ستارمر يواجه قرارا يحدد مشواره السياسي "الاستقالة أو مواجهة التحدي"
الاحد / 5 / محرم / 1448 هـ - 20:54 - الاحد 21 يونيو 2026 20:54
لندن 'د. ب. أ': يواجه رئيس وزراء بريطانيا كير ستارمر قرارا يحدد مشواره السياسي: الاستقالة أو مواجهة تحد من منافسه من حزب العمال، آندي بورنهام. وكان ستارمر قد تعهد بشكل علني بالبقاء في منصبه، لكن تتزايد الضغوط عليه حيث أن المزيد والمزيد من زملائه يعتبرون أن وقته قد انتهى.
وتتزايد التوقعات بأنه سيعلن عن جدول زمني لاستقالته غدًا الاثنين. وهو اليوم الذي سيؤدي فيه بورنهام اليمين الدستورية، كعضو في مجلس العموم، بعد فوزه في انتخابات خاصة الأسبوع الماضي.
ويقضي ستارمر عطلة نهاية الأسبوع في تشيكرز، القصر الريفي الذي يستخدمه رؤساء الوزراء البريطانيون ، مع أسرته. وقال وزير الأعمال بيتر كايل اليوم الأحد إن ستارمر 'يستغرق وقتا للتفكير في الحقائق السياسية والتحديات والفرص التي يجد نفسه فيها'. وأضاف كايل لهيئة الإذاعة البريطانية(بي.سي.سي) 'أعرف أن رئيس الوزراء يضع بلاده دائما أولا' على الرغم من أنه قال إن التقارير بأن ستارمر سوف يستقيل هي 'تكهنات'.
عودة أندي برنهام
عاد أندي برنهام إلى البرلمان البريطاني نائبا عن حزب العمال بعد فوزه القوي في الانتخابات الفرعية بدائرة ميكرفيلد، ويبدو أنه يتأهب لخوض التحدي على زعامة الحزب في مواجهة رئيس الوزراء كير ستارمر. وبينما لا يزال من الممكن أن يتمكن ستارمر من الاحتفاظ بمنصبه، يبدو من المرجح أن يكون لبريطانيا رئيس حكومة جديد في فترة ليست طويلة. وانصب جانب كبير من النقاش حول أوجه الاختلاف المحتملة بين برنهام، أو أي منافس آخر، وستارمر، على نهج التعامل مع القضايا الداخلية الملحة، وخاصة تكاليف المعيشة والنمو الاقتصادي والخدمات العامة والهجرة، مع ظهور متقطع لقضية العلاقات مع الاتحاد الأوروبي مستقبلا.
وتقول أوليفيا أو سوليفان، مديرة قسم بريطانيا في البرنامج العالمي بالمعهد الملكي للشؤون الدولية البريطاني (تشاتام هاوس)، في تحليل نشره المعهد، إن هذه القضايا بالغة الأهمية، 'ولكن فترة ستارمر في رئاسة الحكومة استهلكتها ملفات السياسة الخارجية إلى حد كبير. وسوف يجد أي رئيس وزراء جديد نفسه أمام سيل متواصل من القضايا والتحديات الدولية'. وأضافت أن الأمر ليس فقط نتيجة للأزمات الخارجية غير المتوقعة، رغم كثرتها، بل يرتبط كذلك بحقيقة أن أهم علاقات لبريطانيا منذ الحرب العالمية الثانية،- مع الولايات المتحدة وأوروبا- تمر حاليا بمرحلة تحول.
وتؤكد المحللة السياسية أو سوليفان أنه يمكن استخلاص دروس إيجابية من أداء ستارمر في منصبه حتى الآن، 'ولكن حكومته كافحت في التعامل مع الأسئلة الاستراتيجية الأعمق- وتوفير الموارد اللازمة- لمواكبة هذا التحول الجوهري وتبعاته على الدفاع والأمن'.
وسوف 'يحظى أي رئيس وزراء جديد بفرصة لإعادة ضبط المسار، في مواجهة تزايد تردد الولايات المتحدة في تحمل أعباء الأمن الأوروبي، واشتداد وطأة التنافس الأمريكي-الصيني، وتنامي التهديدات التي تواجه المملكة المتحدة نتيجة ذلك'.
نجاحات ستارمر
وترى أو سوليفان أن ستارمر نجح في إدارة علاقة معقدة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من خلال فهمه الدقيق والتعامل الحذر مع الحساسية الشديدة لدى تيار 'لنجعل أمريكا عظيمة مجددا' (ماجا)، إزاء ما يعتبره نزعة استعلاء أوروبية. كما رفض الانجرار إلى مواجهات علنية مع الإدارة الأمريكية عندما لا يخدم ذلك المصالح البريطانية. وإضافة إلى ذلك، جرت إدارة الزيارات الرسمية المتبادلة بين البلدين بشكل ناجح، وسعى ستارمر إلى الاستفادة من دروس الماضي عبر وضع حدود الدور البريطاني في الحرب الأمريكية-الإيرانية، إدراكا للدروس المستخلصة من حرب العراق، 'فيما يتعلق باستنزاف الموارد البريطانية المحدودة في مهمات أمريكية تفتقر إلى هدف استراتيجي واضح'.
كما برز ستارمر كحليف أوروبي موثوق، حيث واصل نهج الحكومات البريطانية السابقة في دعم أوكرانيا على المدى الطويل، وبنظرة واقعية، وأدرك أن الأولوية الأمنية لبلاده يجب أن تظل في أوروبا.
كما نسق بفاعلية مع الشركاء الأوروبيين، ووقع معاهدة أمنية جديدة مع ألمانيا، وجدد الاتفاقية القائمة مع فرنسا. خطة دفاعية طويلة الأمد لأوروبا وتابعت أو سوليفان بالقول إنه رغم نجاح ستارمر النسبي على صعيد الدبلوماسية الأوروبية، فإن هذا النجاح مهدد بالتقويض بسبب إخفاق حكومته في التعامل مع التكاليف المتزايدة للالتزامات الدفاعية والأمنية. وتحديات الإنفاق الدفاعي ليست بالأمر الجديد على بريطانيا، ولا تقتصر عليها، بل تشترك في ذلك مع دول أوروبية عديدة.
ولطالما تعهدت حكومات بريطانية سابقة بتحقيق أهداف طموحة للإنفاق الدفاعي، دون توضيح كيف ستمولها. ولكن القضية لا تتعلق فقط بالمنافسة على الموارد العامة المحدودة، بل أيضا بضرورة بناء علاقة دفاعية وأمنية طويلة الأمد مع الحلفاء الأوروبيين- وهو تحد كبير- في ظل تراجع موثوقية الولايات المتحدة كضامن لأمن أوروبا، وتوجه واشنطن إلى سحب بعض مواردها في القارة.
وعزز رد فعل بريطانيا السريع للغزو الروسي الشامل لأوكرانيا عام 2022 موثوقيتها كطرف مساهم في تشكيل مستقبل الأمن الأوروبي، حيث أرسلت أسلحة وساهمت في تدريب القوات الأوكرانية، وأدت دورا رئيسيا في تنسيق الدعم الدولي. كما تعاونت لندن بشكل وثيق مع دول الشمال الأوروبي والبلطيق، خاصة عبر قوة التدخل السريع المشتركة، لإقامة تحالف دفاعي أوروبي أكثر نشاطا.
وأثبتت بريطانيا بعد انسحابها من الاتحاد الأوروبي (بريكست) أنها لا تزال تستطيع أداء دور استراتيجي وأمني مهم في القارة. ولكن إخفاق البلاد في تحديث وتطوير قدراتها الدفاعية بصورة موثوقة قد يقوض هذا الدور الآن.
واتسمت السياسة الدفاعية لبريطانيا بالقصور والاضطراب عبر حكومات متعاقبة، ولم تتعامل بصورة حقيقية مع التحول الواسع الذي تفرضه خطوة الولايات المتحدة بسحب جزء من مواردها، ومطالبتها حلفاءها في حلف شمال الأطلسي (الناتو) بزيادة إنفاقهم الدفاعي. وأطلقت حكومة ستارمر عملية إعادة ضبط لعلاقات البلاد مع الاتحاد الأوروبي من خلال قمة بريطانية-أوروبية عقدت في مايو 2025، وأسفرت عن شراكة جديدة للأمن والدفاع.
ورغم إحراز بعض التقدم، تعثرت المفاوضات في نوفمبر عندما أخفقت المحادثات بشأن حصول بريطانيا على حق الوصول إلى برنامج 'العمل الأمني من أجل أوروبا'، الذي يتيح قروضا مدعومة بشكل جماعي لتمويل مشتريات الدفاع المشتركة وقد شكل ذلك انتكاسة.
وتؤكد أو سوليفان في تحليلها أنه يجب على أي رئيس وزراء لبريطانيا التركيز على إيجاد حلول طويلة الأجل ومبتكرة لتمويل الدفاع الجماعي مع الاتحاد الأوروبي، وأن يعتبر الانضمام إلى برنامج 'العمل الأمني من أجل أوروبا'، أو أي صيغة مشابهة مستقبلا، مجرد خطوة أولى نحو تمكين الدول الأوروبية من تمويل قدراتها العسكرية بشكل مشترك.
المنافسة بين أمريكا والصين
وكان لتغير الدور الأمريكي تداعيات تجاوزت حدود ملف الدفاع، إذ أدى تصاعد التنافس بين واشنطن وبكين إلى بيئة تجارية أكثر عدائية، مع استعداد الطرفين لاستخدام الرسوم الجمركية وقيود التصدير كوسائل للضغط على الآخرين، وإجبارهم. وبدأت حكومة ستارمر بالفعل بحث كيفية التصدي بشكل موثوق لمحاولات ' القسر الاقتصادي' المحتملة، وسعت بحكمة إلى إقامة علاقات تجارية واستراتيجية أعمق مع دول أخرى يساورها القلق إزاء تداعيات المنافسة الأمريكية-الصينية و سيطرة القوتين على البنية التحتية التكنولوجية وعلى سلاسل الإمداد.
ويقدم اتفاق الشراكة التكنولوجية المتقدمة بين بريطانيا واليابان، والذي أعلن مؤخرا، مثالا على ذلك. ولكن مواجهة التحديات الناجمة عن التنافس الأمريكي-الصيني بنجاح تتطلب جهدا حكوميا أكثر استدامة، ومزيد من الاستيعاب الواضح للترابط بين قضايا التجارة والأمن. وذلك أمر عسير بسبب إعادة الهيكلة الواسعة الجارية في وزارة الخارجية والتنمية ببريطانيا، إضافة إلى النقص المزمن في الخبرات المتخصصة في الشأن الصيني داخل أجهزة الدولة.
وتخلص أو سوليفان في نهاية تحليلها إلى أن الشعب البريطاني يستحق أن يتلقى شرحا أكثر وضوحا لطبيعة البيئة الدولية المتغيرة، 'حيث تمتد آثار هذه التحولات إلى الإنفاق الدفاعي والأمن والسياسات التجارية، وتحدد الخيارات المتاحة أمام المملكة المتحدة.' ويعد 'شرح هذه الحقائق للرأي العام، بصدق ووضوح، جزءا ضروريا من إعداد البلاد لمرحلة استراتيجية مختلفة، وينبغي أن يتصدر قائمة أولويات أي رئيس وزراء جديد'.