شاهد على العصر
السبت / 4 / محرم / 1448 هـ - 18:24 - السبت 20 يونيو 2026 18:24
أحمد منصور محاور بارع وصحفي ذو تجربة طويلة امتدت لما يقرب من الأربعين عامًا بين صحافة مكتوبة وصحافة تلفزيونية، وهي تجربة تستحق لثرائها أن يحلَّ المذيعُ نفسه ضيفًا على نفسه في سلسلة من حلقات برنامجه «شاهد على العصر» الذي تفرَّدت به قناة الجزيرة منذ سبعة وعشرين عامًا، والذي بدأت فكرته تراود منصور خلال تغطيته للحرب الأفغانية ضد السوفييت ولقائه بأبرز قادة المجاهدين الأفغان، وهذا ما يذكره في كواليس برنامجه التي بدأ بتسجيلها مؤخرًا لجمهوره على يوتيوب، والتي تحمل شيئًا من معنى استضافته لنفسه شاهدًا على العصر، أو معنى آخر لتأريخ التأريخ إن صح القول.
والحق أن كواليس البرنامج وأسراره التي يرويها لا تقل إمتاعًا عن الحوارات نفسها مع ضيوف انتقل عدد كبير منهم اليوم إلى رحمة الله، فكان منصور هو الرجل الوحيد الذي أحاط بشمول سيرتهم في حواراتٍ متسلسلة ومطوّلة معهم، وربما كان محاورهم الأخير أو الوحيد الذي نقل لنا شهاداتهم على العصر مرويةً بألسنتهم لا بألسنة الآخرين وأقلامهم بعد رحيلهم عن عالمنا. فمن كان سيحفظ لنا وللتاريخ، على سبيل المثال لا الحصر، شهادة الزعيم المؤسس لحركة «حماس» لو لم يكن الشيخ المجاهد أحمد ياسين الشاهد الأول على العصر مع انطلاقة البرنامج في فبراير عام 1999، وذلك قبل اغتيال الإسرائيليين له بسنوات قليلة في قطاع غزة؟!
أعود وأقول: إن أحمد منصور محاور بارع وذكي، فضولي ومدقق في التفاصيل كما ينبغي لمحاور مثله مع مثل ضيوفه. وإنني لأحترم شجاعته الصحفية التي لا يلمس فيها المشاهد مداهنةً لضيوفه أكان من كان الجالس أمامه، بل إن المشاهد ليجد نفسه في أحيان كثيرة يتعاطف مع الضيف حين يقع في شباك محاوره فلا يجد مخرجًا ولا مهربًا من الاعتراف بخطأ ما أو ذنب اقترفه في مسيرته التاريخية، حتى لو كان ذلك الضيف هو حسين الشافعي، أحد «الضباط الأحرار»، الرجل القوي في النظام الناصري وأحد المسؤولين عن محاكمات «الإخوان المسلمين»، وحتى لو كان ذلك الضيف ليس أقل من نذير رشيد، مدير المخابرات الأردنية القاسي، وحتى لو كان ذلك الضيف هو وليد جنبلاط أحد أبرز زعماء الحرب الأهلية ومليشياتها في لبنان.. هذه الشخصيات وغيرها ممن تعاقبوا على برنامج منصور، وهم نماذج تاريخية متباينة في الطباع والملامح والأثر، كلهم يستحقون قدرًا من «الرحمة الدخيلة» التي تتسرب إلينا ما إن يصبحوا تحت رحمة صحفي يقظ وجريء يستجوبهم في معرض التاريخ، حيث يبدو الأبطال والجلادون وصنّاع التاريخ وقادته هم أيضًا ضحايا في نهاية الأمر وأهلًا لما تيسر من تعاطف متأخر لدى الناس المتفرجين.
غير أن تلك البراعة والمهارة التي يتمتع بها أحمد منصور في تقديم برنامجه لا تمنعني من القول أيضًا إنني لستُ في وارد الإعجاب به خارج ذلك، بل أنا في عجب من صحفي بكل تلك التجربة والخبرة لا يقوى على مقاومة هوى إيديولوجي لا يخفى في بعض محاوراته وآرائه، وإن حاول مواراته أحيانًا. يكفي أن نعرف أنه استهل مشواره الصحفي مراسلًا يغطي أحداث الحرب في أفغانستان لصالح مجلة «المجتمع» الكويتية المحسوبة على تيار الإخوان المسلمين في الكويت والخليج، والتي رشحته ليصبح مدير تحريرها وهو في سن مبكرة قبل أن ينتقل إلى قناة الجزيرة. فمن المؤكد أن عمله في مجلة «المجتمع»، وخاصة خلال الحرب الأفغانية، قد شكّل انحيازاته الإيديولوجية التي رسمت هويته الصحفية والإعلامية لدى الجمهور، والتي لا يستفزها شيء كما يستفزها ذكر جمال عبد الناصر وذكر مناقبه على لسان ضيوفه، خاصة أولئك «القوميين المتقاعدين» أو الناصريين السابقين.
لطالما كان أحمد منصور في ذهني هو ذلك الصحفي الذي يليق به عنوان رواية سليمان المعمري: «الذي لا يحب جمال عبد الناصر».
سالم الرحبي شاعر وكاتب عُماني