفلح.

وتبدل موقفك من الحياة ومن الشعر. وصرت، وكأنك لا تكترث لأمور كهذه. لقد صرت أكثر نضجا، أكثر كمالا، وأكثر حكمة وإنسانية، وأعظم شاعرية.

ولما قمتُ بترجمة سيرة ذاتية لأشهر ناسك في التيبت، قدمتها إلى الأستاذ خالد الرويشان رئيس الهيئة العامة للكتاب مهداة إلى عبدالله أحمد سعيد».. ناسك اليمن العظيم.

فكنت أجيبه بكلمة واحدة: «واحد»، تقديرا مني واحتراما لمشاعر ذلك الناسك الذي حسبت أنه يودّ لو يترك وشأنه. لكن، يبدو أنني بذلك قد أثرت اهتمام الأستاذ خالد أكثر فأكثر، وأخيرا، قلت له: «حسنا سأقرأ عليك بعضا من إنتاج هذا الناسك، على أن يقف الأمر عند هذا الحد».

وقد كان.. جلسنا معا بصحبة «القاضي علي الآنسي»، صاحبك.

ورحت أقرأ عليهما قصائد من الكراسة: «تعويذة للطفل ردمان، قبوة كاذي للرسام هاشم علي»، أيها القمر، كمين، من نداءات الصوت المصلوب على لون البن».. الخ..الخ.

كنت، يا أخي، أعرف تماما أن الأستاذ خالد ذواقة كبير للشعر وللموسيقى وللفنون وفوق ذلك، وأهم من ذلك، فهو إنسان رائع. أخذ بعد تلك القراءات الشعرية. يلح ويلح علي في الطلب: كيف يكون في اليمن شاعر بهذه القامة، وليس له ديوان مطبوع؟ كيف أن لنا مثل هذه القصائد، ولا نعرف أن صاحبها واحدٌ من، ويعيش بيننا؟ أين هو؟ أين يعيش؟ وما أحواله؟ أين يعمل؟ كيف؟ لماذا؟ حتى وجدت نفسي وقد فتحت أبوابا كثيرة لا أدري كيف أغلقها، ولا من أيِّها سأخرج.

وعدته أن أعدّ كراستك الشعرية للطبع بشرط أن توافق أنت على طباعتها، إذ ليس لي الحق أن أقدم على مثل هذه الخطوة وبخاصة أني أعرف موقفك من المسألة.

كان الأستاذ خالد يحاول أن يقنعني بأن «نعملها له مفاجأة، ونطبع الديوان». وأيده الفنان «هاشم علي» والفنان حكيم العاقل» أما أنا فاكتفيت بالقول: «إنني في ورطة».

استغربوا الأمر جميعا. قلت لهم: «ماذا لو كانت هذه المفاجأة غير سارةٍ لك؟ ألا أتحمل مسؤولية إيذائك؟

وأصررت على وجوب الحصول على موافقتك. ولذلك جئنا لزيارتك مرارا. وقد شعرت ببعض الاطمئنان حين صدرت منك عبارةُ ردّ على الأستاذ خالد وافقت بها على إصدار ديوان في المستقبل. نعم لقد فهمت أنك لم تكن تقصد هذا الديوان، إلا أني شعرت بأني قد تخففت من بعض التبعات.

هذه مسألة. والمسألة الأخرى حين نسخت كراستك الشعرية، كنت قد نسختها كما هي تقريباً، بدون علامات ترقيم، بدون عناوين للعديد من القصائد، وبعد طباعة المجموعة بالآلة الكاتبة، رأى الأستاذ خالد، ووافقته على ذلك، بأن القصائد الأولى لم تكن ترقى إلى بقية قصائد المجموعة، ولعل من الأفضل اطراحها. كما رأى أن يمكن إعادة ترتيب القصائد ترتيبا آخر غير الترتيب الذي دوّنت به في الكراسة.

ثم إنني، يا أخي تطفلت، وتدخلت بعنونة مجموعة من القصائد التي لم تكن معنونة ولست أدري أي حدٍّ وفقت في ذلك.

ولعلك لو قبلت أن تتولى مهمة إعداد القصائد أو مراجعتها، لأخرجت الديوان بصورة أخرى أتم وأفضل. ولربما أضفت إليه القصائد الناقصة التي لم أستطع الحصول عليها وأنت تدري كم حاولت معك.

إنني، أيها الأخ العزيز، كلما أعدت النظر في كل هذا، زاد همي وحرجي، لقد فعلت ما فعلت دون مطمح على الإطلاق، اللهم إلا أني أوقن بك شاعر عظيم، وأن شعرك يجب أن يصل إلى الناس لأنه حقٌ لهم قبل أن يكون حقاً لك.

إنني لا أرجو حتى نيل كلمة شكر، إن ما أرجوه هو الصفح والغفران.

أخوك:

عبدالوهاب المقالح»

هكذا كتب المقالح في مقدمة الديوان تحت عنوان «توطئة وتوضيح» فتارة يسميه الديوان وتارة بالكراسة، لكن القصائد التسع والعشرين المنشورة تُغني عن ألف ديوان وألف قصيدة، نظرا لإسقاطاتها النفسية المغموسة بمياه الأحزان ورعب المخاوف وأهوال الوحشة، والاعتراف بحالة الوهن والضعف والضياع.

كتب القاضي قصيدة «أيها القمر»، الفائضة بالمشاعر الوجدانية الحزينة. إذ يأمل من القمر أن يوزع نوره على الجميع وأن يطل على معاناة الطفلة الفقيرة في الضفة الأخرى من المدينة.

«أيها القمر الذي يتفقد رعاياه ليلاً

وراء القصور المتناثرة هنا وهناك

في طرف المدينة الآخر، في الخرابات

طفلة شريدةٌ وخائفة

أيها القمر

مر عليها

وأمسح بشعاعك الحنون دمعها

دمعها الذي يسيل حاراً كلواعج العاشق

وباهتاً كالشفق

وحزيناً مثلي

أيها القمر

ولا تنس أن تمر بها ليلاً على سماء بلادي

هناك حيث الغائب الذي أنتظر

الحبيب النائم تحت الشرفات الخضر

واطبع على خده الطاهر قبلة

حاول لا تزعجه ولا توقظه من نومه الطويل

دعه يواصل حلمه بجنيات البراري وعرائس البحر

واقرأ عليه قصيدة من كتاب طفولة عشقي البريء»

أما قصيدته «نداءات الصوت المصوب على لون البن» فيتبرم فيها الشاعر من غربته الذاتية وإحساسه بالنفي في محيط لا ينتمي إليه.

«يا للمصيبة

هذا زمان الفجيعة

في أي بحرٍ تريدونني أستحم وبحري الجفاف

ومائدتي الصحراء وقوتي الخواء

استحمي بنيران حزني

انشري جسدي رايةً يستظل الصعاليك من وهج الصيف

شقي الصلابة هاأنذا

لا تخافي

افقئي أعين الدهر،

شدي إليك الفتى

واكشفي للعيون جراحك

هلّا دنوتِ وحاورتني؟

كلما ازددتُ قرباً تكونين أكثر بعداً – لماذا؟

تصمِّين سمعك أو تغمضين عيونك عني –لماذا؟

وإني انتظرتك عاماً فعاما

وفي كل عامٍ أقول:

ستكشف عن ساقها للفتى

والفتى بين موتين:

التوزعُ فيكِ

والحنينُ إليكِ

بيني وبين الحنين بلادي

«لست بلادي»

بيني وبين بلادي صلابةُ ذاكرتي وذبولُ اصطباري وخوفي

مرةُ قلت: أسرج خوفي وأبدأ

خطوةٌ ويكون اللقاء

فكان الفراق

الفراقُ خيولٌ من النار

طيرٌ من الآح

عشبٌ من الماء

سيري بطيءٌ

لماذا تخلّف عنها زمانُ الإفاقة!

أين البشارة؟ «

هكذا يفيض الشاعر حزنا وألما، إذ فقد الصلة بكل شيء إلا الموت، قد اتخذه صديقا يحاوره كما يقول في أحد حواراته، أما الشعر الذي نظمه وقرضه وشارك في فعالياته داخل اليمن وخارجه، فلم يكن يراه إلا وجها آخر للموت الذي أوجد الشاعر خيطا من التفاهم مع الموت، متماهيا في ذلك مع الأديب الارجنتيني خورخي لويس بورخيوس (1899-1986) الذي يرى في الموت أمل، ولا يفكر فيه أبدا، بل ويتمناه لو حصل دفعة واحدة.

في قصيدة «قبوة كاذي» التي أهداها للفنان اليمني هاشم علي أحد أهم مؤسسي حركة الفن التشكيلي في اليمن. هي بمثابة عربون محبة واعتزاز من الشاعر للرسام الذي يُعّد أبرز الفنانين التشكيليين اليمنيين، إذ من خلال لوحات الفنان يستنطق القاضي الإنسان الذي يجد حياته ومعانته مختزلة في الألوان والمساحات. الفنان الذي يصفه الشاعر « بالطيب الذي لا يشبهه أحد، ويشبه كل الكائنات».

«أيها المطيب بعبق الفصول

دعني أعقد على مفرقك قبوة الكاذي

دعني أغسل قدميك وراحتيك بالحنا

هدية راع فقير

من قرى الجبال المحروقة

التي لو تسمح، باسمها وباسم نصيبي من الدنيا، أن أحفر

قبلةً عميقة في خدك

ها أنا أراك منتصباً كالرمح

منتضياً سكينك وريشتك

غازياً أرض الوجوه المعروقة

الوجوه التي تقطر غربة وكربة

وعلى شواطئها تتحطم أمواج العشق وتتصعلك حرق القلب

أيها الضارب في المسافات

يا خدين الخبوت

يا ابن الرقصات السواحيلية

أيها المنحدر من أصلاب القمم

وعليها تحرسك أرواح الشهداء

أيها الطيب الذي لا يشبهه أحد

ويشبه كل الكائنات

هيا أرفع رأسك ولتعم البهجة الجميع

وأنت ترد الغيول صحبة الشياه وترد المراعي

وليلاً تضطجع مع رعاة الإبل

تطفئُ بالحنين ظمأ الحنين

آهٍ منك أيها الصياد

لماذا حين تغني لوحاتك

وتروي لنا الشعر

يلمع في أفق عينيك برق الفرح

ويرحل عن عشِّ روحك طير التعب

وتنفض عنك جبال المشقة»

وفي «قصيدة تعال» التي تشبه الاستجداء من الوحدة يقول القاضي:

«لا تتركني وحدي كالعصفور الضال

يتخبط مأسوراً في حقل الشوك

تلْتمُّ عليه الريح المطّارة والحيات

ويجرجره الصبية في الأوحال»

توظيف العصفور في النص كطائر ضعيف ومستسلم يتعرض للهو الأطفال، يعيد إلى الذاكرة صورة شعرية للشاعر قيس بن الملوح (645م-688م) القائل:

«كعُصفُورةٍ في كفِّ طفلٍ يُهينها

تُعاني عذاب الموتِ والطفلُ يلعبُ»

إذا كان الشاعر يرى في الشعر الوجه الآخر للموت، فإن القصيدة هي الحياة، هو ذاته الشاعر الذي ضل الطريق وولج الشعر دون رغبة منه بل «كان مجرد خطأ محض»، مثلما تحدث في حوار نادر مع الصحفي علي المقعبي ونشرته صحيفة الحياة اللندنية. يقول: إن الحياة التي يعيشها هي القصيدة التي لم يكتبها بعد، كأنه هنا يتفق مع الشاعر التركي ناظم حكمت الذي قال (1902-1963):

«أجمل الأيام

تلك التي لم نعشها بعد

وأجمل الكلمات

تلك التي لم أقلها بعد

وأجمل القصائد

تلك التي لم أكتبها بعد

وأجمل ما أريد أن أقوله لك

ما لم أقله بعد»

انزوى القاضي بعيدا عن العالم حينما شعر أنه لم يعد بحاجة إليه، لم يألف واقعه المستتر خلف الأقنعة. انكشفت لديه الوجوه، ورأى حقيقة أفعال البشر المتوارية خلف المصالح والمطامح والمطامع، هجر الضجيج الآدمي واختار المقابر مسكنا ومقاما. عرف الشاعر الحقيقة مبكرا فامتلأ يقينا، وحين سُئل عن ذلك أجاب بأنه فارغ تماماً، فراغ لم يعُد يحركه أي نازع لا حزن ولا فرح. وقد اعترف بأنه لم يرى الحياة في الدنيا إلا لعب ولهو لا قيمة له. ولأن المرء بالنسبة له لا يعيش كما يريد، فإن الموت والحياة له سيئان بل يرى في الموت أمل يُنجِّيه مما واقع فيه.

كان سيرحل الشاعر القاضي بلا أثر خلفه إلا ما علق في ذاكرة معارفه، لكن وبسبب يقظة صديق احتفظ له ببعض الأشعار التي نجت من الإهمال والنسيان، وتشجيع من الكاتب خالد الرويشان (1963) المثقف الذي يُقدّر الأعمال الإبداعية الأدبية منها والفنية، فقد أصر على طباعة أشعار الشاعر الناسك. وكان حينها رئيسا للهيئة العامة للكتاب، قبل أن يصبح وزيرا للثقافة (2003-2007).

محمد الشحري روائي عماني