أعمدة

التجارة الخاسرة

لم يكن لي وأنا الطالب الداخل الجامعة حديثًا، الحالم بعالم الأدب، المتسلّح بإنهاء كلّ ما كتبه نجيب محفوظ، وكلّ ما كتبه توفيق الحكيم، إضافةً إلى اطّلاعي على ما تيسّر من أعمال حنا مينا وعبد الرحمن منيف وغالب هلسا وجورجي زيدان، وروايات عبير والألغاز، وأجاثا كريستي، أن أواجه أساتذتي وأقف متطاولا عليهم، بل عملت في البداية على تقديس هؤلاء الكبار، وإجلال علمهم، وفعلاً كنتُ على قدر كبير من الحظّ؛ إذ لحقت في دراستي أساتذة أجلاّء، ودرستُ عند وفْرة من الزاهدين في اللهث وراء المال والترقيات، المؤمنين بالعلم، الذين نجحوا في نقل هذا الشغف إلينا.

ولم يكن أغلبهم متواضعًا، وإنّما كانوا في علياء ونرجسيّة بعلمهم، ولكن أعتقد أنّه كان يحقّ لهم ذلك، فلا عيب لهم سوى تلك النرجسيّة التي لم تجعلهم يؤمنون بامتلاكهم الحقيقة، وترفّعوا عن بيع كتبهم في قاعات الدرس أو الإشارة إليها، ولا أن يصنعوا ملازم للطلبة، وكانوا ممتلئين علمًا.

ولكن من بعد ذلك ظهر جيلٌ لا أعرف من أين نبت، يتعالى دون علم، ويدّعي امتلاك الحقيقة، ويتلهّف على المال. في حين أنّ الأصل أنّ الجامعيين اختاروا البحث والكتاب على التهافت في جمع الأموال. ذلك أنّ حدود الله كانت بيِنة واضحة والبحث العلميّ ليس مصدر مال ولا ثراء، بل هو عامل إفقار الجيب وإثراء الفكر.

وأتذكّر موقفين، موقف أستاذنا صلاح الدين بوجاه رحمة الله عليه، وكان رئيس قسم اللغة العربيّة، في سنتي الأولى، وفي اختبارات السداسي الأوّل، وأنا مليء ادّعاءً ونرجسيّة وشبابًا، كتبتُ في الاختبارات كرّاسات وقع في ظنّي أنّها من أروع ما كتبتُ، وأخذتني العزّة بالعلم وكثرة الكتب التي أطّلع عليها، فتحصّلت على معدّل يؤدّي إلى الرسوب، في كلّ الموادّ تقريبا سبعة من عشرين.

ناداني الأستاذ بوجاه وكان عارفًا بقدرتي، مُحبّا لي، يُمكّنني من إنابته في درسه دوما، وقال لي طبيعي أنك ترسب إن واصلت بهذه الطريقة، وقدّم لي نصائح منهجيّة جعلتني أنجح بامتياز في كلّ سنوات دراستي، كانت تلك الرجة هامّة في مسيرتي الدراسيّة، وكان الأستاذ الباحث الذي أطّرني وواصل تأطيري إلى أن انتقل إلى رحمة اللّه هو السبب في إنقاذي من غروري وجهلي المنهجيّ، ولم يعرض علينا يوما كتبه مراجع رغم أنّه كان يُدرّسنا الأدب المقارن وهو من أكبر المتخصّصين الباحثين فيه، وإنّما كان يُهديني كلّ ما يكتب.

الموقف الثاني، كان جديدًا على وعْينا الجامعي وأنا طالب، أستاذ النقد السينمائي، وكنا ندرسها مادة اختيارية، دخل بكيس كبير فيه نُسخ من كتابه، وقال كلّ الدرس بتفصيله موجود في هذا الكتاب، وثمنه كذا، ولستم مجبرين على شرائه، وهو عند الطالب الفلاني، فاشتروا منه وادفعوا له إن شئتم، وخرج ولم يُقدّم حصّة واحدة.

فهل كُنا مُخيَّرين فعلا؟ من حسن حظّنا أنّ لدينا مكتبة عظيمة، ولدينا أيضا قائمون عليها على درجة من الوعي، يؤمنون بحقّ الطالب في الكتاب مجانًا، فكانت مكتبة الكليّة توفّر لنا الكتاب، في نسخ عديدة حتّى نتمكّن من قراءته دون شرائه. وشراء الكتب لم يكن بالأمر المتيسّر لنا، أذكر أنّا كُنّا نتجهّز سنةً كاملة، نوفّر مما يُشبه مصروف اليوم بعض الدنانير، لنقصد المعرض أوّلا ثمّ قد نقدر على الفوز بالنزر اليسير من كتب الفكر أو من الروايات.

كنّا نتنافس في قراءة كلّ شيء غثا أو سمينا، دارجا أو نادرًا، راقيًا أو هابطًا، ولكن لم نكن لنقدر على امتلاك كلّ ما نريده. أساتذتنا كانوا صرْحًا عالي المقام، ولكن بمرور أيامنا وسنواتنا في الجامعة تهاوى قسم من هذا الصرح وبقي قسم لا بأس به شامخا عاليا.

علة التهاوي التي دفعتني في مناسبات عديدة إلى نقد أساتذة الجامعة -وأنا منهم- في كامل الوطن العربي، وليس في قطر بعينه، نقاط ثلاث هي أساس خراب التعليم وانهياره وسواد مخرجاته. النقطة الأولى، قلّة العلم: فلقد تدهور وضع التعليم العالي وغلب على القائمين عليه الرغبة في تحقيق مكاسب شخصيّة، منها اللهث وراء الترقيات وتعقيداتها، ومنها قلّة ذات اليد والعمل على إصلاح ذلك بالتحوّل إلى جني المال، ببيع العلم واعتماده تجارة، وحساب الساعات الإضافيّة وبيع الملازم في بعض البلاد العربية، وإخراج كتب سطحية، بسيطة، تجميعية، متعلقة بجوهر الدرس وبيعها إلى الطلبة.

قلّة العلم آفة حوّلت الأستاذ الجامعي إلى شيخ دين متمسّك بثوابته لا يقبل فيها حولا ولا يرتضي جدلا.

النقطة الثانية، التحوّل من الأستاذ الباحث الغارق في بحوثه، المختبر لها مع طلبته إلى مؤدّب الصبية، الذي يعتقد أنّه حامل علم اليقين وأنّ ما سواه جاهل، الاعتقاد الجازم بامتلاك الحقيقة، يمثّل -فعلا- وعيًا قاتلا للبحث العلمي، قابرًا لزرْع نبْتٍ صالحٍ لمُقبِلٍ واعد، بهذا الاعتقاد الضالّ نفَّرنا عددا هامّا من الطلبة الجيِّدين المُجيدين.

مالك الحقيقة المطلقة لا مكانة له في البحث العلمي. النقطة الثالثة، وهي نتاج النقطتين السابقتين، تتمثّل في تغيّر منظور الطلبة إلى الأستاذ الجامعيّ، فهو مستغلّ، ممارس لنفوذه، يحبّ التملّق والتودّد والتقرّب ويتهافت على مأتى المال، تحوّل منظور الطلبة إلى صورة الأستاذ الجامعي أمر بالغ الأهميّة، فقد صنعْنا طلبةً لا يرغبون في تقليدنا، لا يريدون أن نكون نماذجهم، وأحيانًا يمقتوننا، يتقرّبون إلينا مؤقَّتا حتّى انقضاء شهادتهم ثمّ يكفرون بنا.

اليوم وأنا بعض من أساتذة الجامعة، وعرفتهم من كلّ حدْبٍ وصوب، أعلن خوفي من القادم، في ظلّ غلبةٍ قاهرة للأساتذة الشيوخ اليقينين المنتفخين بشهاداتهم لا بعلمهم، المرتقين بشكليّات ورقيّة لا علاقة لها بالعلم، وأقول مع صديقي المعري: «إِن مازَتِ الناسُ أَخلاقٌ يُعاشُ بِها/ فَإِنَّهُم عِندَ سوءِ الطَبعِ أَسواءُ.

فالتعليم وظيفة جليلة، وهي تجارة رابحة إن أعملنا فيها الأخلاق وعلمنا أبناء الخلق بضمير وحرص ووعي وحملنا الطلبة على الإيمان بالعلم، وهو تجارة خاسرة إن توسّلنا به لأجل جني المال واكتساب السلطة الماديّة.