ثقافة

ناهدة شبيب: أريد للقصيدة أن تبقى شاهدة على الإنسان في حزنه وغربته وأمله بالعودة

تكتب ضمن أفق شعري يرى في اللغة وسيلة مقاومة وحفظ للذاكرة

 

-الكلمة أول من ينتفض لنصرة المظلوم
-الجرح يرحل من القلب حين يسكن القصيدة
-الوطن لا يغادر الشاعر حتى وهو في أقصى المنافي
-لا قيمة لقصيدة لا تنحاز للإنسان
-المكان يكتب نصف القصيدة والذاكرة تكمل نصفها الآخر
تنتمي إلى جيل حملت فيه التجربة الشعرية عبء التحولات الإنسانية الكبرى وتداخل النص مع الذاكرة، فالشعر في تجربتها امتداد للحياة، وتتجلى ملامح تجربتها بحضور المدن، والطفولة، والذاكرة، والمكان الذي يشكل عنصرا في رؤيتها الشعرية.


شكلت تجربة المنفى وعيا شعريا حول الوطن والهوية والنجاة، وتحمل قصيدتها طاقة عاطفية تعكس تجاربها، حيث تتحول القصيدة إلى مساحة لالتقاط ما يتساقط من الحياة، وإعادة صياغته في شكل أكثر قدرة على البقاء.


فمن مدينة حماة التي تستعيدها في نصوصها عبر صور العاصي والياسمين والحارات العتيقة، انطلقت علاقتها الأولى بالشعر، قبل أن تتسع التجربة لتحتضن أسئلة الإنسان والمنفى والهوية ومصير الكلمة.


تتداخل القصيدة في منجزها الشعري مع السيرة، حيث تتحول الخسارات إلى رؤية إنسانية، كما تحضر المرأة في نصوصها كائنا يحمل أثقال الألم والصبر والوفاء، فيما يحضر الوطن قيمة وجودية تتجاوز حدود الجغرافيا.


تنطلق الشاعرة ناهدة شبيب من إيمان راسخ أن الشعر موقف قبل أن يكون شكلا فنيا..
يفتح لنا هذا الحوار صفحات من تجربتها لتتحدث عن البدايات وأثر المكان في تشكيل مخيلتها، ومستقبل القصيدة العربية.


-متى أدركت أن الشعر لم يعد مجرد موهبة عابرة، بل أصبح قدرك الشخصي وطريقتك في فهم العالم؟
بعد أن تبلورت شخصيتي وخرجت من ثوب الأنثى الخجولة التي ساقها القدر إلى زاوية مظلمة دفنت فيها موهبتها طوال سنوات، أدركت أنني أفتح نوافذ فكري على مجتمع واسع شاسع ينطلق بسرعة الريح ويتقلب تقلبات عجيبة، وكان علي أن أتدارك ذلك وألحق ركبه قبل أن يفوتني القطار، حتى في تشكيل القصيدة ذاتها شكلا ومضمونا.


-إلى أي حد أسهمت طفولتك ومدينة حماة في تشكيل حساسيتك الشعرية وصوتك الأدبي؟
المكان هو القاموس الأول للشاعر، وحماة ولادة للشعراء لأنها تمتلك طبيعة ساحرة لا تتوفر في غيرها، ويعبرها نهر العاصي فيجعلها أميرة تنشر ضفيرتيها على ضفتيه. كل هذا الجمال كنت أنهل منه بصمت وأستعيده من ذاكرتي كلما داهمتني القصيدة.
الشاعر الحموي يختلف عن غيره، تجد قصيدته مشبعة بالصور المنسابة كماء النهر.


نعم، لقد اكتسبت نصوصي عطرها من ياسمين الحارات العتيقة، وأصالتها من نافورة البحرة في بيت جدي، ودفئها من شجرة النارنج في دارنا، وكل هذا الجمال اختزنته القصيدة الحموية للشاعرة العاشقة المفتونة بمدينتها.


-هل تولد القصيدة لديك من الجرح أم من محاولة النجاة منه؟
كثيرا ما تولد القصيدة من الجرح، فتكون خلاصة النزف، فالجرح هو الحبل السري الذي يربط الشاعر بالقصيدة، على أن يرتب فوضى الداخل ويجعل من النهاية بلسما يسير به نحو الخلاص. نحن ندفن الجرح بالقصيدة ونولد من جديد.


-هل تكتبين المرأة كما عشتها أم كما ترغبين أن تكون؟
المرأة هي القصيدة والقصيدة أنا، وقد مررت بمراحل كثيرة في حياتي كانت مثقلة بالألم والفقد، إن لم تكن أغلبها، وكان خاتمتها التهجير والمنفى. عندما كنت شابة تسلل الحزن من خلف قضبان سجن صيدنايا إلى بيتنا الهادئ 15 سنة لم تجف فيها دمعة أمي، ثم توالى الفقد فخسرت أبي وأخي وزوجي وابنتي، كل ذلك كان يقطر في النص دمعا ويصنع امرأة عربية صبورة وفية. أكتب المرأة كما عانيتها.


-لماذا اخترت عنوان نصف امرأة؟
نصف امرأة كانت أول ما ظهرت به على الساحة الأدبية، وكانت تخفي وراءها قصة امرأة أرملة أرخى عليها المجتمع سواده، وكانت صرخة ألم.
-كيف تنظرين إلى العلاقة بين الشعر والحقيقة؟ وهل يكفي جمال اللغة لصناعة قصيدة عظيمة؟
قالوا: إن أجمل الشعر أكذبه، لكنني لا أؤمن بذلك. الشعر هو تحليق بالخيال، والخيال ليس كذبا بل 'شطحة' من الأمنيات وطيران على جناح الحلم، وإلا لما كان شعرا ولأصبح كلاما عاديا.


-هل ما زال الشعر قادرا على التأثير في زمن السرعة ووسائل التواصل؟
القصيدة تلعب على المشاعر، ولذلك ستبقى قادرة على التأثير في وعي الناس. وسائل التواصل والإنترنت جعلتها أكثر جرأة في الطرح وأوسع جمهورا، وهي أيضا ذاكرة الوطن والتأريخ الأكثر صدقا للحدث.


-كيف أثرت الحرب والتحولات في سوريا في رؤيتك للوطن والإنسان؟
بعد سنوات من التهجير القسري وما عشناه من ظلم ومجازر، لا بد أن تترك التجربة في القصيدة هما عربيا كبيرا. الكلمة أول من ينتفض لنصرة المظلوم، وإذا لم تحمل القصيدة هم الوطن والإنسان فهي فارغة جوفاء.


-هل أصبح الوطن في شعرك مكانا مفقودا أم حالة شعورية؟
كتبت كل ما كتبت في خيمة منفى بحثا عن وطن ضائع، وأملا في أرض تلم شتاتنا. الوطن مزروع بين شراييني، أسقيه دمي كلما جن الحنين، فكيف أغادره ويغادرني؟!
-كيف ترين العلاقة بين الأصالة والتجديد في الشعر العربي؟
الشعر هو الشعر العمودي على أوزان الخليل، وقصيدة التفعيلة هي الابن الشرعي له، أما ما عدا ذلك فهو نثر. التجديد مطلوب لكن دون أن يسقط النص في الغموض أو يبتعد عن المتلقي.


-ما الذي تخشينه أكثر على الشعر العربي المعاصر؟
أخشى فعلا من تحول القصيدة إلى استعراض.
-كيف تنظرين إلى حضور المرأة الشاعرة في المشهد الثقافي؟
عندما طرحت مقولة الشعر النسوي جعلوا للمرأة ميزانا مختلفا، وهذا ما لا يعجبني. الشعر شعر، وقد أثبتت المرأة الشاعرة جدارتها.
-كيف انعكس عملك في التعليم وأدب الطفل على تجربتك؟
كتبت كثيرا للأطفال أثناء عملي معلمة ومدربة أنشطة مدرسية، ونشرت في مجلات مثل اليونيسف وغيرها. أحب ذلك كثيرا، لكن الكتابة للأطفال خطرة جدا وعلى الشاعر الحذر.


-من هي ناهدة شبيب خارج الشعر؟
أم لخمسة أولاد، إنسانة بسيطة وودودة، من مواليد برج العذراء، تحب الناس لكنها وحيدة ولا تتقن الصداقات الحميمة، حزينة بطبعها، والعائلة عندها رقم واحد.


-ما التجربة أو الخسارة الأعمق في حياتك؟
خسارة الوطن كانت أكبر خسارة غيرت تكويني وجعلتني أرى الأشياء على حقيقتها وزعزعت ثقتي بكل شيء.
-ماذا تريدين أن يبقى منك في ذاكرة القارئ؟
القصيدة موقف والموقف إنسان.
أنا ابنة الحزن وبنت الغربة وشريكة المنفى، فلتبق القصيدة الأنثى بكل أوجاعها الإنسانية في ذاكرة الوطن.