إلى صديقتي في جِنان قناعتِها
الاحد / 5 / محرم / 1448 هـ - 20:35 - الاحد 21 يونيو 2026 20:35
لديّ صديقة تقطنُ في البلاد السعيدة، نتحدثُ أنا وهي يوميًا تقريبًا. يبدو للوهلة الأولى أنّنا من عالمين مختلفين، رغم أننا ولدنا في العام نفسه وفي ظروف متشابهة تقريبًا. تبدأ رسائلنا الصوتية منذ الصباح الباكر؛ أحدثها عن زحام الشوارع، وعن القلق من الوصول المتأخر إلى العمل وعن الأفكار التي أتبناها لكتابٍ وفلاسفة.
وتُحدثني عن حقلها الواسع، فألتقطُ بأُذنيّ ضجيجه العارم؛ أسمع تغريدًا ونعيقًا، وتدفّقًا عذبًا للماء في الفلج وحفيف أوراق الشجر المُتحرك وثغاء حيواناتها المُتلاحق.
أسمعُ صوتها اللاهث المُتهدِّج وهي تملأُ دلاء الماء ثمّ تحملها بخفة، الطرطشة المندلقة من حافته، والقطط التي تموء بالجوار وتتكاثرُ على نحوٍ مُربك. كل ذلك يجعلني أتأمل حياتي وحياتها، وأفتشُ عن معنى «الرزق» المُخبأ لكلينا.
أُحدثها عن إجازة أبنائي، عمّا قد يحلّ بهم في صيفٍ مُلتهب، وعن البرامج التي ألاحقها لتسجيلهم، عن حلقة الروتين اليومية المُرهقة، عن المولات التي تُغلق بعض محلاتها لضعف القوة الشرائية.
وتُحدّثني عن التيس الذي عزلته عن رفاقه بعدما أخذ يطارد شياهها برغبةٍ جامحة.
ربطته مُنفردًا، لكن الحبل التفّ حول عنقه، فوجدته في الصباح وقد شنق نفسه. أخبرتني أنّها حزنت كثيرًا، وأنّها لامت نفسها طويلًا.
أُخبرها عن أسعار البيض التي ارتفعت بسبب الحرب، وعن أجهزة التفقيس، وعن الأعلاف التي تُقدَّم للدجاج وتُسرّع نموها، وعن المدينة التي تتعرّى من غطائها النباتي، فننكشفُ تحت وهجٍ مُعطِّل للحركة والتنفس، وتُخبرني عن البيض المتروك من دجاجاتها التي تأبى أن ترقد عليه، وكيف أنّ إحداها رقدت فوقه بأناةٍ وصبر وكأنّه بيضها.
هكذا بقينا أنا وهي نترقّبُ بشوقٍ ولهفة حتى فقست البيضات وخرجت الصيصان. لقد رأيتها بوضوح في الفيديو الذي أرسلته إليّ.
في النصف الثاني من النهار، تنشغلُ صديقتي بحشّ الحشائش لتأمين أعلاف حيواناتها. ولا أدري كيف استطاعت هي وزوجها الحفاظ على حقلٍ يانعٍ وماشيةٍ مُعافاة دون استقدام عامل. لقد فعلا ذلك وحدهما، كأعجوبة!
أتأمل رضا هذه المرأة الشابة، التي تُقدّم الحمد على الغضب والاستياء، وتجدُ متسعًا من الوقت لتمرّر حكمتها، غير المُستقاة من الكتب أو الفلسفة أو المجلات التي تقرؤها، وإنّما من معترك الحياة التي عجنتها بعذاباتها وقهرها.
تلك المرأة التي حين أصيبت بالمرض وتوحشت بها الآلام، أبدت صبرًا نادرًا، بينما أبديتُ أنا جزعًا مُفرطًا لمجرد سماعي بمصابها!
من المؤكد أنّ هذه الحياة لم تكن يومًا في نطاق اختيارها، لكنها أيضًا لا تنظر إليها كجحيمٍ مُستعر. وأنا من خلف شباكي الآمن ومكتبي الإسمنتي، شعرتُ بحريتها في حقلٍ تدبّ فيه الجنادب والطيور والفراشات والنحل والديدان. تقطفُ من فاكهته الدانية وتغسلها في الحوض بعد يومٍ مُجهد، وتجمع خضارها التي تُصوّرها لي بين فينة وأخرى لتطهو بها وجبة العشاء، وأبقى مذهولة وممتلئة بفراغٍ هائل ينهشني.
المؤكد أنّي أمام بهرجة الصورة والفيديو والأصوات الحيّة التي تعصفُ بحقلها، غفلتُ عن وجع مرفقيها وقدميها المتورمتين.
كنتُ معنية أكثر بآلام عنقي وكتفيّ من الانحناء المستمر على شاشة اللابتوب. غفلتُ عن تصوّر أنّ نومها الهانئ جاء بعد يومٍ مُضنٍ، بينما يبحرُ أرقِي في أفكارٍ مُتلاطمة.
أعي أيضًا أنّ أي تعطلٍ في صحتها، أو مرضٍ قد يصيب الماشية، أو أي ضررٍ بالحقل، سيعني فقرًا مُدقعًا؛ ففي هذا النوع من العيش تنتفي ضمانات الاستقرار. هي تدركُ أنّها إن لم تصح لتحلب وتزرع وتسقي وتجزّ وتذبح، سيتوقف نبضُ حقلها، فلا مجال هناك للتراخي هناك، بينما يمكنُ للكتابة أن تتنحّى قليلًا وتنتظر.
في مكانٍ خفيٍّ وعميقٍ من كلينا -وإن لم نتحدث يومًا بشأن ذلك- كانت كل واحدة منا تغبطُ الأخرى على شيءٍ ما، وربما تمنّت كل واحدةٍ منا شيئًا عند الأخرى. غير أننا، في هذا التضادّ العارم بين الحياتين، كنّا نتحسّس فكرة «الرزق» كمسألة يتعذّرُ على من ينظر إلى ظاهر الأمور أن يتبيّنها.
أعرف أنّ ما أجعله الآن بالغ التمثّل العاطفي، متخيلٌ ومتوهمٌ على نحوٍ ما، ويُخفي زيفًا لا محالة، لأن تلك الحياة لا طاقة لنا بها أصلًا.. وإن بدت لامعة من بعيد، ولعلّي أختم بقول تيد هيوز: «ليس كل شيء في نطاق اختيارك/هناك أيضًا جِنان قناعاتك».
هدى حمد كاتبة عُمانية ومديرة تحرير مجلة «نزوى»