أعمدة

أين وصل المسلمون بعد «1448» عاما؟!

ألف وأربعمائة وثمانية وأربعون عاما مرت على أعظم تحوّل تاريخي في الإسلام حين هاجر النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) من مكة إلى (يثرب)، فتغيّر وجه التاريخ، وصار للدولة الإسلامية أول مقر لحكم إداري، وتوالت من (المدينة المنورة) الأحداث الجسام التي غيّرت مسار البشرية كلها، وفتح العالم صفحة حضارية جديدة، وبدأت الفتوحات، وتوسعت رقعة الجغرافيا الإسلامية، حتى وصلت إلى الصين شرقا، وإلى حدود فرنسا غربا في عهد الدولة الأموية الثانية في الأندلس، ثم إلى الداخل الأوروبي في عهد الخلافة العثمانية.

وتعاقبت (الخلافات) الإسلامية بدءا من الخلافة الراشدة، وما بعدها، وازدهر العالم كله بفضل العرب، والشعوب التي دخلت في الإسلام، وشهد العالم تحولا جذريا في التعامل الإنساني، والتحضر البشري.

وهكذا صار للدولة الإسلامية التي وُلدت صغيرة، شأن كبير، تشهد له الدنيا كلها، حتى بدأت مراحل التفكك عبر عدة مراحل، بدءا من انهيار الخلافة الإسلامية في الأندلس عام (897 هـ /1492 م) وانهيار العباسيين في المشرق، حتى سقوط الخلافة أو الدولة العثمانية بين عامي (1922 مـ 1924م)، وبذلك انتهت العصور الذهبية، وبدأ عصر الضعف الإسلامي الذي ما يزال مستمرا إلى أن يشاء الله.

هذا التطواف السريع والمقتضب هو تطواف في حقبة مضيئة من التاريخ الإنساني صنعها المسلمون، وساهموا في تطورها، ثم تخلوا عنها، وانكفؤوا على ذاتهم، حتى غدوا عنصرا بشريا يشير إليه الغرب باستعلاء، ودونية رغم أن تعداد المسلمين في العالم يفوق ملياري نسمة، ولكنهم أصبحوا مجرد رقم لا يعادل قيمته، وتحولوا من صانعي حضارة إلى مستوردين لمنتجات الغرب السلوكية، والأخلاقية، والتكنولوجية الاستهلاكية، وبعد أن كان الأوربي يقلّد المسلمين في طريقة سلوكياتهم، وحركة حياتهم، أصبحت كلمة (مسلم) تعادل في أوربا مفردة (التخلّف)، وتجرأ العالم كله عليهم؛ لضعفهم، وهوانهم على الناس.

ألف وأربعمائة وثمانية وأربعون عاما مضت على أهم حدث إسلامي يحتفل به المسلمون بالخطب، والمواعظ، والتذكير به على المنابر، بينما يكرّس بعض العلماء حياته للتحريض، والتكفير، والهمز، واللمز في من يخالف معتقده، ومذهبه. وفي كل الأحوال يبقى الفعل الحقيقي للتغيير مجرد حلم، ويبقى الوضع على ما هو عليه.

ورغم أن دروس التاريخ معادة، ومكررة، إلا أن استيعابها ضعيف جدا، ورغم أن خطب القمم العربية تشير دائما إلى الوحدة، والتلاحم، ونبذ الخلافات، إلا أن الواقع ينفي كل تلك الكلمات الرنانة، ويؤكد واقعا مريرا غير قابل للإصلاح إلا حين تصفو النوايا، ويجد المسلمون خريطة مسار واضحة لنبذ الخلافات، وتنقية الجو العربي، والإسلامي من الشوائب، والمعوقات، وهو أمر بعيد المنال على ما يبدو في ظل ما هو واقع اليوم.

إن مناسبة العام الهجري تعيد إلى الأذهان تلك الإرادة الفولاذية، والعزم الصادق لبناء أمة عالية القيمة مرفوعة الرأس والشأن؛ لذلك على أبناء هذا الكيان الديني، والاجتماعي، والقومي أن يجسدوا هذه القيم النبيلة التي جاء بها الإسلام، ويعيدوا بناء ما هدمته الخلافات، وما تسببت به من تخلف، وتبعية، وهزائم فكرية، وحضارية، وسياسية لا تغتفر، ولا تزول إلا باستحضار الدرس الخالد للهجرة النبوية، وما تلاها من خطوات لإرساء دعائم دولة تقوم على أساس رفعة الإنسان، وإعلاء شأن الذات الجمعية، والأخذ بالأسباب للوصول إلى نتائج قد تغفر للمسلمين ما ضاع منهم وسط زحمة الخلافات، وضجيج الخطب.