أفكار وآراء

تقنين استخدام مواقع التواصل الاجتماعي للأطفال والناشئة

في السنوات الخمس الفائتة تصاعد اتجاه كثير من الدول في أجزاء مختلفة من العالم تجاه وضع سياسات وضوابط لتقنين ولوج واستخدام الأطفال لمواقع وتطبيقات الذكاء الاصطناعي؛ حيث تتفاوت تلك السياسات بناء على عدة معايير، منها نوعية التهديدات التي يتعرض لها الأطفال بفعل هذه المواقع، أو ما يُعرف بالجريمة «الميسرة بالتقنية» تجاه الأطفال، وأبعاد تأثير تلك المواقع في الحالة الاجتماعية للطفل ومقدرات النمو لديه، والتأثيرات على الخصائص النفسية والاجتماعية والإدراكية للطفل التي يثبت أن لهذه المواقع والتطبيقات يدا فيها من خلال منظومة متكاملة للرصد والتتبع الاجتماعي، ومدى قدرة الدولة على فرض التقييد نفسه من خلال سياسات تنظيم الاتصالات وسياسات الحماية الرقمية للمجتمع.

ويمكن التمييز بين عدة أشكال مختلفة ظهرت لهذه السياسات على النحو الآتي:

نموذج المنع الصارم: الذي يقضي بمنع من هم دون 15 - 16 عاما من استخدام منصات التواصل (الكبرى المعروفة عالميا) مع فرض غرامات كبيرة على الشركات غير الملتزمة ضمن السياق الوطني.

نموذج الاستخدام المشروط أبويا: من خلال جعل استخدام من هم دون 15 - 16 عاما لهذه المواقع والتطبيقات – بما في ذلك إنشاء ملفات تعريفية عليها - مشروطا بموافقة الوالدين مع حق الوالدين في طلب إغلاق حساب الطفل، وضمان التزام الشركات المشغلة بذلك.

نموذج تحييد الخوارزميات: من خلال إلزام المنصات والشركات المشغلة بتقديم تقييم شفاف وواضح لمخاطر المحتوى والخوارزميات والتصميمات التي تشكل العادات الرقمية على الأطفال ضمن قوانين السلامة على الإنترنت مع تقديم تقييم دوري لتلك المخاطر وفق توافق قانوني مع مؤسسات الإشراف على تنظيم الاتصالات. وذهبت بعض الدول لوضع سياسات لضبط استهداف الأطفال بالإعلانات والمحتوى الضار (غير المناسب) تحديدا.

نموذج تقييد وقت الاستخدام: من خلال وضع حد أعلى من الوقت (الساعات) لاستخدام وسائل التواصل من قبل الأطفال، والتشديد على الحد من الهواتف والذكاء الاصطناعي في المراحل الدراسية الأصغر.

أي هذه النماذج مناسبة؟ تبقى إجابة السؤال محسومة وفقا لما يفرزه سياقان مهمان؛ الأول طبيعة المجتمع وتغير نسق العلاقات الأبوية، والآجال التي يقضيها الأطفال على مواقع وتطبيقات التواصل الاجتماعي، ونوعية المحتوى الذي يتعرضون له، وأنماط الاستخدام، وهنا يجب أن تفهم الظاهرة فهما كيفيا لا يكتفي فقط بالاستطلاعات (محدودة التمثيل)، بل بإجراء دراسات استراتيجية معمقة تفهم كيفية هذه العلاقة مع المواقع والتطبيقات، وحوافزها، وكوابحها، ومحدداتها، وقيودها، وما إلى ذلك من تفاصيلها. المحتوى الضار لا يحتاج بالضرورة أن يقضي الشخص 6 أو 7 أو 8 ساعات على الموقع أو التطبيق ليتعرض له، بل قد يكون في صيغة إعلان عابر، أو صورة تتدفق إلى الشاشة بأحكام الخوارزمية، أو محتوى متدفقا بفعل الذكاء الاصطناعي. إذن العدة المنهجية السابقة لتصميم السياسات مهمة، ويجب مساءلتها منهجيا لضمان تصميم سياسات سليمة.

أما السياق الآخر فهو طبيعة الوقائع: هل هناك جرائم وقعت تجاه الأطفال ميسرة بالتقنية؟ ما أنماطها؟ ما طبيعة تكرارها؟ ما طبيعة الأنماط السلوكية الموصلة إليها؟ هل ارتبطت بالحالة الاجتماعية للطفل أو مرتكب الجريمة؟ وهل هناك أنماط اجتماعية حول سياق الجريمة يمكن ملاحظتها وبناء حكم جمعي عليها يؤدي بالضرورة إلى اختيار نموذج التقييد الأمثل.

في مجمل القول؛ الاختلاف هنا ليس حول المبدأ وإنما حول النموذج الأمثل؛ فمن ناحية المبدأ يمكن القول إنه لا بد من وجود سياسات وضوابط لهذا الاستخدام؛ ذلك أنه في ظل وجود الخوارزميات الحاكمة، ودخول المحتوى المنتج بالذكاء الاصطناعي، وآليات التحكم القسري بالتقنية أصبح الطفل لا يتعامل مع موقع (تطبيق) منصة يمكن وصفها بالمحايدة، ولكنها بنية رقمية تستطيع القبص على البيانات الخاصة بالطفل، الاتجاهات، ودرجة الاهتمام، وتوجيه التركيز، وتقيس انتباهه، وتعيد تشكيل ما يراه، وتتعدى ذلك إلى تحديد ما يعطيه وقته.

عوضا عن أن هذه المواقع والتطبيقات تخلق – حسبما نراه في علم الاجتماع – نمطا جديدا للاعتراف والتقييم الاجتماعي من منظور الأطفال والناشئة؛ ففي مراحلهم العمرية الهوية لا تزال تتشكل عبر المقارنة والانتماء والقبول. وباستخدامهم لهذه المواقع والتطبيقات فإن تلك الآليات تتضخم كونها تجعل تقييم الذات مستمرا وعلنيا وجمعيا وعولميا؛ إعجاب، مشاهدة، تعليق، إعادة نشر، تجاهلها، كلها أصبحت اليوم معايير هشة (متصورة) للقبول والانتماء الاجتماعي، ومنفصلة عن واقع الطفل الاجتماعي الحقيقي.

على الجانب الميداني والمرصود سلوكيا؛ يشكل إدمان استخدام هذه المواقع مدخلا لعديد من التحديات الصحية والنفسية المقلقة منها تزايد القلق، وانخفاض جودة النوم، وأعراض الاكتئاب.

تشير بعض الدراسات في أوروبا إلى أن إدمان الاستخدام بين المراهقين لهذه المواقع والتطبيقات ارتفع من 7% عام 2018 إلى 11% عام 2022. والمشكلة الأخطر اجتماعيا في تقديرنا أن مثل هذه المواقع والتطبيقات تجعل حالة «التطبيع» مع بعض السلوكيات والتصرفات الاجتماعية غير السليمة نمطا سائدا بما في ذلك التنمر الذي يصبح بفعل إتاحته ولا حدوده عبر هذه المواقع نمطا كونه قابلا للانتشار، ويحدث خارج حدود السلطة الاجتماعية التقليدية الكبار، ويكافئ في بيئة اجتماعية رقمية محفزة ومشجعة. في السياق المحلي، نرى أن السياسات الأمثل - في تقديرنا - هي السياسات المتدرجة بمعنى أنه تحت سن معينة يكون هنا منع تام لإنشاء ملفات تعريف شخصي خاصة بالأطفال - حتى مع وجود الإشراف الأبوي - وفي سياق التطبيقات التعليمية يمكن التحكم في بيئتها عبر تطوير تطبيقات محلية أو ضمان التحكم في الاستخدام محليا لتحديد المحتوى وضوابطه.

ومع التدرج عند سن أخرى قد تكون آلية السماح بإنشاء ملفات تعريفية واستخدام المواقع مرتهنا بالموافقة الأبوية، وشرطها الإثبات الوطني (وثيقة وطنية رسمية) مع ضرورة التنسيق مع الشركات المشغلة والمزودة بوضع بعض المحددات في المحتوى الموجه للأطفال منها: منع تطبيقات المحادثة (الرسائل المباشرة)، وتقييد الإعلانات التجارية الضارة، ووضع آليات شفافة لعمل الخوارزمية والمحتوى الذي تقوم بتوجيهه، وتحديد أمد أعلى للاستخدام اليومي/ الأسبوعي.

فكرة المنع والحظر المطلق قد تبدو فكرة غير عملية أو فعالة في سياق واقع تتجدد فيه التقنيات وتتطور أساليبها، يبقى الرهان على تطوير جيل محصن فكريا وثقافيا ومعرفيا ونقديا من المراحل الأولى؛ فكما نقول دوما أن ما يوازن المحتوى غير المرغوب عبر هذه المواقع والتطبيقات هو فضاء المجتمع المرغوب بأفكاره وجاذبيته ومعارفه وآليات صناعة الواقع المتجدد.

مبارك الحمداني مهتم بقضايا علم الاجتماع والتحولات المجتمعية فـي سلطنة عمان