لماذا لم نَعُد نقرأ فدوى طوقان؟
الأربعاء / 1 / محرم / 1448 هـ - 19:59 - الأربعاء 17 يونيو 2026 19:59
ألأنها ابنة السياق لا الزمن، لأنها ظهرت في حقبة عربية وفلسطينية احتاجت أن تقرأ لنساء، يخرقن الحبس المنزلي واللغوي وحتى النطقي، ويتجرأن على البوح الشخصي وغير الشخصي، ألأن شقيقها هو إبراهيم طوقان، أم لأنها ولدت في زمان مختلف لم تكن فيه المرأة العربية قادرة على التعبير عن حياتها وأشواقها؟ ولأن منطق التاريخ والزمن لا يفضل البقاء في ذات المكان وذات الفكرة؟ أم لأن العالم كله كان آنذاك على حواف تصادم مع نمط الحداثة في الحياة والكتابة، فكانت فدوى من إفرازات ذلك التصادم؟
في سيرتها - مذكراتها 'رحلة جبلية، رحلة صعبة' الصادر عام 85 دلقت فدوى كل أحداث حياتها في الطفولة وأحداث من اشتبكت حياتها مع حياتهم، في كتاب أحدث وما زال يحدث ضجة جميلة، يرى فيها من يبحث عن تاريخ سياقات الكبت والحرية، في فلسطين والعالم العربي، ما يجب عليه أن يراه، وجاء كتابها الثاني عام 93 'الرحلة الأصعب'، كتبت فدوى فيه حياتها كشاعرة بعد النكسة 67 وتحولاتها الشعرية وعلاقاتها مع أدباء العرب وطريقتها في التصدي للمحتلين وأثر المحتل على نصها.
من زمان لم تعد قصائد فدوى طوقان تستعاد شعريًا، صارت في المتحف الشعري، يذكرها المهتمون بالتاريخ الشعري للشعر الفلسطيني، أو الذين يبحثون في تاريخ نسوية الشعر. هذا محزن؟ نعم، لكنه منطقي. هل سطحية موهبتها سبب في ذلك؟ هل موهبتها سطحية وبسيطة فعلًا؟ من يقرر؟ هل كان بإمكانها أن تكون أعمق في الشعر والتفكير؟ هل ساهمت عوامل أخرى في إبراز صوتها الشعري غير موهبتها؟ أسئلة شجاعة كثيرة بحاجة لباحث علمي يبحث في الموهبة والتاريخ والسياق، والكفاح الوطني وانغلاق الفكر.
كان محمود درويش يستدعي وجودها في حواراته أحيانًا للحكي عن بدايات الشعر وطبيعته المقاومة في فلسطين، لكنه في داخله، وهذا معروف، لم يكن من المعجبين بعبارتها الشعرية، واحترامًا لخصوصية تجربتها لم يكن يصرح بذلك إلا في جلسات خاصة، كان أقصى هدف في حياتها هو امتلاك الحق في أن يكون لها صوت تنطق به، أن تختار، أن ترفض أو تقبل، أن تحترم ذائقتها، وكان الشعر وسيلتها الرائعة في البوح، وهذه مادة رائعة للكتابة، هل نجحت فدوى في تمثلها شعريًا؟ هي التي ساعدها شقيقها المشهور وشجعها، بل ونشر قصائدها في أرقى وأهم الصحف والمجلات الشعرية العربية، ولكن مهلًا، أليست العبارة ابنة السياق؟ ألم يجد كل كاتب من يسانده ويشجعه، بل وينشر له؟ كان السياق ضاغطًا وقاتلًا، عبارتها هي سياقها، ثيم نصها: الشكوى والحزن والشفافية، والبحث عن المكانة بطريقتها البسيطة الواضحة، والدفاع عن حقها في الوجود والكلام، وإبداء الرأي، فهم محمود درويش سياقها واحترمه، لكنه لا يستعيده كشعر بل كبطولة امرأة فلسطينية كسرت الظلم الاجتماعي، وقاومت الجمود الفكري والعشائري. لم يذكر، حسب ما أعلم، محمود درويش أنه تأثر بها شعريًا، رغم أنه تأثر بمحمد مهدي الجواهري الذي اعتبر صورته الشعرية من أفخم وأذكى وأعمق الصور، كما عبّر عن تأثره بصور وعبارات وعالم نزار قباني. انقلب محمود على نزار، لكن الجواهري بقي معلمه وملهمه المستمر.
لماذا لا يقرأ أشعارها الجيل الشاب؟ أقصد القراءة الحرة البعيدة عن المدارس والجامعات، ولماذا، وهذا الأهم، حُشرت في منهاج فلسطيني مدرسي بارد كالجثة وتعامل معها الطلاب كمادة مفروضة، مربوطة بالعلامة والتعنيف، والعقاب والرقابة؟ لماذا محمود درويش وسميح القاسم يُقرآن بلا توقف رغم وجودهما في المنهاج؟ هل زاد حشرها في منهاج مدرسي في دفنها كشاعرة؟
كنت أسأل طلاب مدارس ألتقيهم في الشارع: اذكروا لي شاعرة فلسطينية مشهورة؟ كانت الإجابة فورًا سريعة وجاهزة: فدوى طوقان. من دلّكم عليها؟ من أشار عليكم بقراءتها؟ وكانت الإجابة الصادمة: معلم اللغة العربية هو الذي دلنا، فهي موجودة في المنهاج.
وأسأل: اذكروا لي شاعرًا أو شاعرة فلسطينية أو عربية ليسا في المنهاج. الصدمة عجزهم عن الإجابة.
لماذا لم نعد نقرأ شعر فدوى طوقان؟ والأهم متى كنا نقرأه؟