أفكار وآراء

دروس الحرب ومذكرة التفاهم

توقفت الحرب الأمريكية الإيرانية بعد مواجهة عسكرية بين القوة الأكبر عالميا، عسكريا واقتصاديا وتكنولوجيا، وبين دولة نامية هي إيران والتي تقع تحت الحصار والعقوبات الاقتصادية منذ قيام الثورة الاسلامية بقيادة الإمام الراحل الخميني.

ويترقب العالم توقيع مذكرة التفاهم في جنيف الجمعة أو الأحد، والتي ركزت على وقف الحرب بين واشنطن وطهران، علاوة على وقف كل العمليات العسكرية في المنطقة ومنها العدوان الاسرائيلي على لبنان، كما ركزت المذكرة على فتح مضيق هرمز للملاحة وفك الحصار البحري الأمريكي على الموانئ الإيرانية، علاوة على تخفيف بعض العقوبات وفي مقدمتها تصدير النفط الإيراني إلى الأسواق العالمية علاوة على تأجيل قضية الملف النووي الإيراني، ورفع العقوبات، واسترداد مليارات الدولارات الإيرانية المجمدة إلى وقت المفاوضات والتي سوف تجري في وقت لاحق.

الحديث عن المنتصر والمهزوم هي قضية جدلية في الصراع الأمريكي الإيراني، وإذا كان ميزان القوة العسكرية لا يقارن بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية عندها يمكن الحديث بأن الولايات المتحدة الأمريكية قد تلقت هزيمة استراتيجية لا شك فيها، وهذا من خلال جملة الأهداف التي رسمتها إدارة ترامب لشن الحرب على إيران وبتحريض من نتنياهو وحكومته المتطرفة في الكيان الصهيوني؛ وهي خطة أصبحت معروفة تتلخص في القيام بضربة جوية كبيرة لتصفية القيادة الايرانية وعلى رأسها المرشد وبقية القيادات العسكرية والأمنية؛ وهنا تخرج الجماهير الإيرانية، وعندها يسقط النظام الإيراني ويتم تنصيب موال للولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني لتتحقق أحلام نتنياهو في إقامة الشرق الأوسط الجديد وهيمنة إسرائيل على المنطقة من خلال المشروع الصهيوني.

بعد ١٠٠ يوم من المواجهة العسكرية والهدنة فشلت العملية العسكرية الأمريكية ضد إيران؛ صحيح أن إيران تلقت ضربة عسكرية كبيرة وتم اغتيال المرشد وعدد من القيادات الإيرانية، لكن الجانب الإيراني استطاع استيعاب الضربة، وتحولت الحرب إلى حرب استنزاف وحرب اقتصادية من خلال الورقة الاستراتيجية الأهم التي استخدمتها طهران وهي إغلاق مضيق هرمز، وتحول الصراع الأمريكي الإيراني إلى صراع إرادات ينبغي على الدول والمجتمعات التوقف عنده طويلا.

وفشلت الولايات المتحدة الأمريكية في إخضاع إيران إلى شروطها بل إن إيران فرضت معادلة جديدة من خلال تواصل المفاوضات من خلال جهود الوساطة الباكستانية وجهود عدد من دول المنطقة لإيجاد مخرج وإنهاء الحرب التي تورطت فيها الولايات المتحدة الأمريكية وفق تقديرات غير موضوعية.

الكيان الصهيوني هو الخاسر الأكبر بعد إن أدركت إدارة ترامب بأن إيجاد مقاربة سياسية مع إيران وفتح الملاحة البحرية والوصول إلى اتفاق نووي في نهاية المطاف هو أفضل لواشنطن وطهران؛ حيث إن إدارة الرئيس الأمريكي ترامب لديها استحقاق انتخابي في نوفمبر القادم حيث سوف تجري الانتخابات النصفية للكونجرس في ظل تراجع شعبية الحزب الجمهوري؛ ومن هنا فإن الخروج من مأزق المواجهة العسكرية مع إيران هو منطق سياسي صحيح، ومن خلال التنازلات المتبادلة يمكن القول بأن إيران قد انتصرت استراتيجيا وفرضت معادلة جديدة من خلال فرض هيبتها وإرادة شعبها في مواجهة عسكرية مع دولة كبرى كالولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني. ومع كل حرب هناك دروس.

وفي تصوري هناك دروس مهمة ينبغي على دول المنطقة أن تدرسها بشكل معمق. وهنا تحضرني الرؤية العمانية المبكرة حول ضرورة الأمن الاقليمي من خلال تنسيق أمني وتعاون بين الدول الثماني في منطقة الخليج العربي؛ حيث إن الجغرافيا لايمكن تغييرها، وإيران هي في نهاية المطاف جار ودولة عضو في منظمة التعاون الاسلامي، وقد يتم الاختلاف مع إيران في موضوعات محددة، وهذه طبيعة العلاقات الدولية، ولكن يبقى الحوار هو الأساس الذي يوجه تلك العلاقات إلى آفاق أفضل.

في عام ١٩٧٦ عقد اجتماع في مسقط بين وزراء خارجية الدول الثماني وهي دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية الست والعراق وإيران؛ حيث تحدث جلالة السلطان قابوس بن سعيد ـ طيب الله ثراه ـ حول ضرورة ترسيخ الأمن والاستقرار الإقليمي من خلال آليات وتنسيق بين الدول. وخرج بيان مسقط يؤكد على تلك الرؤية التي تركز على الأمن والاستقرار في المنطقة؛ ومن هنا، يمكن القول بأن بلادنا سلطنة عمان ظلت وسوف تظل مساندة لجهود السلام والاستقرار ولديها رؤية مبكرة للحفاظ على استقرار المنطقة.

وفي تصوري، لو أن الرؤية العمانية المبكرة طبقت لكانت الظروف السياسية والأمنية مختلفة خلال الأربعة عقود الأخيرة، كما أن رؤية سلطنة عمان حول ضرورة إيجاد الجيش الخليجي الموحد انطلقت في عقد التسعينيات لتكون خيارًا ممكنًا بعيدًا عن القواعد العسكرية الأجنبية.

لقد كشفت الحرب الأمريكية الاسرائيلية على إيران الكثير من الأوهام عن الحماية، ومن هنا فإن الدروس ينبغي أن تقيم بشكل موضوعي داخل منظومة مجلس التعاون لدول الخليج العربية وحتى على صعيد الأمن القومي العربي وعلى صعيد المنظور الإسلامي، كما أن الممرات البحرية أصبحت السلاح الاستراتيجي خلال الحرب، حيث تضرر الاقتصاد العالمي بشكل كبير، ومع ذلك فإن للحروب تداعياتها وظروفها وكل أطراف الحرب تحاول الاستفادة من الأوراق الاستراتيجية، ومنها الجغرافيا، والتي لعبت لصالح إيران، حيث توصل الطرف الأمريكي بأن إيجاد اتفاق مع إيران هو الخيار الأفضل، كما أن القيادات العسكرية الأمريكية قدموا تحليلات عميقة بعدم جدوى استمرار الحرب، وأن نتنياهو يريد جر منطقة الشرق الأوسط إلى حرب استنزاف كارثية لتحقيق مصالحه السياسية، وهو يواجه تهم الفساد وقرب انتهاء حياته السياسية، حيث فشل للمرة الثانية في الانتصار على إيران أو حزب الله اللبناني.

ومن النتائج الاستراتيجية للحرب ـ كما أشرت في مقال سابق ـ تصدع المشروع الصهيوني العالمي في مقابل

بروز دول فاعلة إسلامية وعربية، منها إيران وباكستان وتركيا ومصر ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية وهذه مقاربة سياسية صحيحة لإجهاض الهيمنة الصهيونية على مقدرات المنطقة وشعوبها والتدخل في هويتها العربية والإسلامية.

إن توقيع مذكرة التفاهم بعد أيام في جنيف بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الاسلامية الايرانية هي خطوة إيجابية نحو خفض التصعيد والحرص على الاستقرار والسلام وحل المشكلات والصراعات بالطرق السلمية ومن خلال الدبلوماسية؛ وهو ما أكدت عليه مؤخرا بلادنا سلطنة عمان من خلال بيان وزارة الخارجية وأيضا من خلال بيان مجلس الوزراء الذي عقد الاثنين وترأسه جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ حيث تؤمن سلطنة عمان ومن خلال خبرتها التراكمية في عدد من الملفات المعقدة، كالملف الإيراني والملف اليمني وملفات أخرى، بأن الدبلوماسية هي الخيار الأفضل الذي يؤدي إلى حلول واقعية تتسم بالعدل والإنصاف والاستمرارية وتطبيق القانون الدولي.

إذن انتهت الحرب، وتظل اعتداءات الكيان الإسرائيلي على جنوب لبنان شاذة وتحتاج إلى إرادة دولية لإخماد ذلك العدوان الذي تسبب في استشهاد الكثير من الأبرياء في البلدات اللبنانية ونزوح الآلاف من مواطني جنوب لبنان.

إن العالم لن ينعم بالسلام والاستقرار في ظل الكيان الصهيوني الغاصب المتطرف الذي يشعل الحروب في المنطقة ويتسبب في زعزعة الأمن والاستقرار، مما يوجب على الدول العربية والإسلامية استخلاص الدروس علاوة على المجتمع الدولي، حيث ارتكب الكيان الصهيوني طوال سنوات احتلاله فلسطين عشرات الجرائم ومنها الإبادة ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، واستشهد أكثر من ٧٥ ألف إنسان معظمهم من الأطفال والنساء وتدمير البنية الأساسية للقطاع، فهل هذا الكيان الصهيوني المتغطرس والعدواني يريد حقا إقامة سلام وأن يكون جزءا من الشرق الأوسط؟ هذا هو المستحيل من خلال أفعاله وسلوك حكوماته المشين طوال ٧٠ عامًا من الصراعات والحروب.

إن دول المنطقة تحتاج إلى تقييم موضوعي في ظل خطورة الأوضاع الأمنية والاقتصادية التي مرت عليها. والتقييم عمومًا هو عملية حيوية، سواء على صعيد الأفراد أو المجتمعات أو الدول؛ فإذا كانت قد انتهت الحرب، فإن نتائجها تحتاج إلى دراسة وتدبر وتقييم صحيح بما يخدم المصالح العليا للمنطقة، والأمن والاستقرار في العالم.