وسائل التواصل الاجتماعي وأهمية ضبط استعمالاتها
السبت / 4 / محرم / 1448 هـ - 21:46 - السبت 20 يونيو 2026 21:46
شهدت المجتمعات مؤخرا تراجعًا على المستوى الثقافي، وتحديدا فيما يتعلق بالكتاب والمكتبات نتيجة العزوف عن القراءة وعن شراء الكتب، فأدى ذلك إلى أن تعلن بعض المكتبات -ومنها مكتبات في سلطنة عُمان- إغلاقها أو تقليص أنشطتها.
وعندما نسأل أصحاب المكتبات أو العاملين في بيع الكتب يقولون: إننا نعيش مأزقا ثقافيا وعزوفا عن شراء الكتب؛ إذ إن رواد المكتبات ومشتري الكتب أصبحوا قلة، وهذا ما يمكن أن نلمسه على المستوى الثقافي الذي يترجمه الواقع الرقمي وفضاؤه المفتوح.
وعندما نبحث عن الأسباب نجد في مقدمتها الغزو الرقمي ومنصات وسائل التواصل التي حلت بديلا للمنظومة الثقافية والاجتماعية للفرد والمجتمع.
رغم أنني لم أعد من متفاعلي ومتصفحي وسائل التواصل الاجتماعي المكتوبة -وعلى رأسها تويتر- منذ فترة طويلة - الذي يعدّه بعضهم من بين الوسائل الأقل خطرا مقارنة بالوسائل الأخرى-؛ فإن كل ما أسمعه من الأصدقاء يشير إلى أن مستوى النقاشات التي تتداولها وسائل التواصل الاجتماعي يكشف عن هشاشة معرفية وأخلاقية، وفقدان كثير من الأفراد للقدرات التفاعلية ذات المستوى الثقافي والأخلاقي المطلوب، وهذا يمنحنا مساحة للتساؤل: كيف اقتحمت وسائل التواصل الاجتماعي الرقمية حياتنا؟ وكيف أثرت هذه الوسائل في قدراتنا المعرفية والثقافية فأضعفتها؟ وعندما نأتي إلى طبيعة البشر نجد أنهم بطبيعتهم محبون للمظاهر الاجتماعية ومخرجاتها المعرفية، أيا كان نوع هذه المعرفة، سواء أكانت نافعة أم غير نافعة، وجاءت وسائل التواصل الاجتماعي بأنواعها المختلفة منذ فترة طويلة لتكون بديلا جديدا للظاهرة الاجتماعية التي يألفها الإنسان.
ولعلنا عندما نتحدث عن وسائل التواصل الاجتماعي فإننا نقصد الوسائل الرقمية غير التقليدية، فبدأت بالمنتديات والمدونات التي كانت مصدرا للنشر الفردي والتفاعل الجماعي، فشكلت بديلا -بطريقة أو بأخرى- للمصادر الورقية مثل المجلات والصحف.
وبوجود هذه الطفرة الرقمية الأولى، حافظت المصادر التقليدية على نشاطها إلى أن جاء عصر بزوغ المنصات الرقمية المتطورة ووسائل التواصل الاجتماعي العامة مثل تويتر وفيسبوك «ميتا» وغيرها من المنصات، وكذلك منصات التواصل المرئي مثل يوتيوب وإنستجرام وتيك توك؛ فأحدثت جميعها ربكة على المستوى المجتمعي، واخترقت شريحة كبيرة من المجتمع خصوصا فئة الأطفال أولا، ثم الشباب، ثم امتد تأثيرها إلى كبار السن أيضا.
تشير كثير من الدراسات إلى أن معظم الوقت الذي يقضيه الإنسان في يومه أصبح مشتتا وموزعا بين وسائل التواصل الاجتماعي؛ ليفقد الرغبة في ممارسة أنشطة أخرى مثل القراءة أو التواصل الاجتماعي والأسري التقليدي والرياضة، ويحدث لديه نوع من الخلل النفسي والثقافي، ويبتعد عن القدرة الإنسانية الفاعلة التي ينبغي أن يكون عليها، وبالتالي ينشأ خلل في فطرته وفي توازنه المعرفي والثقافي.
ومع هذا الزحف الرقمي واتساع وسائله التواصلية شدَّ كثير من الناس -كما أسلفنا- رحالهم إلى وسائل التواصل الاجتماعي من مختلف شرائح المجتمع وأعمارهم؛ ليتصلوا بها ويشتركوا فيها، ولتكون مصدرهم المعرفي والإخباري، ومصدرا للترفيه والاجتماع الافتراضي وقتل الملل، ولهذا فإننا أمام معضلة مجتمعية خطيرة.
بالنسبة إليَّ؛ فقد لاحظت هذا الأمر منذ عدة سنوات؛ إذ كنت متابعا ومتفاعلا بنسبة بسيطة جدا مع تويتر، ولم أكن من المكثرين فيه، ومع ذلك وجدت نفسي مشدودا إلى الأخبار التي ينتجها وينشرها، والتي تأتي بما فيها من معلومات صحيحة وأخرى سقيمة، ومن شائعات وأفكار سلبية؛ فوجدت أنني أجمع حصيلة معرفية بعضها زائف وبعضها سلبي، والقليل منها نافع من هذه الوسيلة الرقمية؛ فكنت أراجع نفسي وتفاعلي معها، فوجدت أن معدل القراءة لدي أصبح أقل من السابق، وتراجعت القراءة الورقية عما كانت عليه خصوصا أنني بدأت أعتمد بصورة أكبر على قراءة الكتب الإلكترونية عبر منصات معينة مثل «كندل»، وكذلك الكتب الإلكترونية بصيغها العامة؛ لتكون بديلا عن حمل كتاب ورقي وقراءته خصوصا أثناء السفر أو في المواقع البعيدة عن المنزل، ولكن مع هذا الاقتراب الرقمي من القراءة، وجدت فرقا في القدرة الاستيعابية؛ إذ لاحظت ضعفها مقارنة بما كنت أجده في القراءة الورقية. رغم أنني -هنا- أتحدث عن وسيلة لصناعة المعرفة تأتي بطابعها الرقمي، وهي وسيلة سليمة وجيدة تؤتي ثمارها، ولا يمكن مقارنتها بمنصات التواصل الاجتماعي من حيث الفائدة، فإنني مع ذلك لمست فرقا في مستوى الاستيعاب والتفاعل المعرفي.
كذلك وجدت في منصة اليوتيوب كثيرا من الفائدة، فاتخذتها جليسا لبعض الوقت، مستفيدا مما تقدمه من محاضرات وغيرها، ولا بأس في ذلك؛ لأن معظم ما كنت أجنيه منها كان فائدة ومعرفة نافعة.
لكن، ومع المراجعة والتأمل وإعادة تقويم هذا الاستعمال الرقمي وجدت أن مستويات الاستيعاب والتراكم المعرفي النافع شهدت تقلصا ملحوظا، فتوقفت منذ فترة طويلة عن تويتر، ولم أعد أزوره، وقطعت حبل الوصل معه. كذلك قللت من متابعة اليوتيوب، وأصبحت أركز على عدد محدود من القنوات المتخصصة في المحاضرات العلمية والفكرية النافعة، وذلك وفق تقنين وتوقيت محددين.
ومع هذا التحول بدأت أجني فائدة أكبر خصوصا بعد أن تزامنت مع قرار التخلي بنسبة كبيرة عن قراءة الكتب الإلكترونية؛ والعودة مجددا إلى تكثيف علاقتي بالكتب الورقية، فوجدت أنني أستعيد قدراتي المعرفية وأعيد بناءها بصورة أقوى وأكثر رسوخا.
وعبر تجربتي الذاتية التي -رغم ذلك- لا أعدُّ نفسي فيها ممن تأثروا بوسائل التواصل الاجتماعي أو سقطوا رهينة لهيمنتها؛ فإنني مع ذلك كنت ألحظ الفرق في الجانب الثقافي والمعرفي، وتبين لي أهمية أن ندرك أننا -على المستوى الجمعي- نعيش أزمة كبيرة تتمثل في أن وسائل التواصل الاجتماعي -بمختلف أنواعها- ومعها الأدوات الرقمية الأخرى مثل الألعاب الإلكترونية الموجودة في الهواتف الذكية استطاعت أن تُحدث اختراقا خطيرا في مختلف مستويات المجتمع، ولا سيما لدى فئتي الأطفال والشباب.
وعندما نتحدث عن الأطفال فإن قلقنا يتوافق مع المثل: «من شبَّ على شيء شاب عليه»، وهذا ما يمكن أن نراه اليوم بوضوح؛ فعندما يأتي هذا الجيل ممسكا بهاتف ذكي أو جهاز محمول صغير يحتوي على العديد من تطبيقات التواصل الاجتماعي، ويملك اشتراكات واسعة فيها، ثم تجلس معه وتتحدث عن التقنيات؛ فإنه يبحر في الحديث عنها، ويسهب في وصف هذه المنصات والتقنيات واستعمالاته لها وتفاعله معها وقدرته على التواصل مع الموجودين في الداخل والخارج؛ فينتابك شعور بأننا بالفعل أمام معضلة مجتمعية كبيرة.
ولا يمكن أن نحصر هذه المشكلة في شقها المعرفي والثقافي فقط؛ فلعلهما يبدوان أكثر ارتباطا بالكبار، أما بالنسبة إلى الصغار فإن الأزمة تتجاوز أبعادها الثقافية والمعرفية التي تحدثنا عنها آنفا؛ لتتحول إلى أزمات أخلاقية واجتماعية ونفسية، وقد تقود بعضهم إلى التدهور النفسي والعقلي، وإلى الانحدار الأخلاقي، ولا يُستبعد أن تدفع بعضهم إلى مراحل خطيرة من التشدد أو التفكير في الانتحار أو الإقدام عليه.
وكم سعدنا بأن هذه القضية كانت محل الاهتمام السامي لجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه-، وجزءا من توجيهاته السامية في اجتماع مجلس الوزراء الأسبوع المنصرم! فأشار إلى هذه المشكلة، وركز على مخاطرها الفردية -خصوصا لفئة الأطفال- والمجتمعية وطالب بالحلول المناسبة لها؛ ليدل على حجم الاهتمام الذي توليه القيادة لهذا الملف، وعلى متابعتها لما تشهده هذه الظاهرة من تجاوزات وآثار كبيرة في المجتمع، سواء في حاضرنا أو فيما قد تخلّفه مستقبلا من آثار متفاقمة.
هذا ما يدعونا إلى البحث في أسباب المشكلة وطرق علاجها، وإلى دراسة تجارب الدول الأخرى التي واجهت هذه الظاهرة قبلنا، وما أحدثته فيها من اختلالات دفعتها إلى البحث عن حلول مناسبة، ولاحظنا أن بعض هذه الحلول التي أقدمت عليها بعض الدول جاءت -في صورتها الظاهرية- مزعجة أو مؤلمة لفئة الأطفال وصغار السن مثل التي لجأت إليه دول مثل أستراليا وكندا وبريطانيا عبر فرض قيود على استعمال وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال أو لمن هم دون سن معينة، وهذه -بلا شك- قرارات تنظيمية صائبة تهدف إلى خدمة الإنسان والمجتمع، وإيقاظهما من مرض عضال يزداد فتكا بهما وبمستقبلهما مع مرور الزمن، ويحق لنا أن نسارع أيضا بفرض ضوابط مناسبة متوافقة مع قيمنا المجتمعية نصون بواسطتها الفرد والمجتمع من الانجراف الرقمي غير المحمود.
د. معمر بن علي التوبي أكاديمي وباحث عُماني