عمان اليوم

محاضرة تستعرض المفهوم الإنساني ودور الفكر في مواجهة التحديات الأخلاقية المعاصرة

 

نظّم مركز السلطان قابوس العالي للثقافة والعلوم، مساء أمس، بجامع السلطان قابوس الأكبر، محاضرة بعنوان: 'ماذا يعني اليوم أني إنسان'، قدمها المفكر التونسي الدكتور محمد محجوب.
أقيمت المحاضرة بحضور سعادة حبيب بن محمد الريامي، رئيس المركز، إلى جانب عدد من الشخصيات الثقافية والمهتمين بالقضايا الإنسانية.
ناقشت المحاضرة مفهوم الإنسان والإنساني بوصفه مفهومًا فلسفيًا أخلاقيًا، متتبعةً جذوره التاريخية بدءًا من الفلسفة الرواقية التي ازدهرت في شمال أفريقيا خلال الفترة الرومانية، وصولًا إلى الفكر الحديث الذي أعاد صياغة مفهوم الطبيعة الإنسانية منذ القرن السابع عشر، وتحولاته الفكرية عبر العصور.
وتطرق الدكتور محمد إلى واقع الإنسانية بوصفها مفهومًا كونيًا، وكذلك حدود الفكر الغربي في الدفاع عن الإنسان.
وأوضح أن فكرة الإنساني ارتبطت بعدة تصورات فلسفية؛ أولها أن الإنسانية تنبع من اشتراك البشر في طبيعة إنسانية واحدة، وثانيها أنها تتجلى في مواجهة الإنسان المستمرة لذاته وللأضداد التي تحيط به، سواء كانت طبيعية أو اجتماعية أو نفسية، فيما يرى تصور ثالث أن الإنساني يتأسس على تجاوز الفردية الضيقة والانفتاح على الآخر.
كما تناولت المحاضرة إشكالية الشر، متسائلةً عما إذا كان سلوكًا طبيعيًا أم مكتسبًا، وتم عرض آراء عدد من الفلاسفة، ومنهم الفارابي في كتابه 'تحصيل السعادة'، الذي ربط كمال الإنسان بتهذيب النفس والسعي نحو الفضيلة.
وفي محور الفكر السياسي الحديث، ناقش الدكتور رؤية الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز للطبيعة الإنسانية، موضحًا أن الإنسان يسعى بطبعه إلى المحافظة على حياته وتحقيق مصالحه، وأن تنازع الرغبات بين الأفراد يقود إلى الصراع والحرب، الأمر الذي يدفع الإنسان إلى التنازل عن جزء من حريته لصالح سلطة سياسية تضمن الأمن والاستقرار.
كما استعرضت المحاضرة فلسفة السلام الدائم لدى الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط في كتابه 'من أجل سلام دائم'، وشروط تحقيق السلم بين الأمم، ودور القوانين والمؤسسات في الحد من النزاعات وتعزيز القيم الإنسانية المشتركة.
واستكمل الدكتور محمد النقاش حول الأزمات التي واجهت مفهوم الإنسانية في العصر الحديث، وعلى رأسها أكبر صدمتين في التاريخ كما وصفها المفكر التونسي، وهي الجرائم النازية خلال الحرب العالمية الثانية، وجرائم الاحتلال الغاشم في غزة، مما طرح تساؤلات أخلاقية وفكرية حول مصداقية الخطاب الإنساني المعاصر، وحدود المواقف الغربية في الدفاع عن حقوق الإنسان عندما تتقاطع مع المصالح السياسية.
كما طُرحت تساؤلات حول إمكانية استعادة العدالة في عالم يشهد أزمات متلاحقة، وحول مدى قدرة الفكر الإنساني المعاصر على الحفاظ على طابعه الكوني دون إلغاء خصوصيات الشعوب والثقافات المختلفة.
وأكد الدكتور محمد أن الكونية الحقيقية لا تعني صهر البشر في نموذج واحد، بل تقوم على الاعتراف بوجود حد أدنى من القيم المشتركة التي لا يجوز انتهاكها، وفي مقدمتها صون كرامة الإنسان وعدم نزع إنسانيته أياً كانت هويته أو معتقداته أو انتماءاته. وشهدت الندوة تفاعلًا من الحضور الذين طرحوا عددًا من الأسئلة حول علاقة الذكاء الاصطناعي بمستقبل الإنسانية، وإمكانية إحلاله محل الإنسان في بعض الوظائف، إضافة إلى مناقشة مفهوم العمران والإنسان عند ابن خلدون، ودور الفكر الإنساني في مواجهة التحديات الأخلاقية والتقنية المعاصرة.