أعمدة

أفول إمبراطورية الغرب

قرأتُ خلال الفترة الماضية كتاب «أفول إمبراطورية الغرب: آسيا تنتفض لتولد من جديد» للكاتب الهندي الذي لطالما أُعجبت بكتابته: بانكاج ميشرا. يتتبع الكتاب تجارب شخصيات في آسيا حاولت خلق حراكات لفضاء عام تشاركي ومستنير، إلا أن هذه التجارب بشكل أو بآخر اصطدمت بالاستعمار أو عواقبه، عواقبه التي أفضت أحيانًا للإيمان بوجوب الاعتماد على الاستبداد المستنير كطريقة وحيدة ممكنة لتسيير أمور هذه المنطقة.

وكعادة دراسات ما بعد الاستعمار يحاول هذا الكتاب استعادة السردية وصياغتها من جديد، بدلًا من النظر إليها في أفق مدار ومركزية المعرفة الأوروبية، ولذلك يلجأ الكاتب لاختيار شخصيات من هذه المنطقة متتبعًا مشاريعها، مثل: الأفغاني وطاغور وغيرهم، وفعاليتهم داخل مجتمعاتهم، ليصبح لهؤلاء المكانة نفسها التي كانت لمثقفين آخرين أكثر شهرة لأوروبيتهم فحسب. لكنني أشعر هنا أننا أمام محاولة لإنقاذ السردية لا لاستعادتها، وأنها على الرغم مما تدعيه في النظر إلى واقع آسيا بعين الآسيويين، إلا أنها تقع في الفخ نفسه في طريق النظر لهذه الشخصيات ومواقفها، وفي رغبتها القهرية المصممة لإثباتها.

يحاول الكتاب الوقوف على التناقضات الموجودة في المشهد الآسيوي، ولدى بعض الشخصيات التي يتتبعها، مثل طاغور، لكن هذا لا يظهر إلا قليلًا، أمام محاولة إثبات أن لدى الآسيويين ما يساوي ما يمتلكه الغرب ونخبه، بالإضافة لأن تدخلات الغرب إما بالاستعمار المباشر أو بالوكالة عبر تكوينات اجتماعية دعمها لتُحدث تمايزًا داخل تلك المجتمعات يُفضي أخيرًا لحالة من الاستقطاب والتردي والفوضى.

لم أفهم لم اختر ميشرا هذه الشخصيات دون غيرها؟ وشعرتُ بأنه انتقائي ورغبوي. وتكاد بعض المناطق تغيب تمامًا من الكتاب، ما الذي كان يحدث في شبه الجزيرة العربية؟ ما علاقة هؤلاء المثقفين الآسيويين بالمثقفين في إفريقيا، مثلًا في شرق إفريقيا، وتواصلهم المباشر، خصوصًا أولئك الذين هاجروا للعمل وكسب العيش إلى هناك، وظلوا على تواصل مباشر مع أقرانهم في آسيا.

وكيف يمكن لكتاب يريد صياغة تاريخ عالمي جديد كما تسعى كتب ما بعد الاستعمار أن تتعامل مع الهند سريعًا، الهند بتعددها وتنوعها وتناقضاتها؟ أظن بأن اختيار نطاق عريض لموضوع الكتاب قد ساهم في وجود نوع من التبسيط المخل، الذي يُشكك في حججه وبراهينه ودقتها.

مع ذلك لا يمكن إغفال براعة ميشرا في الكتابة، ربما لخلفيته الأدبية التي تمنح سرده للأحداث قوة وتأثيرًا كبيرين. يقول صديقي الذي عرفني على ميشرا أنه من أكثر الناس الذي يقرؤون في العالم.

طبعًا يأتي هذا الاستنتاج من قراءة ميشرا نفسه، من السهل إدراك ذلك فور قراءته، لكن هل تمكن من الوصول إلى كل أحد؟ أو إلى أشخاص يتمايزون عن أولئك الذين قرأ لهم لفهم ما يحدث في هذا الجانب من العالم. لكي لا يقع في فخ مركزية مضادة؟ وبحث لا يحاول كسب اعتراف الغرب نفسه الذي تنتقده هذه الأطروحة كي يكتسب شرعيته؟

لا يمكن أيضًا التعامل مع أطروحات دراسات ما بعد الاستعمار دون التفكير في التمثيل الثقافي بالنسبة للذين يتناولون هذه الموضوعات. فمن هي النخب؟ وهل التفكير فيها يعني بالضرورة القدرة على فهم المجتمعات التي جاءت منها؟ وكيف نستطيع أن نذهب أبعد من ذلك، أعني أبعد من أطروحات هؤلاء المثقفين عبر نصوصهم وكتاباتهم التي قد تكون طبقية، أو متمايزة عن المجتمع الذي يعيشون فيه؟ شعرتُ بالشيء نفسه مع كتاب رائع قرأته مؤخرًا، بل وأعتبره الكتاب الأهم الذي قرأت خلال هذا العام حتى هذه اللحظة وهو «التعايش المسكوني: صناعة العالم العربي الحديث» لأسامة مقدسي، مع ذلك لم يقلل ذلك من أهميته بالنسبة لي.

ما أذهلني في الكتاب هو ارتباط كل شيء بكل شيء؛ فتلميذ لمحمد عبده مثلًا سيصبح عما قليل رئيسًا لحراك ثوري علماني، أتاتورك وهتلر مثالًا مثيرًا للاهتمام، في تأثر الأول بكتاب الثاني، ولهذا يصبح لأثر الفراشة حضور وفاعلية لا شك فيها، فرغم الكثير من التعقيدات والتناقضات إلا أن التأثير واسع النطاق، والمصير الجماعي لسكان العالم كلهم لا مناص منه.