أعمدة

الأمراض المزمنة و«بيغ فارما»

سأكمل ما بدأته في مقالي السابق حول الانتقال من «الإدارة الدوائية المستمرة» إلى نموذج التعافي الأيضي لمرضى السكري من النوع الثاني.

في البداية، أنوه إلى أن الوفورات المالية المقدرة التي ذكرتها في مقالي السابق كانت لعدد من السنوات تراكميا، وليس لعام واحد فقط، وقد سقط سهوا عدد السنوات.

لذا سأركز الآن على تفاصيل الوفورات على مدى 10 سنوات من تطبيق هذا النموذج.

بناء على بيانات الاتحاد الدولي للسكري (IDF) الصادرة في تحديث عام 2024، يُقدّر عدد البالغين المصابين بالسكري في سلطنة عمان، عُمانيين ومقيمين، بنحو 412,300 مصاب، بمعدل انتشار عام يصل إلى 17% بين السكان من عمر 20 إلى 79 عاما. وتشير الكتيبات الإرشادية لوزارة الصحة إلى أن النوع الثاني يمثل النسبة الساحقة بحوالي 90% من الحالات، فهو مرتبط بنمط الحياة والسمنة، بينما يمثل النوع الأول المناعي ما بين 5% و10%، وهو الأكثر شيوعا بين الأطفال والمراهقين.

وعند تطبيق مؤشرات المسح الوطني للأمراض غير المعدية (STEPS)، الذي نُفذ ميدانيا في سلطنة عمان خلال 2025، وصدرت ورقة حقائقه الرسمية في فبراير 2026، نجد أن نسبة الانتشار المحلية بين المواطنين بلغت 15.7%.

هذا يعني أن عدد المواطنين العُمانيين المصابين بالنوع الثاني من السكري يبلغ حاليا قرابة 240,000 مريض، مع وجود 11.8% من المواطنين في مرحلة ما قبل السكري الحرجة وفقا لنتائج المسح نفسه.

وفقا لدراسات كلفة الأمراض الخليجية المحدثة حتى عام 2026، فالكلفة القياسية المستقرة تشمل الأدوية الدورية مثل الميتفورمين والإبر، والفحوصات المخبرية الأساسية، وزيارات الرعاية الأولية. وتبلغ في المتوسط 965 ريالا عمانيا سنويا للمريض الواحد. وتشير البيانات إلى أن 70% من ميزانيات السكري تذهب لعلاج المضاعفات الحرجة عند انهيار خطوط الدفاع الأولى، وهي أولا الفشل الكلوي؛ فتكلفة إدارة مريض الغسيل الكلوي الواحد ما بين 6,000 و8,000 ريال عماني سنويا. أما القدم السكرية والبتر؛ فيُكلف علاجه ما بين 4,000 و6,000 ريال عماني للحالة الواحدة. أما قسطرة الشرايين والقلب؛ فتكلف العمليات الجراحية لانسداد الشرايين الناتجة عن السكري ما بين 4,500 و5,100 ريال عماني لكل عملية. وتجنب المضاعفات يمثل الوفر غير المباشر، وسنحسبه بضرب الوفر المباشر في «معامل المضاعفات الخليجي المعتمد»، وهو تجنب كلفة الخطر الموزع بنسبة تضاعف 2x إلى 2.5x.

عند بناء نموذج مالي ديناميكي يبدأ من 2026 ويمتد لـ10 سنوات، بحيث يستهدف 50% من العُمانيين المصابين بالنوع الثاني، أي 120,000 مريض كشريحة مستهدفة في السنة الأولى، مع احتساب معدل نمو طبيعي سنوي للإصابات بمقدار 3%، وتراكم الحالات المتعافية عاما بعد عام. ونقدر نسبة نجاح تحفظية تبلغ 40% كهامش أمان، لتعويض فروقات الالتزام في التطبيق الميداني الواسع مقارنة بالبيئة العيادية الصارمة للمختبرات.

ونضع في الحسبان تخصيص ميزانية استثمارية قدرها 300 ريال عماني لكل مواطن لتمويل مرحلة التعافي الأيضي المكثف «أجهزة قياس، وإشراف طبي، ومنصات رقمية»، فيكون الاستثمار التشغيلي المطلوب للسنة الأولى حوالي 36 مليون ريال عُماني، يُغطى بالكامل تقريبا من وفر الأدوية الفوري البالغ حوالي 32.4 مليون ريال، لتصل المنظومة إلى نقطة التعادل سريعا.

أما صافي الوفر التراكمي المباشر (2026 - 2036)، فبعد خصم كافة تكاليف تشغيل البرنامج على مدار العقد، يتبقى وفر صافٍ مؤكد يتجاوز 960 مليون ريال من بند الرعاية القياسية والأدوية. أما صافي الوفر الشامل، وهو العائد الحقيقي على الاستثمار، مع إضافة كلفة الحماية من المضاعفات الكارثية، وهي الغسيل الكلوي والبتر وغيره، وخصم كلفة تشغيل البرنامج؛ فيقفز صافي الفائض المسترد إلى ما بين 3.3 و4.3 مليار ريال عُماني بنهاية عام 2036.

أما إجمالي حالات التعافي الأيضي بحلول عام 2036 فهو 258,000 مواطن عُماني يتم إخراجهم من سجلات المرض والاعتماد الدوائي إلى نمط الحياة الطبيعي المستقر.

وعند إدخال معامل خطر تحفظي يفترض انتكاس ما بين 15% و20% من الحالات على مدار العشر سنوات، واحتياجهم إلى إعادة التأهيل أو العودة الجزئية للأدوية الدورية، فإن صافي الوفر التراكمي لوزارة الصحة يظل مستقرا فوق حاجز المليار ريال عماني. هي ليست أرقاما من وثيقة مالية جاهزة، بل هي نموذج محاكاة اقتصادي استشرافي، وهي توقعات مبنية على دمج كلفة المرض الخليجية مع نسب التعافي العالمية.