أفكار وآراء

هل تنقذنا الدوافع الأخلاقية؟

أسبوع أكثر من حافل، العالم نشط على أكثر من جهة وصعيد، من مباريات كأس العالم المتلاحقة بتوقيتها المتأخر على غالبية سكان الكرة الأرضية، إلى اتفاقية إنهاء الحرب التي انهارت مفاوضاتها في اللحظة الأخيرة، بسبب إصرار إسرائيل على إثبات انتصار موهوم، إلى الداخل العماني حيث بدأ موضوع استخدام الأطفال لمواقع التواصل يأخذ حيزا وزخما من التفكير والبحث والتأمل بصوت مسموع، رسميا وشعبيا، وذلك بعد اجتماع مجلس الوزراء الأخير.

لا شك أن مواقع التواصل الإلكترونية تأخذ اليوم حيزا أكبر من حياة الناس اليومية، وما يستحوذ على وقت الناس فهو يستحوذ على عقولهم وقلوبهم، وإذا كنت أقف مع صف حماية الأطفال من تلاعب الشركات عبر تشويش أذهان مستخدميها، وصولا إلى توجيههم؛ فإن الأمر ليس بتلك السهولة إذا ميزنا أن هناك تطبيقات اتصال شائعة تقف في منطقة ما بين مواقع التواصل وبين تطبيقات الاتصال، كالواتساب مثلا، وهو أحد أشهر التطبيقات في عمان وفق الإحصائيات، ومع أهمية هذا التطبيق مثلا، وهو ملك لشركة ميتا، فإن المسألة تبدو معقدة أكثر مما نظن، وليس الأمر أمر حسم نهائي.

يعيدني هذا إلى ورشة حضرتها مؤخرا جرى فيها طرح مسألة هل الذكاء الاصطناعي يهدد مستقبل الترجمة؟ ولم يكد الأسبوع ينقضي حتى بعث لي أحد الأخوة الدكاترة المشاركين في الورشة والمتخصصين في المجال استبيانا حول الموضوع نفسه، وبدا لي أن مصممي الاستبيان أكثر ميلا لإدماج تطبيقات الذكاء الاصطناعي في عمل الترجمة، بدل التخلي عن الإمكانيات التي يقدمها، والتسهيلات التي يعد بها.

وأنا أميل لذلك، من مبدأ هايدجر حول انكشافنا كبشر أمام التقنية، فالتقنية هي تحد علينا القبول به والانكشاف أمامه، لأن ذلك يقود بالمحصلة نحو انكشافنا الذاتي لأنفسنا ومعرفتنا لذواتنا بشكل أفضل.

لا شيء يمنع من استخدام التطبيقات الإلكترونية إلا المخاطر المترتبة عليها، أو التلاعب بمستخدميها، وهي المخاطر التي يمكن التنبؤ ببعضها، ولكن بعضها الآخر لا يظهر إلا من خلال التجربة.

من هذا المنطلق فإن ما كتبه ستيورت رسل في مقاله الأخير هذا الأسبوع بالجارديان، وهو أحد الأسماء التأسيسية المهمة في مسيرة الذكاء الاصطناعي، صاحب كتاب ذكاء اصطناعي متوافق مع البشر ٢٠١٩م، يستحق التوقف والتأمل، وفي مقاله يحذر من أن علينا التنبه اليوم للذكاء الاصطناعي قبل أن نجد أنفسنا أمام كارثة وانفجار شبيه بانفجار مفاعل شيرنوبل الروسي عام ١٩٨٦م، فيما يعد أسوأ كارثة نووية في التاريخ، وقد يكون ذلك بعد فوات الأوان، بينما بمقدورنا المضي في خطة واضحة منذ الآن تقينا هذا المصير.

في كتابه المذكور أورد ستيورت رسل يورد مثال الخوارزميات، وكيف كان تصميمها الأبسط هو تحفيز المستخدم لمزيد من النقر، وبالتالي المزيد من الأرباح، يقول: «إذن فأنت تظن أن الحل ببساطة هو أن تعرض الأشياء التي يميل المستخدمون إلى النقر عليها. أليس كذلك؟ هذا غير صحيح. الحل هو أن (نغير من تفضيلات المستخدمين) لكي تصبح اختياراتهم أكثر قابلية للتوقع» ص٢٠.ما حدث في حقيقة الأمر هو أن المستخدمين جرى التأثير عليهم وتغيير تفضيلاتهم، عبر مثيرات محددة، لتحويلهم إلى نمط محدد شديد الاستهلاك والتفاعل، وبالتالي أكثر ربحية. وهو عادة النموذج المتطرف المهتاج، لأن تفاعله أقوى وردات فعله مباشرة، وبالتالي يمكن التنبؤ بتفضيلاته بشكل أكثر دقة. لذلك تحولت مواقع التواصل إلى بؤر تشجع التهييج إن لم يكن التطرف، وهذا في الواقع ما يهدد الأطفال اليوم في مواقع التواصل الإلكتروني أكثر من أي شيء آخر، وهو أن يتحولوا لمتطرفين هائجين. وهو أمر ممكن، بما أن عددا كبيرا من الأشخاص البالغين أضحوا كذلك، يبحثون عن معارك بينيه، فكريا على الأقل، بسبب تلك المواقع، وأضحوا بالتالي أكثر قابلية للتحكم والسيطرة.

قد يكون هذا بالفعل قرن تحولات الذكاء الاصطناعي، وقد نصل لنقطة الانفجار في لحظة ما من هذا العقد أو الذي يليه أو التالي، كما يحذر المختصون، نظرا للاتجاه الذي يسير فيه الذكاء الاصطناعي، لكن ذلك لا يعني الهلع والفزع والرفض أو بالأحرى ردات الفعل العنيفة والمتطرفة، بل علينا وأجدى بنا ألا نتحول إما إلى مع وإما ضد، علينا الخروج من سجن الخوف الفكري نحو الآفاق، فليس الأمر رهن إرادة الشركات أو الإدارات وحدها، رغم أن ما يلمح إليه المختصون هو أن الخطر القادم قد يكون مقاربا لكارثة نووية تفني البشر.

إن السباق المحتدم في الذكاء الاصطناعي هو في صميمه سباق سيطرة وتحكم واضح للعيان، وعلينا على الأقل فيما يخصنا أن نحمي الأجيال الجديدة من الوقوع رهينة السيطرة والتحكم، وهي خطوة أولى مبشرة، وليس الأمر أمر عادات أو تقاليد وحدها، بل الواقع أن الأمر في جوهره أمر تحرر فكري وحساسية أخلاقية ومبدأ، وهذه هي الأمور الأكثر عرضة للتهديد في عالمنا اليوم.

إذا شئنا حقا أن نحمي الأجيال الشابة والصاعدة، والأجيال الحالية كذلك، فإن المهمة تقع في إعادة نصاب المبادئ الإنسانية العليا إلى موضعه، وحماية النظم والقوانين والعدالة من القوى التي تسعى للإطاحة بها مقابل مصالحها الضيقة التي لم تعد تضع أي اعتبار لأي شريعة غير شريعة القوة والمصلحة، وهذه هي المبادئ والدوافع الأخلاقية التي يمكنها حماية النظام العالمي من الانهيار. أما في الواقع، وبالعكس تماما، فإننا نشهد بوادر عديدة كردة فعل ضد البشاعة والتطرف عبر تنامي يقظة الضمير الإنساني أكثر، وهذا ما شهدناه خلال الأحداث الحربية المتلاحقة، والواقع أن يقظة الضمير تلك يجري التضييق عليها وملاحقتها ومعاداة الأفراد الذين يمثلونها من قبل النخب والحكومات، في عالم مقلوب لم تعد الإدارات الحكومية تخجل فيه من ممارساتها المشينة، لكن المقاومة مستمرة وعلينا أن نقف في صف الإنسانية والضعفاء وليس العكس.

إن هذا السؤال الأخلاقي هو نفسه منذ الأزل، وكان الخيار الإنساني دوما الوقوف مع العدالة وليس مع المصلحة، مع الحق وليس مع القوة؛ وكان ذلك هو الذي وجّه الإنسانية ودلّها على طريقها الحضاري إلى هذا اليوم. وإذا وجد اليوم من يظن أن العالم بدأ يتغير، وبالتالي فهي فرصته لفرض قواعد أخلاقية جديدة للمتفوقين وللمهزومين، فإن النتيجة المحتمة هي الكارثة الشاملة باختصار.

هكذا حين يواصل لاعبو المنتخبات العالمية مبارياتهم في كأس العالم القائمة فإن صورة أخرى للعالم تثبت حضورها، وهي الصورة التي تدمرها السياسات الإرهابية والتدميرية؛ فليس حدث مباريات كأس العالم بمعزل عن واقع العالم كما نعيشه، ولا عن حلمنا بالبشرية، وهي واقعة حقيقية تعيد تثبيت حاجتنا كبشر إلى إحياء المبادئ والقواعد الحضارية والمدنية لحاضرنا ومستقبلنا، وليس قواعد الوحشية والدموية والإرهاب. وبذلك يمكن للمستقبل أن ينتعش وللأمل أن يزهر في قلوب وأرواح أهل الأرض، وعندها يمكننا أن نطمئن أكثر للمستقبل.

إبراهيم سعيد شاعر وكاتب عُماني