بريد القراء

«رفيق من ورق: حيث يتسع العالم في كتاب»

د. هاني الغيتاوي

 

كنت أعود إلى المكتبة بشوق طفل صغيرٍ إلى حضن أمه، أبحثُ عن الهادئ المواجه للنافذة العالية، حيث تتسلل أوراق الشجر من خلف الزجاج كأنها تسبح في ضوء خافت، وتعيد العصافير إيقاعها العذب وكأنها تحتفي بوجودي.

المكان لم يتغير، لكنني كنت أنا من يتبدل بين زيارة وأخرى، دون أن أُدرك ذلك إلا متأخرًا.

أفتح الكتاب كما في الأمس، لكن شيئًا ما كان يتغيّر في داخلي لا في الصفحات؛ لم يعد العالم داخل الكتب مجرد حكايات متجاورة أو مشاعر تتشكل ببطء، بل صار يتسع شيئًا فشيئًا حتى يكاد يستغرقني.

لم يعد الكتاب نافذة واحدة أطل منها على العالم، بل صار يبدأ في فتح نوافذ أخرى داخلي، واحدة تلو الأخرى، وفي اتجاهات لا تنتهي.

ومع تتابع الأيام، وتوالي القراءة، بدأت النصوص التي أمرّ بها تبدو كامتدادٍ لعالم آخر، عالم رحب فسيح يحاول أن يشرح نفسه عبر التاريخ والفكر والرمز.

رأيت الفلاح الفصيح هذه الشخصية التي خرجت من عمق الزمن، لتقول إن الكلمة قد تكون أقوى من السلطة؛ لم يكن مجرد رجل يشتكي، بل كان نموذجًا مبكرًا لفكرة الإنسان الذي يقف وحيدًا أمام ميزان مختل، ويؤمن أن في اللغة قدرة على إنقاذ المعنى من السقوط.

وظهرت لي ماعت آلهة العدالة عند المصريين القدماء، وكيف كانت فكرة كونية تحفظ توازن العالم من خلال ميزانها الذي لم يكن رمزًا فحسب، بل تجسيد لانسجام الوجود واتزانه.

وفي المقابل كانت المرأة المعصوبة العينين تحمل العدالة نفسها، ولكنها بلا رؤية لتحكم بالعدالة والتجرد.

عرفت وقتها معنى العدالة من خلال الميزان، حتى أنني كنت عندما كنت أشاهد أي ميزان حتى ولو في حوانيت البقالة كنت أبصر فيه معنى العدالة.

تواصلت مع الكتاب، وتوالت الصفحات، فانفتح العالم على اتساعه الجغرافي والتاريخي، فرأيت الأسكندر الأكبر ليس مجرد قائد مر عبر التاريخ، بل كقلب تستمر نبضاته نحو الأفق، كأن العالم لا يكفيه مهما اتسع.

وفي الجهة الأخرى كان ديوجين اللافرسي يسير في وضح النهار بمصباحه ليبحث عن إنسان.

ورأيتُ هرقليطس يقول: لا تنزل النهر مرتين، ووجدت نظرته ثاقبة، فكل شيء يتغير، حتى وجدت داخلي يتغير أيضًا وإن كنت أظنه ثابتًا.

ثم جاء بارمنيدس ليمنح هذا القلق توازنًا جديدًا، فبعد أن أرهقته أسئلة التغير والصيرورة، وقف معلنًا أن وراء هذا السيل المتدفق من الظواهر حقيقة ثابتة لا تتبدل، وأن الوجود واحد باقٍ لا يعرف الفناء.

ومع سقراط لم أعد أبحث عن المعرفة، بل عن السؤال؛ فقد أدركت أن الحقيقة لا تُهدى إلى العقول جاهزة، وإنما تولد من رحم التساؤل، وأن السؤال الجيد قد يكون أحيانًا أثمن من الجواب نفسه، ولعل هذا ما قصده حين قال: «إن الحكمة تبدأ بالدهشة»، وما أكده في قوله الشهير: «الحياة التي لا تُفحص لا تستحق أن تُعاش»، فمن الدهشة يولد السؤال، ومن السؤال تبدأ رحلة الإنسان نحو معرفة نفسه والعالم.

أمّا أفلاطون، فقد أخذني إلى مدينة لا تُرى، مدينة لا تُبنى في الواقع، بل في العقل أولًا؛ هناك تعلمتُ منه أن أحلم، وأن الحلم لا يكون هروبًا من العالم، بل محاولة لإعادة ترتيبه.

ومع توالي الصفحات رحتُ أجوب الزمن والتاريخ، أرافق الأساطير والرحلات؛ ففي الأوديسة لم يكن البحر مجرد مكان تعبره السفن، بل كان امتحانًا للروح، مرآة للخوف والأمل، وساحة يكتشف فيها الإنسان حدود قوته ومعنى صبره، كأن كل موجة سؤالًا، وكل جزيرة تجربة، وكل عاصفة درسًا في الطريق إلى الذات.

وفي الإنياذة لم تكن الرحلة مجرد نجاة من الهلاك، بل رسالة يحملها الإنسان نحو مستقبل لم يأتِ بعد.

أمّا حرب طروادة فكانت الشرارة الأولى للصراع، التي تفرعت منها كل الحكايات اللاحقة؛ من البحر إلى القدر إلى الخراب.

في لحظات متفرقة من القراءة، كنت أرفع رأسي نحو النافذة، الأشجار كانت لا تزال هناك، لكني رأيتها مختلفة، العصافير كانت تغني، لكن صوتها بدا وكأنه يعلق على ما يحدث في داخلي.

حتى الضوء الذي يدخل من النافذة لم يعد ضوءًا فقط، بل صار زمنًا، كنت أذوب مع رؤيته وهو يتحرك ببطء نحو الغروب.

ومع كل زيارة جديدة للمكتبة لم أكن أعود إلى نفس المكان فقط، بل إلى نفس السؤال بصيغة مختلفة: كيف يمكن لعالم بهذا الاتساع أن يسكن كتابًا صغيرًا؟

المكتبة لم تكن مكانًا للقراءة فقط، بل كانت مرآة هادئة تعيد تشكيل القارئ كلما ظن أنه ثابت.

وكنتُ كلما خرجت منها أحمل يقينًا بأن الكتب لا تُقرأ وحدها، بل تقرؤنا نحن أيضًا؛ تنفذ إلى أعماقنا قراءة لا تنتهي، حتى نغدو جزءًا من أسئلتها المقيمة في أرواحنا.