فيلم "الضغط".. معركة النورماندي في مقاربة جديدة للانتصار أو الهزيمة
الاحد / 5 / محرم / 1448 هـ - 19:21 - الاحد 21 يونيو 2026 19:21
طاهر علوان
لا تزال قصص الحرب العالمية الثانية تجتذب كتّاب السيناريو والمخرجين وشركات الإنتاج ولا يزال هنالك جمهور عريض مستعد لمشاهدة المزيد من قصص تلك الحرب أو اكتشاف سر من أسرارها.
في المقابل هنالك ما انطوت عليه تلك الحرب العالمية الكارثية من خسائر وضحايا لا تزال آثارها قائمة من خلال استذكار أهم المعارك وأكثرها دموية ومنها معارك ميداواي وأوكيناوا وستاليننغراد ومعركة كورسك وصولا إلى معركة النورماندي التي نحن بصددها في هذا المقال وهي موضوعة فيلمنا هذا وهي المعركة التي قُدم من أجلها العديد من الأفلام منها: فيلم أول يوم في التاريخ- 1962، وإنقاذ الجندي رايان- 1998، والفرقة الحمراء الكبيرة- 1980 و36 ساعة- 1964 وحيث تجرؤ النسور والعد التنازلي ليوم النصر- 2004 وعين الإبرة- 1981 وإيميلي الأمريكية- 1964 وغيرها من الأفلام.
وبصفة عامة يمكننا القول إنه لطالما مثّلت عملية أوفرلورد -وهو الاسم الرمزي لغزو الحلفاء للنورماندي عام 1944- حدثًا سينمائيًّا أنجلو-أمريكيًّا مهمًّا، من هنا يأتي هذا الفيلم للمخرج انطوني ماراس، وهو اقتباس سينمائي لمسرحية كتبها ديفيد هيغ وكانت قد صدرت عام 2014، ليجد هذا الفيلم طريقه إلى دور العرض بالتزامن مع الذكرى الثانية والثمانين لانتصار الحلفاء في النورماندي.
شارك المخرج في كتابة سيناريو مع ديفيد هيغ، كاتب المسرحية الذي ابتكر النسخة السينمائية، وقد جعلا القصة مؤثرة للغاية لدرجة أننا نكاد ننسى أننا نعرف ما حدث؛ أي أن الأمر يتعدى معركة النورماندي في حد ذاتها، حيث تتضح جدلية الحرب وطبيعة المعركة مبهمة النتائج نصرا أو هزيمة منذ اللحظة الأولى وحيث لا مجال للتردد في اتخاذ قرار بدء الحرب وإطلاق آلاف الجنود إلى المعركة.
ثم نرى الساحل وقد اكتظ بجثث الجنود وحيث غدت المياه حمراء من فرط ما تدفقت من دماء من آلاف الجنود الذين قتلوا أثناء مناورات ما عُرف بالنمر وهي المناورات التي سبقت إنزال النورماندي مباشرة.
بعد ذلك سوف ينقلنا المخرج إلى مشهد من الحياة المنزلية الهادئة، حيث يُعِدّ جيمس ستاغ -الممثل أندرو سكوت، الفطور لزوجته الحامل، قبل أن يودّعها ليلتحق بوظيفة جديدة بتزكية من ونستون تشرشل حيث رشحه ليعمل مع قائد الجيوش آنذاك أيزنهاور وحيث إن ستاغ عبقريٌ في التنبؤ بالطقس، لذا أُرسل إلى مقر الحلفاء لإجراء هذا التنبؤ الحاسم قبيل بدء الإنزال بوقت قصير.
تتوالى أحداث الفيلم بصورة دراماتيكية مع بدء العد التنازلي للمعركة واحتشاد كبار جنرالات الحرب في غرفة عمليات واحدة حيث تتعالى أصوات المناقشات وفي وسط ذلك يبرز الجنرال أيزنهاور بوصفه قائدا عاما للتحالف -يؤدي الدور الممثل برندان فريزر يقابله الجنرال مونتغمري– يؤدي الدور الممثل داميان لويس وهما ومعهما أركان الحرب بصدد إصدار الأوامر لآلاف الجنود والضباط والطائرات والسفن الحربية لبدء الإنزال وبدء معركة النورماندي.
وخلال ذلك تتحول غرفة العمليات الحربية إلى غرفة معركة نفسية وصراع ذاتي مرير وحيث إن هذا النوع من المعارك النفسية هي ما يستحق إعادة معالجته سرديا واستقراءه وهو ما جعل الفيلم أكثر استشرافا للمستقبل. 'فالضغط' يدور حول حرب الشك واليقين المفرط والثقة الزائدة عن حدها في إطلاق العنان لمزيد من الدماء والدمار والموت في المقابل الانضباط العقلاني المتمثل في شخصية جيمس ستاغ، الممثل أندرو سكوت الذي يرفض قطعيا الإقرار بأن الطقس يصلح لبدء المعركة بعد ما جمعه من أدلة تثبت أن إعصارا قادما لا محالة سيكون سببا في خسارة الحرب.
يوظف المخرج هذه المواجهة بين الضابط البريطاني ستاغ وهو بمثابة عالم في الطقس والتحولات الجوية يستند إلى قرائن وحيث لم تكن آنذاك أقمار صناعية بل مشاهدات وبالونات يتم إطلاقها في الجو لجمع البيانات من حركات رياح ورطوبة وما إلى ذلك في مقابل الضابط الأمريكي المتعجرف الذي تقوم نظريته على تسلسل تاريخي بالقول إنه ما دام الجو كان صحوا قبل عشر سنوات في مثل هذا الوقت فيسكون صحوا الآن وهو ما يجعل التوتر في أقصاه في تلك المواجهة بين الطرفين.
اهتم بالفيلم العديد من النقاد ومن ذلك ما كتبته الناقدة نيل مينو في موقع روجر ايبيرت إذ تقول 'إنه فيلم جاد بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فيلم مُتأمل عن أناس يواجهون أشد المصاعب بثقة وشجاعة تتجاوز الجانب المادي لتشمل عدم الخوف في السعي وراء الحقيقة وهو دراما مؤثرة ورصينة تدور أحداثها خلال الحرب العالمية الثانية، للتخطيط لأكبر وأعقد غزو في التاريخ. كانت محاولتهم السابقة، التي أُطلق عليها اسم 'تمرين النمر'، بمثابة بروفة. لكنها تحولت إلى كارثة، بمصرع أكثر من 700 قتيل. ما سنشاهده بأنه 'مستوحى من' أو 'مبني على'، بل هي ببساطة هو 'قصة حقيقية'
أما الناقد دانييل وولبيرت في موقع أن بي أر فيقول 'يُصوّر الفيلم دراما حميمية متقنة، ترصد تقلباتٍ جوية ونفسية حادة لشخصياته الرئيسة. وحيث جسّد الممثل الأيرلندي أندرو سكوت ببراعة شخصية جيمس ستاغ، كبير خبراء الأرصاد الجوية الاسكتلندي الدقيق. يحافظ الفيلم على وتيرة محمومة داخل غرف مغلقة تُضاهي توتر ساحة المعركة. الضغوط وتأثيرات السياسة لا مفر منها. لكن فيلم 'الضغط' ليس مجرد قصة حرب غارقة في هستيريا المعارك، بل هو عرض مكثف لقدرة الإنسان على تحمل عدم اليقين في وقتٍ يُعد فيه الحسم ضرورةً حتميةً للعمل'.
ومع تصاعد الأحداث والجدال المحتدم، إلا أن الجنرال الأمريكي (والرئيس الأمريكي المستقبلي) دوايت أيزنهاور بدا للوهلة الأولى منحازا لمواطنه الضابط الأمريكي صاحب التنبؤات الجوية المرتبطة بالتاريخ لكنه لم يستطع قط التخلص من ظل الضابط البريطاني المحنك الذي حمل تلك الصرامة الإنجليزية والبرود القاتل أمام الصخب والصراع فيما هو يعيش أحرج الأوقات وقد علم للتو أن المستشفى الذي ترقد فيه زوجته لولادة طفلهما الأول قد تم قصفه ومع ذلك يواصل المهمة برباطة جأش متمسكا بقراره أن لا حرب في التاريخ الذي قرره الجنرالات لأنها سوف تكون هزيمة كارثية.
ولعل من المشاهد المتقنة والمهمة هي تلك التي أشرقت فيها الشمس في اليوم المحدد للإنزال وهو ما جعل أيزنهاور يتشكك بما قدمه الضابط الإنجليزي من أسباب من قبيل الاضطرابات الجوية والعواصف ولكن ما هي إلا ساعات حتى انقلب الطقس فجأة وهطلت الأمطار وعصفت الريح مما جعل الجميع يشعرون بالصدمة لتحقق مصداقية ما أثبته الضابط الإنجليزي.
................................
سيناريو وإخراج: انطوني ماراس
سيناريو: ديفيد هيغ
تمثيل: اندرو ستاغ، بريندان فريزر، كيري كوندون، ديميان لويس،
مدير التصوير: جامي رامساي
موسبقى: فولكر بريتلمان
توزيع: ستوديو كانال