بريد القراء

انتبه .. ليس كل ما يجري تداوله «مهمًا أو مفيدًا»!

عبدالله بن سليمان العلوي

 

عندما تتصفح المواقع الإلكترونية تجد كماً هائلاً من المعلومات والأخبار التي لا حصر لها، وأكثر ما يُنشر في الوقت الراهن لا قيمة له من الناحية المعرفية أو التثقيفية، أما الباقي فيحالفه بعض الأهمية بدرجاته المتفاوتة، وهذا له أسباب عديدة لسنا بصدد سردها أو التعرض لها بإسهاب، كون الموضوع يحتاج إلى تخصص أكثر من مجرد إسهاب لفظي أو تجميع منطقي.

لقد أصبح لدى الناس نهم شديد في تداول المعلومات دون التحقق من مدى صحتها أو تناسبها أو قبولها، فالكل لديه رغبة في تسجيل حضوره اليومي مهما كانت المادة التي ينقلها أو ينشرها «ساذجة أو لنقل ليست ذات جدوى مفيدة»، ولكن إصرار البعض على المشاركة بأي شيء جعلهم يخوضون مع الخائضين دون وعي بخطورة أو تأثير ما يتناولونه من أمور لا تعنيهم ولا تمنحهم الريادة أو التميز أو كما يقال في لغة الصحافة «السبق».

من يمتلك هاتفًا ذكيًا لا يتوقف عن تصوير يومياته لحظة بلحظة، والبعض يعتقد بأن مشاهدة الآخرين لما يرفعه في المنصات التفاعلية ذو فائدة عظيمة، ولكن بعض الأشياء التي يتم بثها في حقيقتها «تنتهك معنى الخصوصية الإنسانية»، وبعضها يحدث جدلًا كبيرًا بين الناس، وكان بالإمكان تجنب الحديث عنه أو إثارته منذ البداية.

عندما ساد الاهتمام المجتمعي بمواقع التواصل الاجتماعي - في وقت من الأوقات - كانت المشاهدات تسجل أرقامًا كبيرة بسبب قربها من حياة الناس، ولكن دون أن يكون هناك وعي تام بخطورة ما يتم تداوله أو نشره عبر المنصات التفاعلية. ومن الأمثلة الأكثر حدة وبشاعة اهتمام البعض بتصوير ضحايا الحوادث المرورية دون مراعاة لمشاعر أهالي الضحايا أو حفظٍ تام لكرامة من يقضون في تلك الحوادث، وقد انتشرت مقاطع صادمة وغير مقبولة نهائيًا كالنار في الهشيم، وعلى إثر ذلك تحركت الجهات الرقابية بسن قوانين تُجرّم مثل هذه الأفعال وتعاقب عليها، ولذلك تم الحد بشكل شبه نهائي من هذه التصرفات الخاطئة، وتستمر الجهات المختصة بمتابعة ورصد أي تعدٍّ حول هذا الأمر.

بعد تشديد الرقابة والتحذير من المساس بحياة الآخرين، انتقل البعض إلى تصوير حياته الخاصة، فظهرت نماذج سيئة لبعض المهتمين بهذا الجانب، وتم أيضًا توجيه التهم للمعتدين على القيم المجتمعية والذوق العام سواء باللفظ أو الفعل، ولكن الأمر لم يتوقف عند هذين الأمرين، بل اتجه البعض إلى تعريض أطفالهم للخطر وتصويرهم في مواقف غير مناسبة لأعمارهم، مما دفع الجهات مرة أخرى إلى التشديد على هذا الأمر حمايةً للأطفال، وربما القانون الأخير الذي يجرّم تصوير الأطفال يُعدّ واحدًا من الخطوات الأكثر حزمًا في هذا الإطار.

كل هذه النماذج السابقة كان الدافع من ورائها الشهرة وتحقيق نسب عالية من المشاهدات والحصول على الإعجابات وغيرها من الحوافز التي تقدمها المنصات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حتى وإن كان المحتوى غير هادف أو مفيدًا للمتلقي!

بعيدًا عن ذلك، نعود إلى صلب الموضوع وجوانبه: انتقاء المحتوى الهادف المفيد خير من تقديم شيء هزلي لا قيمة له، مثل السخرية أو التحقير من الآخرين أو كشف عورات الناس أو التنمر وغيرها.

يوميًا تعج وسائل التواصل الاجتماعي بكمّ هائل من المواد المرئية والسمعية، الكثير منها لا يصلح أو يفيد، ومع ذلك هناك تعمّد من البعض لتقديمها على أنها مواد تصلح لكل زمان ومكان، رغم أن القانون يضع من يقف وراءها في دائرة الاتهام والملاحقة القضائية والمساءلة القانونية.

إذن من الواجب علينا أن نعي بأن حرية الناس يجب أن تُحترم سواء كان هذا الشخص حيًا أو ميتًا، فبث المعلومات المغلوطة أو المضللة جانب آخر أصبح شائعًا لدى البعض من أجل الترويج أو تقديم معلومات غير دقيقة يمكن أن تسبب أذى لأفراد المجتمع أو حتى على مستوى الوطن.

بعض الأشخاص يقوم بأفعال مسيئة على منصات التواصل الاجتماعي، وهذه المواد ليست محصورة في النشر على المستوى المحلي، وإنما تتعدى الحدود ويشاهدها الآخرون في أقطار أخرى وتكون لديهم ثقافات مختلفة عمّا اعتادوه.

فكرة تقييد المحتوى المسيء ليست فقط من الجانب الإنساني، ولكن أيضًا من الجانب الديني، فالله تعالى كرّم الإنسان وحفظ كرامته ومنحه العقل والثبات ليكون نموذجًا مشرفًا لنفسه أولًا ولعائلته ووطنه، فالمسؤولية ليست محددة في زاوية واحدة إنما في زوايا مختلفة، لذا يجب أن نكون أكثر وعيًا بما نقوم برفعه وتداوله بين الناس.