ما علّمته الحرب الإيرانية للـعـالم عـن الأمـن الغـذائي
الاثنين / 6 / محرم / 1448 هـ - 21:53 - الاثنين 22 يونيو 2026 21:53
تعد مذكرة التفاهم الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران بإعادة تدفق النفط والغاز الطبيعي والكبريت والأسمدة عبر مضيق هرمز، مما يخفف الضغوط على الأسواق الزراعية ويقلّص خطر تفاقم أزمة الأمن الغذائي العالمية. غير أن هذه المذكرة، وإن كانت قد تحدّ من حدة الصدمة (على افتراض بقاء المضيق مفتوحًا)، فإنها لا تستطيع محو الدرس الأساسي الذي كشفت عنه الأشهر الأربعة الماضية؛ إذ لا تزال الزراعة شديدة الهشاشة بصورة مقلقة أمام الاضطرابات التي تصيب سلاسل إمداد الأسمدة.
في ظل حالة عدم اليقين العميقة التي تكتنف مذكرة التفاهم نفسها، فضلًا عن مستقبل العلاقات طويلة الأمد مع إيران على نحو أوسع، ينبغي للدول أن تستثمر أي انفراج مؤقت في الضغوط الراهنة لتعزيز قدرتها على الصمود قبل وصول الصدمة التالية. فالسؤال ليس ما إذا كان اضطراب آخر سيقع، بل ما إذا كنا سنكون أكثر استعدادًا عندما يحدث.
على مدى السنوات الخمس الماضية، استوعب القطاع الزراعي سلسلة متلاحقة من الأزمات، بدءًا من جائحة كوفيد-19، مرورًا بالحروب، وصولًا إلى الكوارث المتكررة المرتبطة بالمناخ.
وقد كشفت كل أزمة منها عن مواطن ضعف في سلاسل الإمداد، وأنظمة الطاقة، والإنتاج الزراعي. غير أن قلة من هذه الأزمات أتاحت فرصة واضحة بهذا القدر لمعالجة تلك الهشاشات قبل أن تبرز الأزمة التالية.
ولعل أكثر الدروس إثارة للقلق التي كشفت عنها أزمة إغلاق مضيق هرمز يتمثل في الفجوة بين ما كنا نعرفه وما أعددنا له من استعدادات؛ فقد كانت المخاطر المرتبطة باضطرابات إمدادات الأسمدة مفهومة ومعلومة جيدًا، ومع ذلك دخل القطاع الزراعي العالمي هذه الأزمة وهو يفتقر إلى ضمانات كافية وإلى أي آلية احتياطي دولية منسقة للمدخلات الحيوية والأساسية.
ونتيجة لذلك، أصبح ممر مائي واحد ينقل ما يقارب 20 إلى 30% من تجارة الأسمدة العالمية، ونحو 50% من صادرات الكبريت العالمية، نقطة اختناق خطيرة تهدد المنتجين عبر قارات متعددة. فعندما تعطلت تدفقات الإمدادات، لم يكن هناك أي مخزون احتياطي فعّال يمكنه تحقيق الاستقرار في الأسواق، كما لم يوجد مصدر بديل قادر على تعويض الكميات المفقودة على نطاق واسع.
وفي أمريكا اللاتينية، التي تُعد إحدى أكبر مناطق تصدير المنتجات الزراعية في العالم، يعتمد الإنتاج الزراعي بدرجة كبيرة على الأسمدة المستوردة. أما في العديد من البلدان الأفريقية، حيث لا يزال استخدام الأسمدة منخفضًا أصلًا، فإن حتى الاضطرابات المحدودة قد تؤدي إلى خسائر كبيرة في الإنتاجية.
وقد أبرزت هذه الأزمة مدى تركّز سلاسل إمداد المدخلات الحيوية وهشاشتها، ومدى اعتمادها على عدد محدود من المصادر والمسارات.
إن بناء القدرة على الصمود يتطلب أكثر من مجرد استعادة حركة التجارة. فإقامة احتياطيات استراتيجية، وتعزيز قدرات التخزين، وتنويع الممرات التجارية، وتطوير شبكات لوجستية أكثر متانة، كلها إجراءات يمكن أن تحدّ من التعرض لمواطن الاختناق وتمنح الحكومات قدرًا أكبر من المرونة خلال فترات الاضطراب. كما ينبغي للمؤسسات المالية الدولية وبنوك التنمية أن تدعم هذه الاستثمارات، ولا سيما في البلدان التي تواجه أصلًا قيودًا مرتبطة بالديون وضغوطًا على موازين مدفوعاتها.
كما سلطت هذه الصدمة الضوء على العلاقة الوثيقة بين أنظمة الطاقة والأنظمة الزراعية والغذائية. ففي العديد من البلدان النامية، لا تزال ملايين مضخات الري وشبكات النقل والآلات الزراعية تعتمد على وقود الديزل، ما يجعل تقلبات أسواق الطاقة تنتقل سريعًا إلى تكاليف الإنتاج الزراعي. ومن شأن تقليل تعرض الزراعة لصدمات الطاقة من خلال الاستثمار في كهربة المناطق الريفية ومصادر الطاقة المتجددة أن يعزز القدرة على الصمود ويحسن القدرة التنافسية على المدى الطويل. غير أن القدرة على الصمود تعتمد في نهاية المطاف ليس فقط على تأمين إمدادات الأسمدة، بل أيضًا على استخدامها بكفاءة أكبر. فليست أكثر النظم الزراعية قدرة على التكيف والصمود هي تلك التي تستخدم أكبر كمية من الأسمدة بالضرورة، بل تلك التي تطبق المغذيات المناسبة، في المكان المناسب، وفي الوقت المناسب.
ومن الدروس الواضحة التي أفرزتها هذه الأزمة أن انخفاض أسعار الأسمدة ليس دائمًا خبرًا سارًا. فقد عكس التراجع الأخير في أسعار اليوريا، جزئيًا، ضعف الطلب نتيجة قيام المزارعين بتأجيل مشترياتهم أو خفض معدلات الاستخدام بسبب حالة عدم اليقين، والقيود المالية، والمخاوف المتعلقة بالإمدادات، وتراجع توقعات الربحية. وقد يخفف هذا الانكماش في الطلب من الضغوط السعرية على المدى القصير، لكنه غالبًا ما يكون مؤشرًا على انخفاض استخدام المغذيات الزراعية، وهو ما قد يترجم لاحقًا إلى تراجع في الغلال وتشديد في إمدادات الغذاء.
ومن ثم، قد يعتمد مستقبل أمن الأسمدة بدرجة أقل على زيادة كميات المغذيات المستخدمة، وبدرجة أكبر على فهم التربة التي نقف عليها. فاستثمارات مثل رسم خرائط التربة، والإدارة الدقيقة للمغذيات، وتحسين الممارسات الزراعية، يمكن أن تساعد المزارعين على مواءمة استخدام الأسمدة مع الاحتياجات الفعلية للمحاصيل والتربة، بما يرفع الإنتاجية ويقلل الهدر ويحد من الاعتماد على الأسواق الدولية المتقلبة.
وينبغي التعامل مع المعلومات باعتبارها بنية تحتية زراعية حيوية لا تقل أهمية عن غيرها من المدخلات الأساسية. وعلى الحكومات والقطاع الخاص أن يعملا معًا على تطوير معايير مشتركة ومنصات متكاملة لتحويل بيانات التربة إلى منفعة عامة عالمية متاحة للجميع.
غالبًا ما تخلق الأزمات إغراءً يدفع إلى البحث عن حل واحد شامل.
غير أن الزراعة نادرًا ما توفر مثل هذا الحل؛ فالأمونيا الخضراء والتقنيات المرتبطة بها قد تسهم مستقبلًا في تنويع إنتاج الأسمدة وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، إلا أن تكاليفها لا تزال أعلى بكثير من تكاليف الأمونيا التقليدية، كما أن تطبيقها على نطاق واسع ما زال يحتاج إلى سنوات قبل أن يصبح واقعًا ملموسًا.
وفي الوقت نفسه، ينبغي لصناديق الابتكار والاستثمارات البحثية أن تدعم تطوير الأسمدة البديلة، والمنشطات الحيوية، والكائنات الحية الدقيقة النافعة، والتحسينات الوراثية للمحاصيل، والتقنيات التي تعزز كفاءة استخدام المغذيات وتحافظ على صحة التربة. ويجب أن تظل استراتيجيات التسميد الفعّالة قائمة على أسس علمية، ومتكيفة مع الظروف المحلية، وقائمة على الجمع بين الأسمدة الاصطناعية والإدارة المحسنة للتربة والحلول البيولوجية.
وفي نهاية المطاف، تتمثل القدرة على الصمود في الحفاظ على تعدد الخيارات عندما تتغير الظروف بصورة غير متوقعة؛ فأنظمة الإنذار المبكر، ومراقبة الأسواق، والتأمين الزراعي، وبروتوكولات الاستجابة الاستباقية، تتيح للحكومات التعامل مع الاضطرابات قبل أن تتحول إلى أزمات حقيقية.
وتظل هذه الاستثمارات ذات أهمية بالغة، سواء كان مصدر الصدمة المقبلة التوترات الجيوسياسية، أو التقلبات المناخية، أو اضطرابات أسواق الطاقة.
وبغضّ النظر عن مآلات مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، فإن التداعيات الاقتصادية للاضطراب الذي شهده مضيق هرمز ستواصل انتقالها عبر الأنظمة الزراعية لفترة طويلة بعد عودة خطوط الشحن إلى وضعها الطبيعي. وتشير تحليلات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة إلى أنه مع انتقال آثار ارتفاع تكاليف المدخلات والتعديلات الإنتاجية عبر الأسواق، قد يواصل المنتجون مواجهة تراجع في الربحية وخسائر في الدخل خلال عام 2026.
وعلى الحكومات والمؤسسات المالية الدولية وبنوك التنمية أن تغتنم هذه اللحظة لتعزيز البنية التحتية الحيوية، وتحسين الوصول إلى المعلومات الزراعية، وتنويع سلاسل الإمداد، وبناء أنظمة أسمدة أكثر قدرة على الصمود. فمواطن الضعف التي كشفتها هذه الأزمة كانت مفهومة ومعروفة جيدًا قبل اندلاعها، ولا ينبغي أن تبقى دون معالجة بعد انتهائها.
ماكسيمو توريرو كبير الاقتصاديين في منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة.
خدمة بروجيكت سنديكيت