رأي عُمان

نضج الدولة في لحظة التحولات الكبرى

 

يعطينا التاريخ لحظات نادرة نستطيع فيها قراءة أنفسنا كما هي في الواقع لا كما نحب أن تكون، وفي مراكز الحكم وصناعة القرار تكون تلك اللحظة أكثر تعقيدًا لكنها أكثر قدرة على قراءة حقيقة الدولة ونضجها المتبلور عبر الزمن. وأكثر دقة لفهم صلابة مؤسسات الدولة السياسية والاجتماعية، وقراءة حجم وعي الشعب نفسه باللحظة وبتحدياتها وآليات التعامل معها.

ولعل التاريخ أعطى سلطنة عُمان تلك اللحظة النادرة والصعبة خلال الأشهر الماضية وما صاحبها من تحديات إقليمية، ولعلها أثبتت أمام نفسها قبل العالم أنها اجتازت امتحان الزمن في لحظة من أصعب لحظاته.

لقد كشفت الأحداث والوقائع التي مرت بها عُمان نضجا تراكم في الدولة والمجتمع والمؤسسات، ثم أصبح يظهر في المنعطفات التاريخية والتحديات التي تمر بها المنطقة. ويتجلى نضج الدولة حينما تملك القدرة على تحويل الذاكرة التاريخية إلى وعي وسياسة معاصرة، فتعرف متى تتكلم ومتى تصمت ومتى توسع مؤسساتها ومتى تحرك دبلوماسيتها ومفردات قوتها الناعمة لدعم توجهاتها العليا.

والبيان الإعلامي الصادر عن اجتماع مجلس الوزراء أمس برئاسة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم-حفظه الله ورعاه- يكشف بجلاء عن رؤية عميقة تبلورت عبر الزمن وعبر الأحداث الكبرى، ونضج يتوزع بين المؤسسة والمجتمع والخطاب العام. وهذا النضج هو الذي يشكل الخيط الناظم لكل ما جاء في البيان من قرارات وتوجيهات وإشادات.

وقرار إنشاء مجلس التنسيق الاقتصادي برئاسة صاحب السمو السيد ذي يزن بن هيثم نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية يكشف عن دولة تعمل على ترسيخ التناغم بين السياسات الحكومية ومتطلبات القطاع الخاص، واستشراف توجهات الاقتصاد العالمي، وتوجيه السياسات العامة نحو نموذج تنموي أكثر تنوعا وتوازنا.

والأمر نفسه في قرار إنشاء هيئة الأصول الحكومية الذي يهدف لتعظيم القيمة الاقتصادية للأصول الحكومية وتعزيز كفاءة إدارتها في إطار مؤسسي متكامل من الحوكمة والشفافية. ومن اللافت أن اجتماع مجلس الوزراء لم يعزل التنمية والاقتصاد عن المشاركة المجتمعية ولذلك فإن تخصيص مقعد إضافي للمرأة في كل محافظة داخل مجلس الشورى يحمل معنى سياسيا كبيرا وتأكيدا على دور المرأة العمانية في بناء الوعي والعمل العام وصناعة القرار.

وفي ملف الأطفال ووسائل التواصل والأمن السيبراني، دار النقاش حول كيفية حماية الدولة للمجتمع دون أن تعادي المستقبل؛ لذلك فإن تنظيم استخدام الأطفال للوسائل الرقمية، وإعطاء الأمن السيبراني أولوية كبرى هو إصرار على دخول المستقبل بوعي واتزان.

ثم تأتي السياسة الخارجية لتكمل الصورة بكل تفاصيلها. خطة مسقط، والتفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، وتأكيد احترام سيادة الدول، والتمسك بحرية الملاحة في مضيق هرمز وفق القانون الدولي، كلها تفاصيل تؤكد الحكمة العمانية التي تشكلت عبر الزمن.

وربط الاجتماع السياسة الخارجية بحركة نقل السلع وحركة الشاحنات وبالتحديات التي تواجه المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وبالتكامل الخليجي. وهذا الربط يؤكد واقعية الدولة وواقعية دبلوماسيتها التي تسعى لحماية الحياة اليومية للناس من التأثر بالتحولات الإقليمية والعالمية.

ولعل الإشارة إلى «السمت العُماني» في أطروحات المواطنين واتزان الخطاب الإعلامي ونهجه العقلاني كانت من أكثر ما يستحق التوقف لفهم مستوى نضج الدولة؛ فالدولة لا تنضج وحدها، إنها تحتاج إلى مواطن صلب أمام الانفعالات التي تثيرها وسائل التواصل الاجتماعي، وإلى إعلام يقرأ الأحداث بعقلانية واتزان وحكمة بعيدا عن خطابات التعبئة ولغة الحرب.

لقد أكد اجتماع مجلس الوزراء معطيات كانت راسخة لكن الأحداث وضعتها أمام تجربة تاريخية فريدة في مقدمتها أن عُمان لا تبني مواقفها على ردود الأفعال؛ فلديها تاريخ طويل ومتراكم من الثقة والمؤسسات والحكمة والنضج ما يجعلها تعرف طريق البناء كما تعرف أين تقف وكيف تحمي شعبها، وكيف تحول ميراثها السياسي إلى قوة أخلاقية وسياسية في آن واحد.