نقص الكواشف الطبية يشلّ خطوط الدفاع الصحي في غزة
وباء بلا تشخيص
الاثنين / 6 / محرم / 1448 هـ - 20:26 - الاثنين 22 يونيو 2026 20:26
غزة - بهاء طباسي
في أروقة طوارئ مستشفى ناصر الطبي بخان يونس، تقف أمّ فلسطينية شابة عاجزة أمام سرير طفلها البالغ من العمر خمس سنوات. خمسة أيام متواصلة من الحمى الشديدة، والقيء الممنهج، والطفح الجلدي المبهم، انتهت بنحولٍ مفاجئ في أطراف الصغير. تقول الأم بصوت مذعورٍ: «بدأ الأمر بألم في البطن، ثم تصاعدت الحمى، واليوم لم يعد قادرًا على الوقوف على قدميه».
داخل غرفة الكشف، ينظر الطبيب المقيم إلى جسد الطفل الواهن، ثم يقلب بصره في ورقة الفحوصات المطلوبة. القائمة تشمل تحليل صورة دم كاملة «CBC»، واختبارات وظائف الكلى، وكواشف فيروسية محددة. يضع الطبيب قلمه جانبًا ويقول: «لا يمكنني إخبار المريض أو عائلته بطبيعة الداء؛ ببساطة، الأدوات الحيوية التي تمكننا من رؤية ما يدور داخل الجسد غير موجودة».
شلل منظومة التشخيص
لم يكن المشهد حدثًا عابرًا، بل واجهة لأزمة هيكلية أعمق؛ إذ يسجل مستشفى ناصر وحده نحو 40 حالة شهريًا لأطفال يصلون بأعراض غامضة وتدهور سريع دون إمكانية للوصول إلى تشخيص حاسم. ويوضح أطباء في أقسام الأطفال أن غياب الفحوصات الدقيقة يجبر الطواقم الطبية على الاعتماد على بروتوكولات علاجية عامة ومضادات حيوية واسعة الطيف، مراهنين على استجابة الجسد، وهو رهان ينتهي في أحيان كثيرة بدخول المرضى في انتكاسات صحية حرجة قبل تحديد المسبب الرئيسي.
المختبرات الطبية وبنوك الدم، التي كانت تمثل الجهاز العصبي للمنظومة الصحية في قطاع غزة، تواجه اليوم خطر التوقف الكامل. تكشف الدكتورة سحر غانم، مديرة وحدة المختبرات وبنوك الدم في وزارة الصحة، عن حجم الدمار البنيوي قائلة، لـ«عُمان»: «من بين 12 مختبرًا مركزيًا وبنك دم كانت تغطي مستشفيات القطاع قبل الحرب، لم يتبقَ سوى أربعة مختبرات فقط تعمل اليوم بطاقات تشغيلية دنيا وضمن ظروف معقدة».
ويمتد هذا التراجع إلى مراكز الرعاية الأولية، حيث تشير البيانات الرسمية إلى أن 13 مختبرًا فقط من أصل 37 ما زالت تقدم خدماتها، ونصف هذه المراكز يعمل بشكل جزئي نتيجة نقص الكوادر والمستلزمات. وتشير د. غانم إلى أن الخسارة الأكبر تمثلت في «التدمير الكامل لمختبر الصحة العامة المركزي، وهو المنشأة الوحيدة والسيادية المخولة بفحص سلامة المياه، والأغذية، والأدوية المتداولة في الأسواق والتشكيلات الإغاثية».
أرقام الانهيار: 90% عجز في مواد فحص الدم
تترجم الإحصاءات الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة في غزة طبيعة هذا الشلل التشخيصي؛ إذ تشير التقديرات إلى أن أكثر من 50% من أجهزة المختبرات باتت خارج الخدمة تمامًا إما بسبب القصف المباشر أو لغياب قطع الغيار والتيار الكهربائي المستدام.
وتوضح الوزارة أن العجز في المواد المخبرية الأساسية تجاوز حاجز 70%، وارتفع في بعض الأصناف التخصصية إلى 84%، في حين نفدت نحو 75% من مواد الفحوصات الكيميائية الحيوية تمامًا من المستودعات، ووصلت الأرصدة الخاصة بمواد فحوصات ونقل الدم إلى نقطة الصفر بنسبة عجز بلغت 90%.
رصد الأوبئة: السير في الظلام
التبعات المترتبة على هذا العجز تتجاوز الحالات الفردية إلى تهديد الأمن الصحي الجماعي. وفي إحاطة إعلامية قدمتها من جنيف، الدكتورة رينيه فان دي ويردت، ممثلة منظمة الصحة العالمية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، حذرت من خطورة غياب أدوات الرصد الوبائي، والتي يُمكن تسميتها في غزة «خطوط الدفاع الصحي». وقالت دي ويردت، في التصريحات التي نُقلت عنها نهاية شهر مايو الماضي: «دون الكواشف الطبية ومعدات المختبرات، نفقد القدرة على تشخيص الأمراض الوافدة أو تتبع أي تفشٍ محتمل للأوبئة في بيئة تفتقر لأدنى مقومات الصرف الصحي».
وأضافت ممثلة المنظمة الدولية: «حين نتحدث عن الحاجة لكشف فيروسات مثل (هانتا) أو (الإيبولا)، فإننا لا نتحدث عن رفاهية طبية، بل عن أدوات أساسية لإنقاذ الأرواح، ومنح المنظومة الدولية نظام إنذار مبكر يحذر العالم من تحول القطاع إلى بؤرة وبائية لا يمكن السيطرة عليها».
وفي الأسابيع القليلة الماضية، رصدت الطواقم الطبية الميدانية انتشارًا لأعراض فيروسية غير معهودة بين النازحين في المخيمات والمراكز المكتظة، إلا أن تحديد هوية الفيروس وسلالته ظل مستحيلاً. ويصف الطبيب في مستشفى ناصر، أحمد الفرا هذا الوضع بقوله: «نحن نعمل كمن يسير في الظلام؛ المرضى يصلون في مراحل متقدمة من الفشل العضوي أو الالتهاب الرئوي الحاد، وخياراتنا العلاجية تقتصر على التدخلات التدعيمية ومراقبة المؤشرات الحيوية».
«الاستخدام المزدوج» كأداة حظر
تُرجع التقارير الدولية والأممية هذا النقص الحاد إلى القيود الصارمة التي تفرضها السلطات الإسرائيلية على دخول المواد الكيميائية والأجهزة الطبية، تحت ذريعة تصنيفها ضمن قوائم المواد ذات «الاستخدام المزدوج» – وهي المواد التي تزعم إسرائيل إمكانية استخدامها في شق عسكري.
وتشير الدكتورة فان دي ويردت إلى أن هذه القوائم باتت تشمل مستلزمات طبية أساسية مثل الأطراف الاصطناعية وكواشف المختبرات الدقيقة ومعدات التعقيم. وتؤكد أن «هذه الشحنات والمعدات الحيوية لا تزال محتجزة في الموانئ والمعابر الحدودية منذ أشهر، مما ينعكس بشكل مباشر ومميت على الواقع الصحي للسكان». ومن الأمثلة على ذلك، مستشفى ميداني مسبق التجهيز مقدم من الأردن، لا يزال ينتظر الموافقات الأمنية للدخول منذ عدة أسابيع.
الأونروا: ضغوط فوق الطاقة
وسط هذا التراجع، تحاول وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» سد الفجوات في قطاع الرعاية الأولية. ووفقًا لبيانات الدكتور أكيهيرو سيتا، مدير برنامج الصحة في الوكالة، فإن الأونروا قدمت نحو 4.5 مليون استشارة طبية خلال العام الماضي، ما يعادل قرابة 40% من إجمالي الخدمات الطبية المقدمة في القطاع.
ويؤكد الدكتور سيتا أنه «لا توجد منظمة بديلة قادرة على تحمل هذا العبء في الوقت الراهن»، مستدركًا بأن الوكالة نفسها تواجه قيودًا عملياتية خانقة تمنعها من إدخال الأدوية والمستهلكات الطبية، فضلاً عن فقدانها لمركزين صحيين حيويين في القدس الشرقية كانا يخدمان 11 ألف مريض سنويًا. ويختم سيتا بوصف الواقع الإنساني لطواقمه: «العديد من أطبائنا وممرضينا يعيشون في الخيام مع عائلاتهم، ويقدمون الخدمة تحت القصف دون شعور بالأمان الشخصي».
فقد مجهول الهوية
في غزة، لم يعد خطر الموت مقتصرًا على الشظايا أو انهيار المباني؛ المنظومة الحيوية في القطاع باتت مهددة بنوع آخر من الفقد مجهول الهوية: ميكروبات مجهولة، وبكتيريا مقاومة للمضادات، وأمراض مزمنة تنهش الأجساد دون أن تجد مختبرًا يحدد هويتها.
ومع استمرار إغلاق المعابر أمام المستلزمات الطبية، تتزايد التحذيرات من أن العجز عن التشخيص سيظل العامل الحاسم في رفع معدلات الوفيات الناجمة عن أمراض كان من الممكن علاجها بجرعة دواء بسيطة، لو توفرت الكواشف.