كيفن وارش وترامب والبنك الفيدرالي
الإيكونومست - ترجمة: قاسم مكي
الثلاثاء / 29 / ذو الحجة / 1447 هـ - 22:07 - الثلاثاء 16 يونيو 2026 22:07
كانت ذروة طموح كيفن وارش خلال معظم حياته المهنية أن يتولى رئاسة بنك الاحتياطي الفيدرالي والاقتصاد الأمريكي ساخن مما يستدعي رفع سعر الفائدة.
(الاقتصاد ساخن بمعنى إنه ينمو بوتيرة متسارعة ويهدف رفع سعر الفائدة إلى تهدئته منعا لانفلات التضخم من عقاله أو إعادة تقييده إذا انفلت - المترجم).
في الواقع، قلة قليلة من بين مسؤولي البنك المركزي سعت إلى الاشتهار بمثل هذه النزعة نحو التشدد النقدي. لذلك من المفارقة أن يتحقق حلم وارش ورغم ذلك، كما يبدو، غالبا ما سينغِّص عليه حياته مع بداية رئاسته للفيدرالي.
على وارش أن «يلوم» الظروف التي اكتنفت تعيينه. فالرئيس دونالد ترامب يريد خفض أسعار الفائدة وفي يناير عيَّن وارش لأنه أيضا فضَّلها.
وقتها، كان المبرر الاقتصادي لتيسير السياسة النقدية معقولا؛ فارتفاع التضخم في فترة ما بعد الجائحة انتهى تقريبا، وبدت سوق الوظائف وكأنها كانت تترنح.
أثارت «حمائميَّة» وارش والتي لم تكن تشبه طبيعته ابتساماتٍ ساخرة ولكن ليس احتقارا من مسئولي البنك الفيدرالي الآخرين والذين كانوا في معظمهم سعداء باختيار ترامب شخصا عاقلا لرئاسة البنك. (تقصد الإيكونومست بحمائمية وارش تحوله من تحبيذ رفع الفائدة إلى خفضها انسجاما مع رغبة ترامب- المترجم).
للأسف انتهت هذه المصادفة السعيدة؛ فقد انهارت قضية خفض أسعار الفائدة. نعم، لا يزال ترامب راغبا في خفضها. لكن خلافا لذلك، تتطلب الظروف الاقتصادية اليوم تشددا نقديا.
منذ تعيين وارش استقرت سوق العمل الأمريكية؛ ففي الفترة من مارس إلى مايو زاد عدد الوظائف في المتوسط بحوالي 188 ألف وظيفة شهريا. وهذا رقم يزيد كثيرا عن تقديرات نموِّ قوة العمل في وقت يشهد انخفاض الهجرة أو تراجعها سلبيا.
حتى نوفمبر كان معدل البطالة يرتفع ببطء. لكن منذ ذلك الشهر هبط واستقر عند 4.3%. فالاقتصاد محتدم، وأسواق الأسهم قريبة من مستويات قياسية في ارتفاعها بسبب اقتران الانتعاش المؤقت والناشئ عن خفض الضرائب مع فورة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي.
ويقدر مقياس فرع البنك الفيدرالي بأتلانتا للناتج المحلي الإجمالي في الوقت الحقيقي معدل النمو بحوالي 3% على أساس سنوي في الربع الثاني من العام.
دفعت أسعار النفط المرتفعة والتي نتجت عن حرب ترامب مع إيران بمعدل التضخم السنوي إلى 3.8% وفقا للمقياس الذي يستخدمه الفيدرالي (وهو معدل التضخم الأساسي الذي يستبعد الأسعار المتقلبة للطاقة والغذاء - المترجم). كثيرا ما يتجاهل مسئولو البنك المركزي التضخم الذي ينشأ عن أسعار النفط. لكن ذلك التجاهل ليس يسيرا اليوم لأن معدل التضخم تخطى هدف البنك وهو 2% لأكثر من خمس سنوات؛ فمثل هذه القفزات في أسعار النفط يمكن أن ترسَخ في توقعات الناس. والتضخم الذي بدأ مع ارتفاع سعر النفط يمكن أن يستقل بحياته الخاصة به.
تبدو الحجج الجديدة التي تقدم بها وارش لخفض أسعار الفائدة أكثر اهتزازا من أي وقت مضى؛ فعندما كان يسعى إلى ترشيح ترامب زعم أنه تخلى عن نزعة تشدده النقدي التي عرف بها طوال حياته المهنية بسبب التقدم الذي أحرِز في الذكاء الاصطناعي؛ فهو يجادل بأن هذه التقنية سرعان ما ستحقق قدرا من الوفرة من شأنها أن تقود إلى قهر التضخم مما يُفسِح للبنك الفيدرالي مجالا واسعا لخفض أسعار الفائدة.
حتى الآن حدث شيء أقرب إلى عكس ذلك. فالازدهار في إنشاء مراكز البيانات وفَوْرَة سوقِ الأسهم أشعلا حمى الاستثمار والاستهلاك في الولايات المتحدة على التوالي. وربما رفعا معدل التضخم.
تَوَالَى زملاء وارش الجدد في الفيدرالي على تذكيره بأن النظرية الاقتصادية تشير، في حال سَرَّع الذكاء الاصطناعي من وتيرة نموِّ الإنتاجية، إلى الحاجة لرفع أسعار الفائدة وليس خفضها؛ نظرا لاحتدام الرغبة في الإنفاق والاستثمار.
الآن، عبر عن هذه النقاط علنا على نحو أو آخر نصفُ أعضاء مجلس الاحتياطي الذين يصوّتون على رفع أو خفض سعر الفائدة، ويحتاج وارش إلى دعمهم لتغيير السياسة النقدية.
كانت الفكرة الكبيرة الأخرى لكيفن وارش هي خفض حيازات البنك الفيدرالي من السندات. وهذا يرقْىَ إلى أن يكون تشديدا للسياسة النقدية من خلال الميزانية العمومية للبنك. ذكر وارش مجادلا أن القيام بذلك سيفسح المجال لخفض أسعار الفائدة، وهذا يماثل جعل المكتب مريحا بتشغيل المدفأة ومكيف الهواء في الوقت نفسه.
المشكلة هي أن هذا التشديد الكَمِّي سيكون بلا أثر. لقد فكر محافظ الفيدرالي السابق ستيفن ميران وهو حليف لكيفن وارش في خفض الميزانية العمومية للبنك بحوالي 5% من الناتج المحلي الإجمالي. وتشير الحسابات التقريبية إلى أن مثل هذا الخفض سيرفع عوائد السندات طويلة الأجل تقريبا بنفس المقدار الذي يترتب عن رفع سعر الفائدة بربع نقطة مئوية. لكن حتى ذلك ربما مبالغة في التقدير؛ فشراء السندات ينجح جزئيا بإرسال إشارة (إلى المستثمرين) عن اتجاه أسعار الفائدة.
مثلا بعد الأزمة المالية العالمية 2007-2009 بعث شراء السندات برسالة مفادها أن أسعار الفائدة لن ترتفع لفترة طويلة. لكن في ظل مشروع وارش ستدفع الميزانية العمومية وأسعار الفائدة في اتجاه معاكس لذلك.
فالتشديد الكمي (خلافا للتيسير الكمي) يبشر بأسعار فائدة أقل وبالتالي قد لا يرفع عوائد السندات طويلة الأجل.
السؤال: هل كيفن وارش هو نفسه رئيس البنك السابق جيروم باول متنكِّرا؟ في الواقع، يجب استبعاد خفض أسعار الفائدة تماما عندما يبدأ أول اجتماع له حول السياسة النقدية في 16 - 17 يونيو.
لدى الرئيس الجديد للبنك بعض القدرة على كسب الوقت والتركيز على إصلاحات فنية ودقيقة يريد القيام بها في الفيدرالي. لكن إذا تحركت أسعار الفائدة لاحقا في هذا العام سيكون اتجاهها في الغالب إلى أعلى وليس إلى أسفل. ففي لحظة ما، سيتعيَّن على وارش أن يزف خبرا سيئا إلى ترامب (عن رفع سعر الفائدة).