ترامب أعلى مصالحه الشخصية في صفقة إيران!
السبت / 4 / محرم / 1448 هـ - 21:46 - السبت 20 يونيو 2026 21:46
ترجمة: أحمد شافعي
من المؤكد أن في الاتفاقية الأولية بين الولايات المتحدة وإيران شيئا بدا مألوفا لعملاق العقارات الذي يرأس أمريكا. فهي في نهاية المطاف أشبه بإعلان إفلاس عقاري، أو عمل من أعمال الاستسلام المالي.
وهي مقياس لحجم المأزق الذي فرضته إيران على ترامب، وإنهاكها له، لدرجة أن كبير المفاوضين الإيرانيين محمد باقر قاليباف قال لتليفزيون الدولة الإيراني بعد إعلان تفاصيل الاتفاقية إن «الاتفاقية توثيق لفشل الولايات المتحدة وسيراها الناس بأعينهم ويحكمون بأنفسهم».
وليس أحدكم بحاجة إلى أن يكون خبيرا في السياسة الخارجية ليرى ما جرى في هذا المقام.
ولكن حسبك أن تكون خبيرا في السياسة المحلية. لقد باع ترامب حليف أمريكا في الحرب، أي إسرائيل، ودول الخليج العربي في مقابل ولايات بنسلفانيا وجورجيا وميشيجن المتأرجحة؛ إذ علم ترامب أن التضخم الغذائي وارتفاع أسعار الوقود بسبب هذه الحرب يضمنان هزيمة ساحقة للجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي القادمة. فكان لزاما عليه أن يوقف الحرب الآن من أجل تخفيض الأسعار بحلول نوفمبر؛ لأنه في حال استيلاء الديمقراطيين على مجلس الشيوخ ومجلس النواب، فسيواجه ترامب تحقيقات لا نهاية لها حول استعماله الرئاسة لإثراء نفسه وأهله، وقد ينتهي الأمر بعزله.
ففعل ترامب ما يفعله دائما: تخلى عن كل مبدأ وحليف، وأعلى مصالحه الشخصية على شتى الاعتبارات، بل لقد هيأ المجال لسقوط نائبه جيه دي فانس. وقال: إنه «في حال نجاح الأمر سينسب الفضل لي، وإن لم ينجح فسألقي اللوم على جيه دي؛ فخير لك أن تحذر يا جيه دي. وضحك الحضور، لكنه ضحك متوتر؛ إذ علم الجميع أن القول طرفة، لكنه ليس بطرفة محضة. إنما كان ذلك هو صوت عقل ترامب وقد نطق.
لم أناصر هذه الحرب التي كنت بلا شك أرجو منذ بدايتها أن تخسرها إيران. وإذن فالنتيجة التي وصلنا إليها حتى الآن صادمة لي؛ بسبب المسخرة المحضة التي تحلى بها ترامب وفانس؛ إذ انتقلا من شجبهما إيران ودعوتهما شعبها للتحرك فـ«العون آت في الطريق» إلى الثناء على قادتها وخروج إيران بهذه الصفقة وهي أشد قوة بينما جيرانها أشد ضعفا أمام نزوات طهران.
كنت لأتعاطف كثيرا مع تعامل ترامب المتوتر في هذه المشكلة الكريهة المتمثلة في إيران لو أنه تعاطف ولو مرة واحدة مع الرئيس أوباما أو اعترف بأنه لا يستطيع الآن أن يفي للشعب الإيراني بما وعده به، لكنه يتظاهر بأن كل ما فعله مثالي.
ولنحص هنا أوجه قصوره عن المثالية. لا تكتفي الاتفاقية بإرجاء مسألة التخلص من اليورانيوم الإيراني المخصب إلى قرب مستوى القنبلة لمفاوضات مستقبلية ـ وهي مفاوضات تخلت فيها أمريكا فعليا عن ورقة قوتها العسكرية ـ ولكن المدهش للغاية أنها تترك المجال مفتوحا بوضوح لإمكانية أن تفرض إيران رسوم مرور على السفن الراغبة في عبور مضيق هرمز.
وحسبكم أن تقرأوا اتفاقية وقف إطلاق النار: بتوقيع مذكرة التفاهم «سوف تقوم جمهورية إيران الإسلامية بترتيبات لبذل أفضل جهودها من أجل توفير المرور الآمن للسفن التجارية بلا رسوم خلال ستين يوما فقط...
بعد إسقاط قنابل بمليارات الدولارات على إيران ظفر ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر من طهران بمرور مجاني لستين يوما في مضيق هرمز. أما بعد ذلك فأبرزوا يا قباطنة حاويات النفط بطاقاتكم الائتمانية. فالحمد لله أن من يتفاوضون لنا هم رجال العقارات أولئك، لا الدبلوماسيون الأغرار.
لا تكتفي اتفاقية وقف إطلاق النار بالصمت عن أي التزامات من جانب إيران بالكف عن تطوير صواريخها بعيدة المدى ودعمها للوكلاء بما يقوض الحكم في لبنان والعراق، لكنها أيضا تجعل مفاوضات الأيام الستين بشأن مستقبل إيران النووي مشروطا بإيقاف إسرائيل أي عمليات عسكرية في لبنان ضد حزب الله. ولو كان باراك أوباما وافق على أمر كهذا لأوقفت شبكة فوكس نيوز بثها المعتاد لإدانته.
كل هذا نتيجة لأن ترامب ونتنياهو لم يتعاملا قط بجدية مع فكرة أن إيران سوف تلجأ إلى القيام بالأمر البديهي -وهو إغلاق مضيق هرمز- ردا على ضربتهما. وهكذا في محاولتهما لإيقاف إيران عن تصنيع سلاح دمار شامل ما كان يحتمل أن تستعمله على الإطلاق ـ بما أن إسرائيل سترد فورا باستعمال سلاح مماثل على إيران ـ أوحى ترامب ونتنياهو لإيران بتصنيع سلاح تعطيل شامل هو القبضة الخانقة على مضيق هرمز، ويمكن استعماله في أي وقت تستشعر فيه زيادة الضغط من الولايات المتحدة أو إسرائيل.
والرسالة الموجهة إلى حلفاء أمريكا في الخليج العربي ـ أي الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وقطر والكويت بصفة خاصة ـ هي أننا نخطف ونجري، وأنه خير لهم أن يبرموا أفضل الاتفاقات الممكنة مع طهران لإبقائها على مسافة منهم. وهذا أكبر تحول قوة جيوسياسي في الخليج منذ بداية الحرب العراقية الإيرانية؛ فما من شرطي الآن في البلدة، وبدلا من ذلك يمكنكم الاتصال بآية الله.
وفي حال عدم قراءتهم لما بين السطور أوضح ترامب في مؤتمر صحفي مبرره لعدم محاولة الحد من تصنيع إيران للصواريخ: ما الذي سأفعله؟ هل أسمح للملكة العربية السعودية بامتلاك صواريخ؟ لكنهم لا يستطيعون. لا ينجح الأمر هكذا، كما تعلمون لا ينجح، والصواريخ ليست المشكلة. الصواريخ تلحق الضرر بموقع محدد، لكنها لا تستطيع تفجير الكوكب».
لو أنكم تقرأون هذه السطور من تل أبيب أو طهران فسوف تسري في ظهوركم الرعدة، مثلما يسري فيكم الوعي بأن رئيس الولايات المتحدة لم يعد يملك مجموعة كاملة من الورق، وأنكم الآن متروكون وشأنكم.
لهذه الأسباب كلها من المستحيل فعلا على من يسمع لترامب وفانس ألا يتذكر قول نيك كاراواي الشهير عن توم وديزي بوستان في رواية «جاتسبي العظيم»: كانا طائشين، توم وديزي، كانا يحطمان الأشياء والكائنات ثم يلوذان بأموالهما أو بطيشهما الهائل، أو بأي شيء يجمع بينهما، ويتركان لغيرهما تنظيف ما أحدثاه من فوضى».
الحقيقة أنه قبيل تباهي قاليباف وزملائه الإيرانيين بأنهما فرضا «الفشل» على الولايات المتحدة كان ترامب يعلن أن القادة الإيرانيين «شديدو العقلانية» مضيفا أنهم «لطفاء عند التعامل معهم، وأنهم أقوياء، وأذكياء، وهم غير متطرفين، وهم أيضا يرغبون في مساعدة بلدهم» ووصفهم بأنهم «أذكى» من قادة النظام.
قارنوا هذا أيضا بطريقة ترامب وفانس في الحديث عن الرئيس الأوكراني فلودومير زيلينسكي ـ قائد البلد الديمقراطي الشجاع الذي يقاوم غزوا روسيًّا منذ أربعة أعوام، فقد قال له ترامب: إن يديه فارغتان من أي أوراق مشجعا إياه على إبرام صفقة قذرة مع فلاديمير بوتين.
هكذا يتكلمان عن قائد شعب يدافع عن جبهة الحرية. أما أولئك القادة الإيرانيون فيصفهم ترامب باللطف.
قال لي جوتام موكاندا مؤلف كتاب «اختيار الرؤساء: كيف تتخذ أهم قرار في العالم»: إن ترامب وفانس «لا يمتلكان رؤية متماسكة لمصالح الولايات المتحدة، وليس لديهما أي التزام جوهري بقيم ديمقراطية».
وهذا هو الأمر. يحب ترامب أن يلف نفسه بالعلم الأمريكي، لكنه أقل الرؤساء أمريكية في العصر الحديث فيما يتعلق بالقيم الجوهرية.
يجب أن تسألوا أنفسكم كيف أساء ترامب ونتنياهو الحسابات على هذا النحو البشع؛ إذ ظنا أن بوسعهما أن يطيحا بنظام قائم في السلطة منذ عام 1979 من خلال قصفه جوا. ثمة إجابة واحدة تنطبق على الاثنين؛ لأنهما أسلما نفسيهما لمنافقين وأبعدا عن حزبيهما كل من يمكن أن يقف لهما.
قال موكاندا: «ثمة طريقتان لضمان أن يكون الموظف قائدا جيدا، إما أن يختار الشعب شخصية جيدة وإما أن توضع الحدود لما يمكن أن تفعله هذه الشخصية، وأمريكا وإسرائيل اليوم فاشلتان في كلتا الطريقتين. وهذه الحرب أتم مثال على ما يجري عند ازدراء كل أشكال الخبرة والمعرفة والمبادئ، وإيثار الغريزة والحدس»؛ فقد سبق أن تنبأ الخبراء بكل ما ساء في هذه الحرب.
لكن قد يكمن هنا جانب إيجابي محتمل لكل من أمريكا وإسرائيل؛ فلعل فشل ترامب ونتنياهو في تدمير أوتقراطية إيران أن يكون منقذا للديمقراطية في أمريكا وإسرائيل. فكلا البلدين يواجه انتخابات مصيرية ـ أمريكا في انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر وإسرائيل في الانتخابات الوطنية في الخريف. ولقد كان ترامب وبيبي ـ وكلاهما يتراجع في استطلاعات الرأي ـ يرجوان أن يدعمهما نصر سريع في إيران ويصل بهما أو بحزبيهما إلى النصر.
العالم كله يصبح أسوأ حالا بازدياد قوة إيران، لكنه سيكون أسوأ أضعافا مضاعفة بفوز ترامب وبيبي في الانتخابات؛ لأن خمس سنوات أخرى من تولي نتنياهو لرئاسة الوزراء ستكون نهاية للديمقراطية اليهودية في إسرائيل. ولأن سنتين أخريين من سيطرة ترامب على البيت الأبيض، ومجلس الشيوخ، ومجلس النواب، والمحكمة العليا عمليا، سوف تمثلان الخطر نفسه على الديمقراطية الأمريكية.
هل من سبيل يخرج به ترامب بنتيجة جيدة في إيران؟ نعم، لكن لا علاقة لها بمصير أسلحتها النووية. في غداة هذه الحرب لو تراجع تهديد إسرائيل وأمريكا فقد يطلق هذا أسر السياسات في إيران أيضا. وقد ينشئ مجالا لأن تتساءل أغلبية إيرانية: ما الذي يمكن أن يقدمه هذا النظام بعد سبعة وأربعين عاما في السلطة فضلا عن إهدار مليارات عدة من الدولارات من أجل الحصول على قنبلة نووية وتمويل ميلشيات في المنطقة بالنقد الذي نحتاج إليه نحن الإيرانيين أمس الاحتياج من أجل تنمية بلدنا، وفضلا عن تحويل البلد إلى كارثة بيئية تفتقر إلى المياه؟». فمن يدري أي سياسة أو ضغط من أجل إصلاح النظام أو تغييره قد يظهر في طهران إذا لم يعد بوسع القادة الإيرانيين أن يلهوا شعبهم بالحرب؟
توماس فريدمان من كتاب الرأي في نيويورك تايمز منذ عام 1981